×

صورة 'سيد خليل' الرمزية
قديمة 22 - 10 - 2014, 21:53
المشاركة 1

بنت العروب معجب بهذا.
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
المشاهدات 1481 | التعليقات 31
قديمة 22 - 10 - 2014, 21:55
المشاركة 2
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران: تفسير الآيات 3-6

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة آل عمران ، ومع قوله تعالى :
﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيل
1ـ ما هو الحقٌّ ؟
أيها الإخوة ، هذا الكتاب ـ القرآن الكريم ـ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالحق ، والحق هو الشيء المستقر ، ونقيضه الباطل ، والحق الشيء الهادف ، نقيضه العابث ، والقرآن الكريم يفسِّر بعضه بعضاً ، فالحق الشيء الثابت ، المستقر ، المستمر ، والباطل الشيء الزائل ، فالباطل نقيض الحق ، والحق الشيء الهادف ، فقد نؤسس جامعة ، وأهداف الجامعة كبيرة جداً ؛ تخرّج قادة للأمة ، علماء ، وقد نفتتح ملهى ، والملهى مهمته ابتزاز أموال الناس ، وجعلهم في أحطِّ ما يكون ، فالشيء الثابت والذي له هدفٌ نبيل هو الحق ، فإذا قال الله عزَّ وجل :
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
( سورة التغابن : من الآية 3 )
أي أن الحق لابَسَ خلق السماوات والأرض ، وأن هذا الكون أوجده الله عزَّ وجل ليبقى ، لكن : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26) ﴾
( سورة الرحمن )
و .. ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾
( سورة القصص : من آية " 88 " )
لكن بعد الحياة الدنيا هناك جنةٍ إلى أبد الآبدين ، وجهنَّم إلى أبد الآبدين ، فإذا قلت : إن الله خلقني بالحق أي أنك خلقت لتبقى ، وما الموت إلا حالةٌ طارئة .. ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾
( سورة آل عمران : من آية 185 )
﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77) ﴾
( سورة الزخرف )
فالحق الشيء الثابت ، والحق الشيء الهادف ، له هدفٌ نبيل .
أما العَبَث فهو حركة بلا هدف ، الذي يلعب بالنرد هذا عبث ، ما فيه فائدة ، بل هو تمضية وقتٍ ، وشدّ أعصاب ، فكل شيء لا هدف له ، ولا جدوى منه ، ولا يحقق شيئاً أساسياً في الحياة يقال له : عبث ، واللعب عبث ، فإذا قلنا : هذا الكتاب نزل بالحق ، أي لابس الحقُّ نزولَه ، فكتابٌ .. ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 43 )
من عند خالق الأكوان ، أي قطعي الثبوت ، وهدفه هداية الخلق إلى الحق ، هداية الخلق إلى سبل سلامتهم ، وسبل سعادتهم .. ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 9 )
2 ـ القرآن نزل بالحق :
شيء لا يصدق ، كتابٌ بين يديك فيه منهجٌ كامل ، والنبي شرحه بعشرات ألوف الأحاديث ، فأنت معك كتابٌ هو وحي السماء من عند خالق الأكوان ، ومعك شرحٌ لهذا الكتاب من قِبَل سيِّد وَلد آدم ، فهذا الكتاب نزل بالحق ، صحيح مئة بالمئة ، حقائقه قطعية مئة بالمئة ، أهدافه نبيلة جداً ، وهناك كُتُب أخرى ، وكلها من عند الله ، إذاً لابد أن يصدِّق هذا الكتاب الكتب السابقة ..
﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾
الآن ، الباطل زائل ولو كان أكبر قوة في العالم .. ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾
( سورة الإسراء )
وهناك قوى كبيرة جداً في العالم تهاوت كبيت العنكبوت ، لأنها باطل ، الباطل عقيدةً وقوةً إلى زوال ، لأن الله عزَّ وجل يقول : ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾
كل شيء باطل زائل ، كل شيء غير صحيح لا يستمر ، والعوام تعبِّر عن هذه الحقيقة بطريقةٍ خاصة ، يقول لك : لا يصح إلا الصحيح ، أي لا يستمر إلا ما كان صحيحاً ، وكل شيء وفق الكتاب والسنة مستمر ، فالإسلام حق إذاً فهو مستمر ، شامخٌ كالطود ، أما الضلالات الأخرى فأصبحت في الوحل ، ولو كان أصحابها أقوياء ؛ فقد كانت قريش قوية جداً ، وقد عارضت الحق ، لأن الله مع الحق ، ولأن النبي على حق ، هو الذي انتصر ، وهم أصبحوا في مزبلة التاريخ ، وهم الذين عارضوا النبي ؛ منهم أبو جهل ، وأبو لهب ، وصفوان بن أمية ... إلخ .
البطولة أن تكون مع الحق لأنه دائم ، وأن تكون مع الحق لأنه هادف ، والحق يسمو بك ، الحق ثابت يطمئنك . 3 ـ لا تعلِّق مصيرَك بجهة زائلة :
أحياناً الإنسان يكون مع شخص ، ربط مصيره مع هذا الشخص ، فإن أزيح من مكانه فَقَدَ كلَّ شيء ، فالشخص زائل إذاً هو باطل ، أما الإسلام فباقٍ ، إذاً هو الحق ، فالبطولة هي ألا تربط نفسك ومستقبلك ومصيرك بشيء زائل ، ومن ميزات المؤمن أنه ربط نفسه ومصيره بالله عزَّ وجل ، والله حيٌ على الدوام ، باقٍ حيٌ على الدوام ، فكل إنسان ربط مصيره ، ربط نفسه ، أو حياته ، أو مصيره بجهةٍ أرضيةٍ هو يغامر ، ويقامر ، فلو أن هذه الجهة الأرضية تزعزعت من مكانها ، أو أزيحت من مكانها لَفَقَدَ كل شيء .
المؤمن يشعر بشعور لا يعلمه إلا من فَقَدَه ، ومهما تقدَّمت بك السن ، وكلما تطور العلمُ أكّدَ حقائق الدين ، وأنت ما عندك مشكلة اهتزاز مبادئ ، فإذا وجدت فرقاً بين حقائق العلم وحقائق الدين فهذا من تقصير العلم ، وإذا وجدت خللا بين ما تقرأ في الكتب العلمية وآيات القرآن الكريم فلضعفِ العلم ، أما إذا تقدَّم العلم جاء مطابقاً لما في الكتاب والسنة ، فالمسلم ما في عنده حالة اسمها أن يكتشف فجأةً أنه كان على باطل ، أو أن هذا الذي اعتقد به غير صحيح ، أو أن هذا الذي تعلَّق به زائل ، المؤمن مع الله عزَّ وجل ، وإذا كنت مع الله كان الله معك ، وإذا كان الله معك حفظك ، وأيَّدك ، ونصرك ..
﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ
1 ـ التوراة والإنجيل قبل التحريف موافقتان للقرآن :
في هذين الكتابين اختلاف ، لأن التوارة والإنجيل أصابها التحريف ، أما في أصولها فمتوافقةٌ مع كتاب الله ، لكن حينما بُدِّلت وحُوِّرت كان هناك تناقضٌ بينها وبين كتاب الله ..
﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾
2 ـ لا يترك الله عباده من غير دعوة وإرشاد :
ربنا عزَّ وجل لا يدع عباده من دون دعاوات ، من دون إرشادات ، من دون بيِّنات ، كأن الله عزَّ وجل تكفَّل بهداية الخلق ، قال :
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12) ﴾
( سورة الليل )
كأن الله عزَّ وجل وصَّل القول لكل الناس .. ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ ﴾
( سورة القصص : من الآية 51 )
مستحيل تكون أبا وابنك الصغير يتحرَّك حركة عشوائية في غرفة فيها مِدفأة دون أن تحذِّره ، دون أن تبيِّن له ، هذا مستحيل !! رحمة الأب ليست بشيء أمام رحمة الله عزَّ وجل ، الأب يرشد ، يوجه ، يحذر ، ينذر ، أحياناً يمسك بيد ابنه ، ويبعده عن المدفأة ، يتحرَّك ، فربنا عزَّ وجل تولَّى هداية الخلق ، وحيثما جاءت كلمة ( على ) مع لفظ الجلالة ، معنى ذلك أن الله ألزم نفسه إلزاماً ذاتياً بهداية الخلق ، قال : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)﴾
( سورة الليل )
وترجمة هذه الهداية : أنه أنزل هذه الكتب على أنبيائه ، أنزل الزبور، والتوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، القرآن وحده تولى حفظه .. ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) ﴾
( سورة الحجر )
لأن هو المعجزة ، نحن كتابنا هو المعجزة فلابد من حفظ هذه المعجزة ، أما سيدنا عيسى فمعجزته إحياء الميت ، وإبراء الأكمه والأبرص ، سيدنا موسى معجزته العصا ، وشق البحر ، وما إلى ذلك ، فالله عزَّ وجل ما تولى حفظ الكتابين السابقين ، فأصابهما التحوير والتبديل لحكمةٍ أرادها . ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾
3 ـ القرآن منهج الخالق الخبير فلابد من اتباعه :
الفرقان إذا قرأته ، واستوعبته ، وفهمته ، وتدبَّرته ، بعد قراءته ، واستيعابه ، وفهمه ، وتدبره ، تفرِّق بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والحلال والحرام ، وما ينبغي وما لا ينبغي ، وما يجوز وما لا يجوز ، وما يُسعد وما يشقي ، كيف أن شرب الماء فرضٌ على الجسم كي يبقى حياً ، وكيف أن استنشاق الهواء فرضٌ على الجسم كي يبقى حياً ، وكيف أن تناول الطعام فرضٌ على الجسم كي يبقى حياً ، كذلك فرضٌ على النفس أن تستوعب هذا الكتاب لأنه منهجها ، ولأنه سبيل سلامتها وسعادتها ، ولأنه دستورها ، ولأن فيه تِبْيان كل شيء .
عندما تجد آلة بالغة التعقيد وغالية جداً ، وتجد معها كتاب تعليمات باللغة العربية ، يصيبك سرور ما بعده سرور ، تقرأه بشغفٍ عجيب ، لو اشتريت آلةً بالغة التعقيد ، غالية الثمن ، عظيمة النفع ، مثلاً : هناك الآن كومبيوترات ، حواسب يمكن أن تحلل الدم ، تأخذ قطرة دمٍ ، وتضغط على المفتاح ، فيأتي سبعة وعشرون تحليلاً ، فإذا أمرت بطبعها يطبعها ، فإذا كان كل تحليل بثلاثة آلاف ليرة ، وعندك مئة زبون واقفين ، والعمل كله بكبسة زر ، فهذا شيء مفيد جداً ، هذا الحاسوب جاء بلا كتاب تعليمات ، كتاب التعليمات أهم منه ، لأنك لو استعملته بلا تعليمات الصانع أعطبته ، وإن خفت على سلامته فلن تستعمله ، وجمدت ثمنه ، ألا ترى معي أن كتاب التعليمات أهم منه ؟ لذلك قال تعالى :
﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَان ﴾
( سورة الرحمن )
4 ـ لا معنى لوجود الإنسان من دون منهجٍ :
علم القرآن ، خلق الإنسان ، أيعقل أن يُعَلَّم القرآن قبل أن يخلق ؟ هكذا الترتيب ، قال علماء التفسير : هذا ترتيبٌ رُتَبِيّ لا ترتيبٌ زمني ، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون القرآن ، لا معنى لوجودك من دون منهج تسير عليه ، فهذا الكتاب فيه الحلال وفيه الحرام ، وفيه الخير وفيه الشر ، فيه تعريف بالشر ، وتعريف بالخير ، والأمر والنهي ، طريق السلامة ، وطريق السعادة ، آيات كونية ، وآيات إخبارية ، الأقوام السابقون ، والمستقبل البعيد ، والماضي السحيق ، كله في القرآن الكريم ، وجاء النبي وفسَّره تفسيراً رائعاً في أحاديثه الشريفة ، فهذا شفاء ، وهذا فرضٌ على كل إنسان أن يقرأه ، وأن يفهمه ..
