×

حقيقة نشر "الحرية" في العالم الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم نشر الحرية في العالم الإسلامي الحمد لله ربّ العالمين، المعبود الحق، الآمر الناهي، لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام
قديمة 23 - 03 - 2007, 10:29
المشاركة 1
بسم الله الرحمن الرحيم

نشر الحرية في العالم الإسلامي


الحمد لله ربّ العالمين، المعبود الحق، الآمر الناهي، لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرسول الكريم، بلّغ العباد ما نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين.

كثرت في الآونة الأخيرة تصريحات أصحابُ القرار في الولايات المتحدة المتعلقة بنشر الحرية في بلدان الشرق الأوسط وبخاصة الإسلامية منها، بل ورُبط التغلب على الإرهاب وإلحاق الهزيمة به بالنجاح في نشر الحرية. وباعتبار الولايات المتحدة دولةً رأسمالية استعمارية، شكك البعض بنواياها تجاه دعم الحرية في المجتمعات الإسلامية، ذلك لأنهم ظنوا بأن الحرية المقصودة تعني التحرر من السيطرة الأجنبية والإستعمار، وهذا مما يستحيل على دولة تدين بالرأسمالية وتتخذ النفعية مقياسًا لأعمالها وتعتاش على مصّ دماء المُستعمرات أن تفكر فيه. فما هي الحرية التي تُصرِّحُ الولايات المتحدة الأمريكية بنيّتها تصديرها للمسلمين؟ وهل هذه التصريحات من قبيل ذرّ الرماد في عيون المسلمين، أم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعني حقًّا نشر الحرية؟ ولماذا يرى الساسة الأمريكان أن هزيمة الإرهاب وأيديولوجيات الكراهية (كما يزعمون) متعلق بالنجاح في عملية نشر الحرية؟ وما الموقف الذي يتوجب على المسلمين اتخاذه تجاه مثل هذه الخطط أو التصريحات؟