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
طبعاً .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾
1 ـ الكفر بآيات الله القرآنية والكونية والتكوينية :
الكونية ، أو كفروا بآياته القرآنية ، أي القرآن لم يعبأ به ، اتخذه مهجوراً ، لم يقرأه أبداً ، ولم يسأل عمَّا به ، أنتم لماذا هنا ؟ من أجل أن تتعلموا شيئاً من كتاب الله ، هذا عمل عظيم ، وهذا عمل جليل ، وهذا عمل يرقى بكم ، فما من عملٍ أعظم في حياتنا من أن نفهم منهج ربنا ، أنت اشتريت هذا الحاسوب من أجل أن ترتزق به ، فأعظم عمل أن تقرأ تعليمات الصانع ، كيف تستخدمه من أجل أن تربح ، وأنت حينما تحضر درس علمٍ في تفسير كتاب الله ، تقوم بأخطر عمل ، لأنك تأتي إلى بيت الله كي تتعرَّف إلى أمر الله ، ونهي الله ، والحلال والحرام ، والخير والشر ، وما ينبغي وما لا ينبغي ، فـ ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾
2 ـ الكفر بآيات الله يتبعه عقاب من الله :
إن المخلوق عنده شهوات ، تحرك بدافع من شهواته من دون منهج ، فأكل المال الحرام ، فاستحق عقاب الله ، أو اعتدى على عرض الناس ، فاستحق عقاب الله ، أو أساء إليهم ، فاستحق عقاب الله ، أي لهم عذاب شديد لأنهم تحركوا بلا منهج ، فلو أن سيارة ثمنها خمسة وعشرون مليونًا من أرقى الأنواع ، هذه مصممة لتقدِّم لك كل الخدمات ، فيها وسائل راحة مذهلة ، فيها وسائل أمان ، لكن إنساناً قادها وهو مخمور ، وخالف تعليمات الصانع ، فنزل بالوادي ، لأنه قادها مخموراً ، وخالف تعليمات الصانع كانت هذه المركبة وبالاً عليه ، فـ ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾
شيء طبيعي جداً أنهم سوف يتحرَّكون بلا منهج ، بلا أمر ونهي ، لكن ما مشكلة الناس ؟ يلتقي مع مَن يريد ، ويحملق فيمَن يريد ، ويأكل ما يريد ، ويأخذ من المال ما يريد ، لا ضوابط عنده ، أي مالٍ سنح له أن يأخذه أخذه ، أي منفعةٍ ، أي لقاءٍ ، أي جلسةٍ ، أي حفلةٍ ، فما عنده قيود إطلاقاً ، فهذا الذي يتحرَّك بلا قيود ، وبلا حدود ، وبلا قيَم ، وبلا هدف سوف يأكل ما ليس له ، سوف يعتدي قولاً واحداً على أموال الناس ، أو على أعراضهم ، إذاً لابدَّ من أن يعاقبه الله عزَّ وجل .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
3 ـ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
معنى العزيز والمنتقم :
قال علماء التفسير : المنتقم هو الذي يردع عبده العاصي ، عبد قوي مسترسل في معاصيه ، يفعل ما يريد ، ما معنى ينتقم الله منه ؟ يوقفه عند حده رحمةً به ، الله عزَّ وجل لا يُغلب ، ولا ينال جانبه ، فهو عزيز .
من أجمل ما قرأت عن العزيز : أنه الواحد الذي لا شريك له ، ويستحيل أن تصل إليه ، ويحتاجه كل شيءٍ في كل شيء ، بأدق عبارة : يحتاجه كل شيءٍ في كل شيء ، ومستحيلٌ أن تصل إليه وصول إحاطة ، فمن الممكن أن تصل إلى البحر ، وتقف إلى الشاطئ ، هذا وصول ، أما أن تحيط بالبحر فهذا مستحيل ، فتصل إلى بابه ، تسأله ، تدعوه ، تتعرف إليه ، أما أن تحيط به فهذا مستحيل ، الله عزَّ وجل عزيزٌ ذو انتقام .
إذاً :
﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾
هذا القرآن .. ﴿ بِالْحَقِّ ﴾
الحق هو الشيء الهادف والثابت ، فلماذا هو ثابت ؟ لأنه حق ، لماذا هو حق ؟ لأنه ثابت ، ما معنى ثابت ؟ كتابٌ ليس فيه إلا الحقائق ، والحقيقة ثابتة ، المعادن تتمدد بالحرارة ـ هذا قانون ـ أينما ذهبت ، إلى الشرق أو إلى الغرب ، أو إلى شمال أو إلى جنوب ، إلى دولة متطورة جداً ، أو إلى دولة متخلفة جداً هذا قانون ثابت ، فإذا استوعبت يسعدك ، هذا هادف إذاً ، فالكتاب بالحق يعني أنه ثابت وهادف .. ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(4)إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
4 ـ الكافر لن يُترَك سدًى :
قبل أن أنتقل لهذه الآية ، فهذا الذي كفر بآيات الله لن يُترك سدى ، لن يتفلًّت من عقاب الله ، لا يظن أنه سبق ..
﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ(59) ﴾
( سورة الأنفال )
ما معنى سبق ؟ أي تفلَّت من عقاب الله ، لا يمكن أن يتفلَّت عاصٍ من عقاب الله ، إن عاجلاً أو آجلاً ، فالكافر حينما يظن أنه سبق ، وأنه فعل شيئاً ما أراده الله ، وأنه تفلت من عقاب الله يكون أحمق ، لا يمكن أن يفعل مخلوقٌ شيئاً إلا إذا سمح الله له ، إذاً : ربنا عزَّ وجل سمح للكافر أن يفعل ما فعل ، وهذا الكافر لن يتفلَّت من عقاب الله ، إذاً : لن يسبق ، توهم أنه سبق فهو لن يسبق ، هنا تهديد مبطَّن .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾
طبعاً لما كفروا ، تحركوا وفق شهواتهم ، والشهوات من دون حدود عدوان ، إنسان أعجبته امرأةٌ فأغواها ، اعتدى على مخلوق ، هو أراد أن يلبي شهواته الرَعْناء ، المنحرفة ، فاعتدى على عرض فتاةٍ فعاقبه الله عزَّ وجل ، وهذا تسلسل رائع ، ما دام قد كفر بآيات الله ، إذاً سوف يعتدي على خلق الله ، ومع العدوان على خلق الله لابد من عقابٍ من الله عزَّ وجل .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
قويٌ لا يغلب ، منتقمٌ لا يعارض .. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
1 ـ علمُ الله متعلقٌ بكل شيء ، ومحيط بكل شيء :
تعلَّق علمه بكل ممكن ، عَلِمَ ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، لا تخفى عليه خافية ..
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ﴾
( سورة غافر )
يعلم سرك ونجواك ، ويعلم ما خفي عنك .. ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7) ﴾
( سورة طه )
فـ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
2 ـ من الحماقة التفكير في مخادعة الله :
إذاً من الحُمْقِ أن تحاول أن تخدع الله ..
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾
( سورة النساء : من آية " 142 " )
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾
( سورة إبراهيم : من آية " 46" )
فالإنسان حينما يتوهم أنه يخدع الله عزَّ وجل ، فهو غبيٌ أحمق ، وحينما يتوهم أنه يخفي شيئاً لا يعلمه الله ، فهو غبيٌ أحمق .. ﴿ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء
1 ـ هذا هو خَلقُ الله للإنسان :
فهذا الحوين هو خلية لها غشاء ، ولها هيولى ، ولها نواة ، وعلى النواة مورِّثات ، وهناك من يقول هناك مليون مورث ، وهناك من يقول : خمسة ملايين ، وأنا قرأت أن هناك خمسة آلاف مليون ، فكل مورث أمر مبرمج لوقت معين ..
﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
قدرات عقلية ، وانفعالية ، وشكلية ، وعضلية ، وعظمية ، وعيون ، وشعر ، ووجه ، فهناك خصائص كثيرة جداً للإنسان .. ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
2 ـ الخالقُ المصوِّر هو الحكيمُ المتصرف في الكون :
أي لا متصرف في الكون إلا الله ، بالتالي لا معبود بحقٍ إلا الله ، عزيزٌ حكيم ، أي عزيزٌ لا ينال جانبه ، حكيمٌ كل أفعاله وفق حكمةٍ ، لو لم تكن لكان الله ملوماً ، أدق شرح لكلمة حكيم أن كل شيءٍ وقع أراده الله ، وأن كل شيءٍ أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وأن حكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق .
3 ـ لماذا لا يكون الإنسان حكيماً ؟
الإنسان لماذا لا يكون حكيماً ؟ لأنه قد يكون جاهلاً ، فعدم الحكمة من عدم العلم ، وأحياناً الإنسان لا يكون حكيماً ، عليه ضغط شديد ففعل شيئاً ليس مقتنعاً به ، ما كان حكيماً بهذه الكلمة ، ما كان حكيماً بهذا الموقف ، لأن عليه ضغطاً لا يقاوم ، إذاً لم يكن حكيماً ؛ إما لجهله ، أو لضغطٍ عليه ، وقد يفعل الإنسان شيئاً ، وليس حكيماً بفعله ، لأنه وقع تحت إغراء ، فأغلب الظن أن الإنسان حينما لا يكون حكيماً ؛ إما أنه بسبب جهله ، أو ضغطٍ لا يقاوم ، أو إغراءٍ لا يقاوم .
الله جل جلاله يستحيل في ذاته العلية إلا أن يكون عالما ، ويستحيل أن هناك جهةً أخرى تطلب ، أو شيئاً يغري ، كل هذه المعاني التي يمكن للإنسان أن يتلبَّس بها مستحيلة على الله عزَّ وجل ، إذاً هو حكيم ، فكل شيء وقع لو لم يقع على النحو الذي يقع لكان الله ملوماً ، كل شيء وقع لو لم يقع على النحو الذي يقع لكان نقصاً في حكمة الله عزَّ وجل ، لذلك فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .
[ رواه الإمام أحمد ]
4 ـ هذه الحقيقة يسعد بها المسلم :
أيها الإخوة الكرام ، المؤمن قد يسعد من حقيقةٍ قرآنية ، فأول شيء حينما تعتقد أن الله لا يخفى عليه شيء ، لا تحاول أبداً أن تخادعه ، تتعامل معه تعاملاً واضحاً ، وحينما توقن أنه هو القوي ، وهو المنتقم ، فأي معصيةٍ فعلتها ، وأصررت عليها ، لا يمكن أن تتفلَّت من عقاب الله ، هذه حقائق تضبط ، وكلما أيقنت بهذه الحقائق انضبطت على منهج الله .
أولاً : لا تخفى عليه خافية .
تروي بعض الكتب ، أن إنسان طلب من شيخ له أن يسمح له بمعصية ، قال له :
ـ خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرك معصية .
ـ قال له : وما هي ؟
ـ قال له : اعصه في مكانٍ في غير بلاده .
ـ قال له : الأرض كلها له .
ـ قال له : أتعصيه وهو يراك ؟! أو أتعصيه في أرضه ، والملك ملكه .
ـ قال له : هات الثانية .
ـ قال له : إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه .
ـ قال له : هو معكم أينما كنتم .
ـ قال له : تسكن أرضه وتعصيه وهو يراك !!
ـ قال له : هات الثالثة .
ـ قال له : إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه .
ـ قال له : وماذا آكل إذاً ؟!
ـ قال : تسكن أرضه ، وتأكل رزقه ، وتعصيه وهو يراك !!
ـ قال له : هات الرابعة .
ـ قال له : إن أردت أن تعصيه وجاءك ملك الموت لا تذهب معه ، ولا ترد عليه.
ـ قال له : لا أستطيع .
ـ قال : تسكن أرضه ، وتأكل رزقه ، وتعصيه وهو يراك ، ولا تستطيع أن ترد عنك ملك الموت ؟!!! .
ـ قال له : هات الخامسة .
ـ قال له : إذا أردت أن تعصيه ، وانتقلت إلى الدار الآخرة ، وجاء الزبانية ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم .
ـ قال : لا أستطيع .
ـ قال : تسكن أرضه ، وتأكل رزقه ، وتعصيه وهو يراك ، ولا تقوى على رد ملك الموت ولا زبانية جهنم ، فكيف يكون الأمر ذلك ؟!!!!
فأنت لما توقن أنه يعلم كل حركاتك وسكناتك ، ولا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ، وأن الأمر كله بيده ؛ رزقك بيده ، صحتك بيده ، زواجك بيده ، حواسك الخمس بيده ، قلبك بيده ، دسَّامات قلبك بيده ، شرايين قلبك بيده ، كليتاك بيده ، كل جهازٍ مهما دق بيده ، علاقاتك بيده ، مَن فوقك بيده ، مَن تحتك بيده ، إن أيقنت أن الأمر كله بيده ينبغي أن تطيعه ..
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
أفعاله حكيمة ، وهو عزيز ، أي لا ينال جانبه ، وذو انتقام ، إذا أردات أن تفعل شيئاً لا يليق بك ، ردعك وانتقم منك ، انتقم منك ، أي ردعك .
هذه الآيات وحدها ينبغي أن تحملنا على طاعة الله عزَّ وجل ، وفي درسٍ قادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾
والحمد لله رب العالمين سؤال :
يسأل أخ : في سورة يونس آية ، هي قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾
جواب :
يقول هذا الأخ السائل : لو شاء الله لجعل الناس كلهم بدين الإسلام ، أي خمس قارات ، فيها مئتان وعشرون دولة في العالم ، ستة مليارات إنسان ، كلهم مسلمون ، مؤمنون ، صديقون مرة واحدة ، ولو شاء لزرع الإيمان بقلوبهم فما معنى ذلك ؟
ـ الجواب : هذا الهدى الذي فهمته أيها الأخ من هذه الآيات ، هذا الهدى القسري ، هذا لا يسعد أبداً ، لا تسعد إلا بهدىً اختياري ، لا تسعد إلا إذا طرقت باب الله ، إلا إذا بحثت عن الحقيقة ، إلا إذا أتيت الله طائعاً ، أتيته مبادراً ، أتيته بمحض اختيارٍ ..