في خضم صراع الحضارات المحتدم، ومع بداية انكسار شوكة الدولة الرأسمالية الكبرى وظهور بشائر هزيمتها بإذن الله، وارتفاع نجم المسلمين بعد خروجهم من منحدر الإنحطاط الذي دخلوه قُبيل هدم خلافتهم، وتطلعهم إلى النهوض لتسلّم قيادة الإنسانية مجددًّا، تتابعت التصريحات من أرباب الحكم في الولايات المتحدة تُنادي بنشر الحرية في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة البلاد الإسلامية فيها، مدعيّة أن انتشار الحرية والديمقراطية هو أفضل علاج لأيديولوجيات الكراهية التي تغذي الإرهاب. وللتدليل على زخم هذه التصريحات، نورد على سبيل المثال لا الحصر أربعة منها صدرت خلال أسبوعين اثنين:
1- قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن انتشار الحرية والديمقراطية هو أفضل علاج لأيديولوجيات الكراهية التي تغذي الإرهاب، واقترحت ميزانية للإنفاق على الشؤون الخارجية في العام 2007 تدعم نشر الحرية.
وأضافت في كلمتها أمام اللجنة الفرعية للإعتمادات التابعة لمجلس النواب يوم 9 آذار/مارس، 2006، أن شعوبا عديدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا بدأت في الفترة الراهنة فحسب الحصول على حقها في حرية التعبير والاتجاه نحو إقامة نظم ديمقراطية مستقرة.
http://usinfo.state.gov/xarchives/di...ab-latest.html
2- قالت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، في اجتماع مع الأهالي في قاعة الاجتماعات العامة في مبنى بلدية إحدى البلدات الأسترالية في 16 آذار/مارس، إن انتشار الديمقراطية حول العالم عنصر أساسي لإلحاق الهزيمة بالإرهاب.
وأردفت: "يجب أن يتم خوض الحرب على الإرهاب، مثلها في ذلك مثل جميع الحروب الأخرى التي شنها تحالفنا، بقوة السلاح عندما يكون ذلك ضروريا، وإن كان لا يمكن الانتصار فيها بقوة السلاح وحده. فكما حدث في صراعنا ضد الشيوعية والنازية والتسلط العسكري، ستكون قوة الحرية الإنسانية هي التي ستلحق الهزيمة في نهاية المطاف بإيديولوجية الكراهية والعنف."
ومضت رايس إلى القول إن الديمقراطية تساهم في الحيلولة دون حصول الإرهابيين على موطئ قدم في المجتمع من خلال توفيرها صوتاً للمحرومين.
وأضافت أنه عندما يفكر المرء بجذور الإرهاب، "عندما تفكر بما يجتذبون المجندين الجدد منه حقاً... إن اليأس وانعدام الحرية هو ما يعطيهم فرصة للكلام... بهذه الطرق المتطرفة باسم الساخطين."
http://usinfo.state.gov/xarchives/di...ab-latest.html
3- صرح نائب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جي دي كراوتش بأن استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة في عام 2006 تستند إلى الفرضية القائلة بأن السلام والاستقرار الدوليين يقومان على أساس من الدول الحرّة.
فقد أبلغ كراوتش الصحفيين في حديث له معهم في البيت الأبيض يوم الخميس 16 آذار/مارس أن الولايات المتحدة ستواصل مساعدة الدول على إقامة وتطوير مؤسساتها الديمقراطية ومجتمعاتها المزدهرة وتصدّر الجهود الرامية إلى مواجهة الأخطار التي تهدد المجتمع العالمي.
وجاءت تصريحات الدكتور كراوتش بمثابة توضيح لاستراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي التي أعلنت في وقت سابق من اليوم نفسه ووصفها بأنها "وثيقة هامة من الرئيس" وبأنها مطلب للكونغرس.
وأوضح كراوتش للصحفيين أن تلك الاستراتيجية تكملة للبناء على الأسس التي أرستها الاستراتيجية الأمنية المعلنة في العام 2002 وتقوم على خمسة عناصر أساسية هي:
• المحافظة على قوة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية وتعزيزها ضد أولئك الذين يريدون إلحاق الضرر والأذى بالولايات المتحدة وبحلفائها، خاصة وأن الولايات المتحدة في حالة حرب.
• العمل على المدى الطويل على هزيمة الإرهاب عن طريق الترويج لرؤية إيجابية للحرية والديمقراطية كبديل لإيديولوجية الإرهابيين السلبية القائمة على الكراهية والكبت.
• عدم اعتبار الحرية والديمقراطية غاية بحد ذاتها بل والعمل أيضا على هزيمة الظلم والاستبداد وتعزيز المؤسسات الديمقراطية الفعالة وحماية الحرية الإنسانية عن طريق تلك المؤسسات.
• تشجيع الدول التي تسعى إلى إقامة مؤسسات ديمقراطية فعالة ومكافأة الدول التي تحسن إدارة الحكم وتستثمر طاقات شعوبها وذلك عن طريق دعم جهودها لتعزيز الرخاء والأسواق المفتوحة وإدخال الدول النامية ودمجها في الاقتصاد العالمي.
• مواجهة المجتمعات الديمقراطية المتزايدة للتحديات والأخطار التي تهدد البلدان من خارج حدودها كالأوبئة والأمراض وانتشار أسلحة التدمير الشامل والإرهاب والاتجار بالبشر والكوارث الطبيعية على غرار موجة المد البحري التسونامي.
وأوضح كراوتش أن مضمون هذه الاستراتيجية للأمن الوطني هو "من جهة، الترويج للديمقراطية الفاعلة، و من الجهة الأخرى تلبية الحاجة إلى اتخاذ المجتمع الدولي والولايات المتحدة دور الطليعة في مواجهة تلك التحديات" باعتبارهما أفضل تأهيلا واستعدادا للقيام بمثل هذا الدور.
http://usinfo.state.gov/xarchives/di...ab-latest.html
4- في 23 آذار/مارس، 2006- أعرب الرئيس بوش عن دعمه لأفغانستان وحكومة الرئيس حامد كرزاي، إلا أنه قال انه "منزعج جدا" لأن مواطنا أفغانيا بات يواجه عقوبة إعدام محتملة بسبب ارتداده عن الإسلام واعتناقه المسيحية.
وفي كلمة له يوم 22 آذار/مارس الجاري في ويلينغ، بولاية ويست فيرجينيا، قال الرئيس إن الديمقراطية تتنامى في أفغانستان وإن الولايات المتحدة تتوقع من أفغانستان أن "تحترم المبدأ العالمي للحرية".
وزاد الرئيس ان التهم الموجهة ضد المواطن الأفغاني عبد الرحمن، 41عاما، لا تشكل "التطبيق العام للقيم التي تحدثت عنها."
وجاء في تصريح بوش: "من دواعي الإنزعاج البالغ أن بلداً ساهمنا في تحريره سيحاسب شخصاً لأنه اختار ديانة معينة على أخرى." لكنه أضاف انه يتمنى أن تحل هذه المشكلة بالعمل مع حكومة أفغانستان ومن خلال "تذكير الناس بأن هناك أمرا شائعا في حرية العبادة كما يختارها المرء".
وأشار الرئيس الأميركي كذلك الى أنه يتطلع قدما الى العمل مع الأفغان لغرض تأسيس وسائل الحماية للحرية الدينية. الا أنه أقر بأن أفغانستان تواجه تحديات في سعيها "إعادة إعمار بلاد احتلها حكم طالبان ثم نكل بها بعد ذلك."
وأوضح الرئيس ان قراره بغزو العراق استند جزئيا الى حقيقة كيف أن الحرب العالمية الثانية حولت دولا مثل ألمانيا واليابان، وهما بلدان كان يحكمهما نظامان دكتاتوريان، الى حلفاء للولايات المتحدة. واضاف الرئيس: "يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه والحرية تعطي الفرصة لأن ترسي أسس السلام."
http://usinfo.state.gov/xarchives/di...ab-latest.html