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
( سورة السجدة : من آية " 13 " )
الهدى القسري ما له قيمة أبداً ، فتماماً لو رئيس جامعة أراد أن يوزع على الطلاب في السنة الرابعة أوراقًا مكتوب عليها جواب أسئلة الامتحان ، اكتب اسمك وتنجح ، ما قيمة هذا النجاح ؟ لو وزع عميد كلية على طلابه في سن التخرج أوراق مطبوعة بالمطبعة الإجابة ، ولكن فقط اكتب اسمك ورقمك ، مطبوعة مئة على مئة ، طبعاً كل الطلاب ناجحون ، ولكن ما قيمة هذا النجاح ؟ لا قيمة له إطلاقاً ، لا عند رئاسة الجامعة ، ولا عند المدرسين ، ولا عند الطلاب ، ولا عند الناس ، الهدى القسري ما له قيمة أبداً .. ﴿ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾
( سورة الرعد : من آية " 31 " )
أما الهدى العظيم فهو الذي يأتي عن اختيار ، عن رغبة ، عن حب ، أرادك أن تحبه ، ما أرادك أن تكون مقهوراً معه ، لا إكراه في الدين .
فأيها الأخ الكريم ، أيها الأخ السائل ، أيَّة آية تتوهم أن الله قادرٌ على أن يهدي عباده هذا هو الهدى القسري الذي لا يسعد . والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 21:56
المشاركة 3
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 003: تفسير الآيات 5-7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخامسة .
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
1 ـ الشعور بمراقبة الله يورث الخوف من المعصية :
حينما يعتقد الإنسان أن الله يعلم كل شيء ؛ يعلم سره ، ويعلم جهره ، ويعلم ما خفي عنه ، انتهى كل شيء ، لا يمكن لإنسانٍ فيه ذرة عقل بعد أن يوقن أن الله يعلم ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، خاطر دقيق ، خاطر مر سريعاً يعلمه الله ، يحول بين المرء وقلبه ، لا يمكن لهذا الإنسانٍ أن يعصي الله .
﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 284 )
حينما تعلم أن الله يعلم ، وحينما تضيف إلى علمك أن الله يعلم ، وأنه سيحاسب .. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾
( سورة الحجر )
وحينما تضيف إلى علمك أن الله سيعاقب يوم القيامة ، أو في الدنيا ، يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب ، لا يمكن أن تجترئ على معصيته أبداً ، لأنك في الدنيا حينما تركب مركبتك ، وترى الإشارة حمراء ، وترى مَن يقف على هذه الإشارة ليضبط المخالفين ، وأنت لا تقوى على رد عقوبة صارمةٍ ، لابد أن تتقيد بقواعد السير ، لأنك تعلم أن واضع القانون يطولك علمه ، وتطولك قدرته ، إذاً لابد من أن تستقيم على أمره ، فكلمة : ﴿ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
خير إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، فأعلى درجة من درجات الإيمان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك ، أن تعلم أن الله معك حيثما كنت ، أن تشعر أن الله مُطَّلع عليك ، ناظرٌ إليك ، مطلع على قلبك ، يعلم كل الخفايا ، يعلم كل الخواطر ، هذا الإيمان وحده يدعوك إلى أن تستقيم على أمر الله .. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
أما حينما تغش إنساناً ، وتحتال على آخر ، وتأكل مالَ غيره ، وتعتدي على عِرض فلان ، وكأن الله لا يعلم ، فهذا هو الجهل بعينه ، هل تصدقون أن في آيةٍ قرآنية ربنا عز وجل جعل حكمة الحج الذي هو من أرقى الفرائض فقال : ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
( سورة المائدة : من الآية 97 )
حينما تعلموا أن الله يعلم فلابد أن تلتزموا أمره ونهيه ، وحينما لا تلتزم ، وحينما لا تطيع ، وحينما لا تخضع ، وحينما تخالف ، وحينما تعصي فاعتقد اعتقاداً جازماً أنه بسبب ضعف إيمانك بأن الله يعلم . 2 ـ هذا مع العبد الضعيف فكيف بك مع الله الذي لا يخفى عليه شيء :
أنت لست مع خالق الكون بل مع إنسانٍ مثلك ، مع إنسان من بني جلدتك ، مع إنسان لا يقوى عليك في كل شيء ، حينما توقن أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك ، تستقيم على أمره ، فكيف يقول الله عز وجل :
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق : من الآية 12)
الإيمان علم .. ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10) ﴾
( سورة الملك )
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾
( سورة الطلاق : من الآية 12)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) .
[ متفق عليه ]
هنا اسمان فقط : ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾
( سورة الطلاق : من الآية 12 )
مَثَل السيرِ واضح جداً ، تركب مركبة والإشارة حمراء ، الشرطي واقف ، والضابط واقف ، وثمة دراجة وسيارة ، وأنت مواطن عادي ، لا يمكن أن تتجاوز هذه الإشارة إلا في حالتين ؛ في وقت لا يطولك علم واضع القانون ، الساعة الثالثة ليلاً ، أو إذا كنت أقوى من واضع القانون ، في إحدى هاتين الحالتين تتجاوز ، أما إن أيقنت أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصيه ، هذا مع إنسان ضعيف من بني جلدتك ، لكنه يقوى عليك في زاوية ضيقة فتستقيم على أمره ، فكيف بخالق الكون الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ؟!!
الشبكية بيده ، ضغط العين بيده ، دسَّام القلب بيده ، شريان القلب بيده ، عمل الكليتين بيده ، الخلايا ، نمو الخلايا ، سيولة الدم كله بيده ، كل أجهزتك ، وأعضاؤك ، وأنسجتك ، وسمعك ، وبصرك بيده ، ومَن حولك ومَن فوقك ، ومَن دونك ، وزوجتك ، وأولادك ، ورزقك ، وراحتك النفسية، وانقباضك النفسي ، كل شيءٍ بيده ، يحتاجه كل شيء في كل شيء، فكيف تعصي الإله ؟!!
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في القياس شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحـب يطيع
* * *
إذاً : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
3 ـ لا يخفى على الله شيءٌ فاحذر أن تعصيه :
وأنت في غرفتك ، والنافذة مفتوحة ، خرجت الجارة في البيت المقابل إلى الشرفة ، وعليها ثيابٌ خفيفة ، وأنت تراها ، ولا أحد يراك أنك تراها ، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله معنى ذلك أنك تعلم أن الله يعلم .