وهكذا أضحى نشر الحرية عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية الأمنية، ووسيلة من وسائل حربها على الإرهاب وأيديولوجية الكراهية بزعمهم، ما يعني طبعًا حربها على الإسلام وعقيدته. وليست الحرية التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية نشرها في العالم الإسلامي وترصد في سبيل تصديرها إليه الجهود السياسية والإقتصادية، ليست هذه الحرية هي التحرر من الإستعمار والنفوذ الغربي، لأن أمريكا بطبيعة الحال دولة رأسمالية إستعمارية، هدفها الأساسي الحفاظ على نفوذها وسيطرتها على العالم الإسلامي. أما مدلول الحرية الحقيقي في تلك التصريحات، فهو مدلول الحرية في العقيدة الرأسمالية، أي: "تمكين الفرد من مباشرة أعماله وإشباع رغباته وتسيير سلوكه دون قيد أو شرط، ودون ضغط أو إكراه"، وهذا ما يُعبَّر عنه عادة بتمكين الفرد من حرياته العامة، أو حرياته الأربع وهي حرية الاعتقاد وحرية الرأي وحرية التملك وحريته الشخصية.
أما علاقة الحرية بالعقيدة الرأسمالية –عقيدة فصل الدين عن الحياة-، ففصل الدين عن الحياة يتطلّب أن يضع الإنسان نظام حياته بنفسه من الواقع الذي يعيشه، ولا يستطيع الإنسان وضع مثل هذا النظام إلا إذا كان حُرًّا، لأن العبد لا اختيار له ولا إرادة في وضع النظام. ولهذا كان لا بدّ من المحافظة على الحريات لضمان تطبيق النظام الرأسمالي. ومن هنا أيضًا كانت طريقة تطبيق النظام الرأسمالي هو ضمان الحرية للأفراد من قِبل الدولة، ولا وجود للنظام الرأسمالي إذا انعدمت الحرية! لذلك فوفق فلسفة الرأسمالية لا مجال لتقييد الحريات، إلا أن الدولة في النظام الرأسمالي تُقيّد حرية الفرد بإطار قانوني لضمان حريات الأفراد الآخرين من أن تنتهك أو يُتعدى عليها. ومن هنا كانت الدولة الرأسمالية وسيلةً للحفاظ على الحريات.
لذلك نرى كل هذا الحرص الأمريكي على نشر الحرية في المجتمعات الإسلامية، وهو حرص حقيقي لا كذب فيه ولا تضليل كما يتوهمُ البعض، لأن أمريكا تسعى في حربها على الإسلام إلى إبعاد المسلمين عن تطبيق الإسلام كنظام حياة، وتحرص كل الحرص على تطبيق نظامها الرأسمالي في مجتمعاتهم، وهذا لا يتم كما أسلفنا إلا بضمان الحريات الأربع في هذه المجتمعات الإسلامية، وبتحقيق ذلك تكون الولايات المتحدة قد أفلحت في طمس معالم الصحوة الإسلامية وإجهاض نهضة المسلمين ومنع قيام دولة الخلافة التي تجسد التطبيق العملي لنظام الإسلام، عن طريق تغييب واقع الحكم الإسلامي والتقيّد بنظام الإسلام عن الأذهان، وتكريس فكرة فصل الدين عن الحياة.
ومن هنا نشهد في التصريحات الأمريكية ذلك الربط بين هزيمة الإرهاب (أي الإسلام) وأيديولوجيات الكراهية (كما يزعمون) من جهة والنجاح في عملية نشر الحرية من جهة أخرى، بل القول بأن ضمان الحرية هو الطريقة للتغلّب على الإرهاب والفوز في صدام الحضارات.
أما ما نراه من مطاردة العاملين لإعادة حكم الإسلام، ومحاولة كتم أصواتهم، ومنعهم من المناداة بما يحملونه من أفكار إسلامية، من قبل دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة وعملائها من حكام المسلمين، فليس منعًا للحريات، بل هو حفاظ من هذه الدول على الحريات، حيث أن العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية يهدّدون الحرية ذاتها لأنهم يُنادون بتحكيم الشرع في كل شؤون الحياة وبتسيير أعمال الفرد بالإسلام، بل إنهم يُنادون بإخراج الناس من الحرية واتباع الهوى إلى عبادة الله وحده، ولذلك كان منعهم من ذلك –من وجهة النظر الرأسمالية- حفاظًا على الحرية، لأن حرية الفرد كما ذكرنا مقيّدة بعدم المساس بحرية الآخرين.