مَثَل آخر : طبيب يعالج امرأةً ، ينظر إلى موضع المرض ، فإذا اختلس نظرةً إلى مكانٍ آخر ، ليس في الأرض كلها جهة تستطيع أن تضبط مخالفتك ، امرأة ممدّدة أمامه يعالجها ، شكت له من مكان ، فنظر إلى مكان ، مَن الذي يطلع عليه ؟ الله جل جلاله ..
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ﴾
( سورة غافر )
ما تقوله ، وما لا تقوله ، ما تعلنه ، وما لا تعلنه ، ما توهم الناس به ، وما لا توهم الناس به ، في علمه . ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾
( سورة إبراهيم)
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
( سورة المائدة : من آية " 97" )
خلق الكون كله من أجل أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمُه ، اختار من بين كل أسمائه كله اسمين ؛ اسم القدير واسم العليم ، هذا كلامٌ دقيق ، حينما توقن أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصي أمره . 4 ـ ابحث عن الإيمان الذي ينجيك :
سألني أخ : هؤلاء العصاة ما بالهم ، هم مؤمنون ؟ قلت له : تصور دائرة كبيرة جداً ، كل مَن قال ولو بلسانه : الله خلق السماوات والأرض فهو داخل الدائرة ، وقد يكون زانياً ، وقد يكون شارب خمر ، وقد يكون آكل مالٍ حرام ، وقد يكون معتدياً ، وكل إنسان أقرّ أن لهذا الكون إلهاً فهو ضمن الدائرة ، لكن هذا الإيمان لا ينجِّي صاحبه إطلاقاً ..
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ(87) ﴾
( سورة الزخرف )
وضمن هذه الدائرة الكبيرة دائرةٌ أصغر منها ، مَن بداخلها مستقيمون على أمر الله ، مَن بداخلها ناجون ، هؤلاء حَمَلهم إيمانهم على طاعة الله ، الدائرة الكبرى ؛ كل من أقر بوجود الله فهو مؤمن ، خارج الدائرة ؛ كل مَن أنكر وجود الله ، هؤلاء الملحدون خارج هذه الدائرة ، لكن داخل هذه الدائرة مَن أقر بوجود الله هو مؤمن ، لكن إيمانه لا ينجيه لا من عذاب الدنيا ، ولا من عذاب الآخرة ، وهذا شأن عامَّة المسلمين ؛ لا يقيمون الإسلام في بيوتهم ، قد يكون دخلهم حرامًا ، وإنفاقهم حرامًا ، لا يتورعون ، يختلطون ، يفعلون ما يحلو لهم ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) .
[ الترمذي ، وابن ماجه ، وأحمد ]
أما مَن في الدائرة الثانية فهؤلاء الملتزمون ، هؤلاء الوَقَّافون عند حدود الله ، هؤلاء الذين طبّقوا منهج الله ، هؤلاء الذين التزموا ، هؤلاء نفعهم إيمانهم ، هؤلاء حملهم إيمانهم على أن يستقيموا ، أين يقع إبليس ؟ ضمن الدائرة الكبيرة ، ألم يقل ربك : ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص : من الآية 82 )
آمن به رباً ، وآمن به عزيزاً ، ألم يقل : ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
( سورة ص : من الآية 76 )
آمن به خالقاً ، ألم يقل : ﴿ فَأَنْظِرْنِي ﴾
( سورة ص : من الآية 79 )
آمن باليوم الآخر ، لكن إيمانه ما قدَّم ولا أخَّر ، فمن كان ضمن الدارة الثانية فهؤلاء الذين نفعهم إيمانهم ، وحملهم على طاعة الله ، ومركز هذه الدائرة هم الأنبياء المعصومون ، فثمة إنسان خارج الدائرة الكبرى ، هذا ملحد ، ضمن الدائرة الكبرى ، هذا مؤمن ، وقد لا ينجو ، ضمن الدائرة الصغرى ، فهذا مؤمن مستقيم ، أما في المركز فهم الأنبياء المعصومون .
إذاً : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
أناس كثيرون يتحدثون ، ويقولون شيئاً لا يؤمنون به ؛ لمصلحةٍ ، أو لخطة ، أو لخبث ، أو لخديعة ، الله عز وجل يعلم سركم وجهركم ، وقد ورد عند بعض علماء القلوب : " القلب منظر الرب " ، أي لا تجعل الله أهون الناظرين إليك ، إن الله ينظر إلى قلوبكم ، ورد في بعض الآثار القدسية : أن عبدي طهرت منظر الخلق سنين ، الإنسان يجدد بيته ، يجدد أثاث بيته ، يرتدي ثياب جميلة ، يغسل مركبته ، يحسِّن مدخل بيته ، طهَّرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة ؟ والقلب منظر الرب ، إن الله مطلع عليك ، أما يستحي الإنسان أن يتآمر على أخيه ، كفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب .
القلب فيه غش أحياناً ، فيه مكر ، فيه خداع ، فيه مؤامرة ، في احتقار ، في كِبر ، في استعلاء ، من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر هذا هالك ، مثقال ذرة .
أنا كنت أضرب هذا المثل : عندك كيلو لبن ، وجاءك خمسة وعشرون ضيفًا ، يمكن أن تضيف على هذا الكيلو خمسة كيلوات من الماء ، وأن تقدمه شرابًا ، أما إذا وضعت قطرة نفط واحدة فهل بإمكانك أن تشربه ؟ قطرة نفط واحدة تفسد هذا اللبن ، بينما خمسة أمثاله ماء لا يفسد ، لذلك الكبر خطير جداً .
أساساً هناك معصيتان ؛ معصية الغلبة ، ومعصية الكبر ، معصية الغلبة يسهل أن تتوب منها ، ولكن معصية الكبر يصعب أن تتوب منها ، هذه معصية إبليس . ﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾
أما الإنسان أحياناً يغلب ، فيستغفر ، فيجد الله تواباً رحيماً .
إذاً : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء
1 ـ هذا ما يحدث في اللقاء الزوجي :
في اللقاء الزوجي خمسمئة مليون حوين ، تحتاج البويضة إلى حوين واحد ، وهناك آلية دقيقة جداً ، الحوين في رأسه مادة نبيلة ، هذه المادة النبيلة مغلَّفة بغشاء رقيق ، فإذا اصطدم بجدار البويضة ، تمزق الغشاء ، المادة النبيلة تستطيع أن تذيب جدار البويضة فيدخل ، فإذا دخل إلى البويضة أغلق الباب ، واكتفت البويضة بزوجٍ واحد ، الانقسام الآن من المبيض إلى الرحم ، تنقسم البويضة الملقحة إلى عشرة آلاف جزيء ، وفي الرحم تُغْرَس ، وتبدأ بالنمو .