ولنتخيل للحظة مجتمعًا إسلاميًّا تقرّر فيه الدولة ضمان الحرية للأفراد، حتى نوضّح كيف تؤدي المحافظة على الحرية إلى هدم نظام الإسلام وتطبيق النظام الرأسمالي في ذلك المجتمع. فضمان الحرية سيؤدي كما قلنا إلى فصل الدين عن الحياة في هذا المجتمع، فلا مجال لفرض تطبيق الإسلام، وعلى سبيل المثال ستعطي حرية التملك الفردَ الحق في البيع بالربا، وبيع المحرمات كالخمر، وفتح بيوت الدعارة باعتبارها مادة تحقق الربح، وعلى الدولة أن تحافظ على حريته تلك، وذلك بمنع كل مسلم غيور في ذلك المجتمع من تغيير تلك المنكرات أو الدعوة إلى إلغاء هذه الحرية والتقيد بأحكام الإسلام عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الدولة، لأن هذه الأعمال التي أمر بها الشرع تتعدّى على حريات الفرد، أو تُنادي بالتعدي على تلك الحريات أو تقييدها. ولك أن تتخيّل حال هذا المجتمع بعد ضمان حرية الرأي، فيُدعى فيه إلى كل شرٍّ وفكرٍ خبيث دون مانع أو زاجر، وتنتشر الأفكار الإلحادية والشيوعية والتصريحات التي تنال من الإسلام وعقيدته والقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلّم، كما شهدنا مؤخرًا في الدانمرك وغيرها. وتبصّر في حال مجتمع تُضمن للفرد فيه الحرية الشخصية، بل قُل يُضمن للفرد الحق في التعري والسفور، وممارسة الزنا والشذوذ الجنسي دونما خوف أو حساب، ولِمَ الخوف والدولة ترقب كل من ينوي تغيير المنكر أو النهي عنه للأخذ على يديه؟! وإذا تذكرنا أن الحفاظ على حرية العقيدة يعطي المسلم الحق في الردّة وترك الإسلام –كما حصل مؤخرًا في أفغانستان في قضية محاكمة أحد المرتدين-، تكتمل لدينا الصورة عن مثل هذا المجتمع "الإسلامي" الذي تحوّل بلمسة من ضمان الحريات إلى مجتمع كفر يغوص إلى عنقه في الرذائل والموبقات، وهذا هدف أمريكا الذي إن تحقق حازت نصرها في حربها ضد الإسلام.
ومن أبلغ الصيغ في التحذير من ضمان الحريات في المجتمع الإسلامي، وتبيان خطر ذلك على المسلمين، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، الذي حثّ المسلمين فيه على القيام على حدود الله وعدم السماح لمن أراد الوقوع فيها أن يمارس "حريته"، قال عليه أفضل الصلاة والتسليم:
"مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُوْدِ اللهِ والوَاقِعِ فِيْهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ إسْتَهَمُوا عَلَى سَفِيْنَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا. فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوْا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوْا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيْبِنَا خَرْقَاً ولَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوْهُمْ وَمَا أَرَادُوْا هَلَكُوْا جَمِيْعَاً، وَإِنْ أَخَذُوْا عَلَى أَيْدِيْهِمْ نَجُوا ونَجُوا جَمِيْعَاً".
أما الإسلام، فهو يقرّر حقيقة الإنسان من حيث أنه عبدٌ لله تعالى، والعبودية هي المدلول المناقض لمدلول الحرية، فلا مجال للقول بأن الإسلام ينادي بالحرية بمدلولها المُتناول، بل إننا نرى أن الإسلام شرّع من الأحكام الشرعية المتعلّقة بتطبيق النظام الإسلامي ما يضمن الحفاظ على التزام الأفراد بالإسلام في كل أفعالهم، وحَمْلِهِم على ذلك إن فكروا بالخروج على أحكامه، أي أن النظام الإسلامي ينسف فكرة ضمان الحريات من أساسها، ليُخرج الناس من عبادة العباد ومنها عبادة الذات بضمان حرية الفرد، إلى عبادة ربّ العباد، العليم الحكيم.