لكن هذه النطفة فيها مورِّثات ، بعضهم قال : خمسة آلاف مليون ، سمعت أنها مليون ، على كلٍ ليس أقلّ من مليون ، هذا الذي أقوله لكم هو شُغل العالم اليوم ، الهندسة الوراثية ، فكل شيء أنت فيه مصمم من قبل ؛ الطول ، اللون ، خده الأسيل ، عينان زرقاوان ، شعر أسود ، شعر أشقر ، قامة طويلة مديدة ، شامةٌ على الخد ، أي كل تفاصيل الخلق ، كلها تنفيذ لبرنامج ، هذه المورثات ، لو سلمنا أنها مليون مورث ، فحتى الآن عرفوا ثمانمئة مورِّث ، هذه تسهم في تفاصيل حياة الإنسان .
حدثني أخ كريم فقال لي : جاءني بنتان توأمان من بويضة واحدة ، وكل بنتٍ لها طبع ، الأولى حادَّة المزاج ، والثانية هادئة جداً ، ومن بويضة واحدة ..
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
2 ـ علم الأجِنَّة وحده أكبر دليل على عظمة الله :
والله يا أيها الإخوة الكرام ، علم الأجِنَّة وحده أكبر دليل على عظمة الله ، علم الأجنة ؛ تطور الخلق ، من مضغة ، إلى علقة ، إلى عظم ، ثم يكسى العظم لحماً .
دخل طبيب أستاذ علم الأجنة في جامعة أكسفورد ، له كتاب يعد عند الدارسين إنجيل الأجِنَّة ، كتاب قيم ، مترجم إلى معظم اللغات ، يدرس في كل الجامعات تقريباً ، فقال هذا الطبيب لتلاميذه : معي حقيقة ناصعة كشفتها اليوم ، تعد ثورةً في علم الأجنة ، ما هذه الحقيقة ؟ أنه اكتشف أن العظام تُشَكَّل أولاً ، ثم تُكسى لحماً ، وهو قبل عشرين عامًا سابقة كان يعتقد أن العظام تلي خلق العضلات ، فقام طالب مسلم في هذه الجامعة فقال : هذه حقيقة في كتاب المسلمين ، فالأستاذ صعق ، ولم يصدق ، في اليوم التالي جاءه بالقرآن الكريم مع تفسيره ، أطلعه على الآية : ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) ﴾
( سورة المؤمنون )
إن قضية تشكل الجنين في الرحم ، والأطوار التي يمر بها ؛ من مضغة إلى علقةٍ ، إلى نطفة مُخَلقة وغير مخلقة ، إلى عظمٍ ، إلى لحمٍ ، إلى أجهزةٍ ، إلى دماغ ، شيء لا يصدق ، قبل تسعة أشهر نقطة ماء ، بعد تسعة أشهر يكون طفلا يأكل ، ويشرب ، ويتحرك ، ويرى ، ويسمع ، وينام ، وفيه دماغ ، وفيه أعصاب ، ومعدة ، وأمعاء ، وقلب ، وكبد ، وأذنان ، ولسان ، هذا كله من خَلق الله عز وجل . ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
إنسان طويل ، وإنسان قصير ، إنسان لونه فاتح ، وإنسان لونه داكن ، إنسان عصبي المزاج ، وإنسان هادئ الطبع ، إنسان يتَّقد ذكاءً ، وإنسان محدود .. ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
الْعَزِيزُ الْحَكِيم
1 ـ العزيز :
العزيز : الذي لا ينال جانبه ، كما قلت في درس سابق : يندر وجوده إن كان العزيز شيئاً من خلق الله ، وإن كان اسماً لله فهو واحدٌ لا شريك له ، إن كان صفةً لمخلوقات الله فهو يندر وجوده ؛ والشيء العزيز تشتد الحاجة إليه ، وإن كان اسماً لله فيحتاجه كل شيء في كل شيء ، والعزيز إذا كان صفةً لغير الله فيصعب الوصول إليه ، أما إذا كان اسماً لله فيستحيل أن تحيط به .
2 ـ الحكيم :
الحكيم : يضع كل شيء في مكانه الصحيح ، كل شيء وقع لو أنه وقع بخلاف ما وقع لكان نقصاً في حكمة الله ، ولكان الله ملوماً ، فليس في الإمكان أبدع مما كان .
ثم يقول الله عز وجل :
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب
1 ـ الآيات المُحكمات :
بعضهم قال : الآيات المُحكمات هي الآيات الواضحات ، وبالتعبير الأصولي : هي الآيات قطعية الدلالة ، لا تحتمل معنيين ، ومن رحمة الله بنا أن كل الآيات المتعلقة بسعادتنا أو شقائنا ، الآيات المتعلقة بالأساسيات ؛ شيء يعد فرضاً لسلامتنا وسعادتنا تغطيه آيات محكمة ، وشيء إن فعلناه كان دماراً لنا في الدنيا والآخرة تغطيه آية محكمة ، أي آية واضحة ، آيةٌ قطعية الدلالة ..