وقد يُتوهمُ أن إباحة الشرع بعض الأفعال هو إقرار منه بحرية الفرد، وذلك خطأ من ناحية أن خطاب التكليف في الإسلام جاء بشكل جازم، والمسلم مكلّف بشكل جازم أن يتقيّد بأحكام الشرع عند القيام بأي عمل من الأعمال، والقاعدة الشرعية تقول بأن الأصل في الأفعال التقيُّد بالحكم الشرعي. أما موضوع التكليف، أي الشيء الذي كلّف الله تعالى به عبده طلبًا أو تركًا أو تخييرًا، فهو قد يكون فرضًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا. أما نفس التكليف فهو جزم ولا تخيير فيه، وليس له إلا حالة واحدة وهي وجوب التقيد به. لذلك فالمباح في الإسلام ليس إلا تخيير الشارع للمكلّف بالقيام بالفعل أو الإمتناع عنه، ولا يكون الفعل مباحًا إلا بعد إذن الشارع، بينما الحرية تقضي بأن الإنسان من حيث الأصل غير مكلّف ولا مقيّد في تسيير أفعاله، فهو ليس بحاجة لإذن من أحد للقيام بالفعل على وجه محدّد.
ولتنفيذ النظام الإسلامي وضمان عدم الخروج على أحكامه بدعوى الحرية، نجد الإسلام يقوّي التقوى في قلب المؤمن، حتى لا يفكر باتباع هواه وحريته مخالفةً لأوامر الله سبحانه ونواهيه، محذّرًا إياه من مغبة ذلك بالخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} الأحزاب 36. كما أن الإسلام يأمر الدولة وولاة أمور المسلمين أن يحكموا بالإسلام ويطبّقوا النظام الإسلامي، وأن لا يسمحوا بظهور الحريات واتباع الأهواء في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} المائدة 49. ولم يترك مسؤولية ذلك للحكام فقط، بل حمّل العامة المسؤولية عن ضمان تطبيق الإسلام أيضًا، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشمل ذلك محاسبة الحكام أيضًا إن حادوا عن أحكام الإسلام أو أساؤوا تطبيقه، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كلا والله لتأمُرُنّ بالمعروفِ، ولتنهونّ عن المنكرِ، ولتأخذنّ على يدي الظالم، ولتأطرنّه على الحق، ولتقصرنّه على الحق قصرًا، أو ليضربنّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض، وليلعننّكم كما لعنهم" خرّجه الترمذي. وقال أيضًا: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه النسائي. والآيات والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة كثرة تمنعنا لضيق المقام من ذكرها كلها.
وبالعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، التي يطبّق الإسلام فيها في كل شؤون الحياة، وتُسيَّر كل أعمال الدولة والفرد في ظلها بالأحكام الشرعية، وبالإلتزام بما ذُكر سابقا من أحكام هدفها ضمان تطبيق الإسلام واستمرار تطبيقه، وبرفض الدعوة الأمريكية لنا بتبني الحريات وإدخالها إلى مجتمعاتنا، نضمن استمرار صحوة المسلمين، ونهوضهم لتبوء الصدارة العالمية من جديد، كأمة شاهدة على الناس، تسعى بكل طاقتها لإخراجهم من عبادة العباد، وظلمات اتباع الحريات والأهواء، إلى عبادة ربّ العباد، ونور اتباع الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. فإلى نبذ الحريات الغربية ومحاربتها أدعوكم أيها المسلمون، وللعمل على تطبيق الإسلام منهجًا ونظامًا للحياة عن طريق العمل لإقامة الخلافة أهيب بكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


المصدر

http://www.al-warak.com/forums/index.php?showtopic=25
المشاهدات 523 | التعليقات 1
قديمة 23 - 03 - 2007, 12:03
المشاركة 2
صورة '( الواثق )' الرمزية
( الواثق )
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 02 - 01 - 2006
رقم العضوية : 15310
المشاركات: 789
افتراضي
جزاك الله خير
 
اضافة رد
 

صــور لعبده الشيطان ... حديث الجمعة ...الدفاع عن الهيئة من الجهاد وحبها من الإيمان ...

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق العرض


الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 02:52.
المعهد غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي معهد ترايدنت ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

جميع الحقوق محفوظة Traidnt 2019
  • 00966138651070
  • 00966138648289
  • 2051033691
Powered by vBulletin® Version 3.8.11 .Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.