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾
( سورة المائدة : من الآية 38 )
﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103) ﴾
( سورة النساء )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) ﴾
( سورة البقرة )
أيةٌ قضية أساسيةٍ في سلامتنا وسعادتنا ، وهي أساسية في دمارنا وشقائنا مغطاة بآية محكمة ، أي آيةٌ واضحة الدلالة قطعية المعنى ، لا شك فيها ، كأن نقول : أعطِ فلانا ألفاً وخمسمئة ليرة ، لا تحتاج لمفسر ، ولا موضح ، ولا لإنسان تستشيره في المعنى : أعطِ فلانا ألفاً وخمسمئة ليرة ، هذا نص واضح قطعي الدلالة ، أما لو قلت لك : أعطِ فلاناً ألف درهمٍ ونصفه ، هذه جملة متشابهة ، يا ترى الضمير يعود على الألف ، أي ألفا وخمسمئة درهم ، أم يعود على الدرهم ، ألف ونصف درهم ؟؟ هذه متشابهة ، فيمكن أن تؤول بألف وخمسمئة إذا أعدنا الضمير على الألف ، ويمكن أن تؤول بألف ونصف درهم إذا أعدنا الضمير على الدرهم ، هذه آية متشابهة أي ظنية الدلالة . 2 ـ الآيات المتشابهات :
الآيات الظنية الدلالة ، وكذلك الأحاديث ، تغطي المتغيِّرات في حياة الإنسان ، في حياتنا ثوابت وفي متغيرات ، فالثوابت ما تقوم عليه سعادتنا، وما يهددنا بالشقاء الدنيوي والأبدي ، هذه ثوابت ، فالإنسان أكل ، ولم يطعم أمه التي أنجبته ، من دون تعليم ، من دون توجيه ، من دون أن تستمع إلى خطبة عن بر الوالدين ، هذا شيء تعرفه بالفطرة ، ومغطى بنصٍ قطعي الدلالة ، فكل جريمة تهلك الإنسان محرمة بنصٍ قطعي الدلالة ، وهناك متغيرات ، فالله عز وجل قال :
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾
( سورة النور: من الآية 56 )
يا رب ، نؤتيها مالاً ، أم نؤتيها طحيناً ، أم نؤتيها تمراً ، أم قمحاً ، كيف نؤتيها ؟ يحتمل أن تؤديها مالاً إذا كنت في المدينة ، ويحتمل أن تؤديها قمحاً إذا كنت في الريف ، القضايا المتغيِّرة ، والمتغيرات تغطيها الآيات ظنية الدلالة ، والثوابت في حياة الإنسان تغطيها الآيات المحكمات .
ولكنني أنا كإنسان حينما أصوغ نصاً ظني الدلالة ، أنا أقصد معنىً واحدًا ، ولكن عبارتي جاءت فضفاضة ، أما إذا جاء خالق الأكوان في قرآنه بعبارة ظنية الدلالة ، معنى ذلك أن الله أراد كل المعاني كي تغطي كل الظروف ، وكل البيئات ، وكل الحاجات ، فإذا كان في النص طابع ظني فالله عز وجل أراد كل المعاني رحمةً بالخلق ، وتغطية لكل المتغيرات في الحياة ، أما إذا أراد معنى واحداً هذا لا يحتمل تأويلاً آخر .
إذاً : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
آيات الوجود ، آيات الكمال ، آيات الوحدانية ، آيات المحرَّمات ، آيات الفرائض ، الآيات الأساسية التي تقوم عليها سعادتنا ، والآيات التي إن خالفناها نشقى في الدنيا والآخرة محكمات ، أما ندفع الزكاة مالاً ، أم ندفعها طعاماً ، هذه آية ظنية الدلالة ، هنا مجال اجتهاد المجتهدين . 3 ـ معنى آخر للآيات المحكمات :
معنى آخر : أن الآيات المحكمات هن الآيات التي تعدُّ أصول الكتاب ، وأن الآيات المتشابهات هي الآيات التي تعد فروعاً للكتاب ، في أصول وفي فروع ، وكل آية متشابهة ينبغي أن ترد إلى آية محكمة ، أرجو الله عز وجل أن يمكنني من توضيح هذه الحقيقة ..
أنا أقول : الخبز مادة خطيرة ، كلمة خطيرة هل تعني قنبلة تنفجر ، أما أنها مادة أساسية ؟ الخبز مادة خطيرة ، القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان ، ثم أقول بعد حين : القمح مادة أساسية ، أساسية محكمة ، خطيرة متشابهة .
الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت :
القاعدة الأصولية أن كل آيةٍ متشابهةٍ ، أو أن الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت ، هذه قاعدة أساسية .
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) ﴾
( سورة الأنعام )
هذه الآية أصل ، وواضحة ، ومحكمة في أن الإنسان مخير لا مسير ، تأتي آية ثانية : ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة النحل : من الآية 93 )
فالآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت ، هذه قاعدة أصولية ، لذلك إذا قلت : الله عز وجل أضل فلاناً ، الله لا يضل ، هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، قياساً على قوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
( سورة الصف : من آية " 5 " )
إذاً : المحكمات ؛ الواضحات ، قطعية الدلالة ، اللواتي تغطي أساسيات الحياة ، والثوابت في الحياة الإنسانية ، والمتشابهات ؛ الآيات ظنية الدلالة ، تشبه الحق من جانب ، والباطل من جانب .
مثلاً : ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13) ﴾
( سورة السجدة )
نعود للمثل السابق : كلفت إنساناً أن يعطي فقيراً ألف درهماً ونصفه ، كيف يؤوِّل النص ؟ ألف ونصف درهم ، هذه لأن الهاء تعود على الدرهم ، كأن ثمة امتحانا ؛ إذا كان كريما يعيدها على الألف ، فيعطيه ألفاً وخمسمئة ، وإن كان بخيلاً يعيدها على الدرهم ، فيعطيه ألفا ونصف درهم .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾
﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 130 )
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة
النهي على الأضعاف المضاعفة ، أما لو أكلناها بنسبٍ قليلة فلا شيء علينا ، " النظرة الأولى لك ـ ولكنه ظل ساعة في النظرة الأولى ـ والثانية عليك " فجعل الأولى ساعة .
فدائماً :
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾
( سورة الحج : من الآية 41 )
الله لم يمكّننا ، إذاً : لا نقيم الصلاة ، فهناك تأويلات مضحكة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾
فتنوا بالدنيا ، فأرادوا مخلَصاً لشهواتهم من بعض النصوص ، وكثيراً هي الكُتُب التي تؤلف حديثاً تحت اسم ( قراءة معاصرة في القرآن الكريم ) التي تخفف على الناس التكاليف ابتغاء الفتنة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَنَزَلْنَا فِي مَكَانٍ كَثِيرِ الثُّومِ ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا مِنْهُ ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى فَوَجَدَ رِيحَهَا مِنْهُمْ فَقَالَ : (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسْجِدِنَا )) .
[ رواه أحمد ]
يعني من البصل والثوم ، هل تصدقون أنه في بعض البلاد حتى يتخفف من صلاة الجمعة يأكل سناً من الثوم ؟* ما دام قد أكل من هذه الشجرة فينبغي ألا يقرب مصلانا ، ما خطر في بال النبي أن واحدا من أمته بعد حين سيفهم هذا الحديث : أي أن يعفى من صلاة الجمعة ، فالإنسان المنحرف يعمل في التأويل ، يغيِّر ، ويبدل ، ويؤول كي يجر التغطية الشرعية الموهومة إلى انحرافاته ، هذه قاعدة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾
معنى التأويل :
ما معنى التأويل ؟ العلماء فرقوا بين التفسير والتأويل ، الإنسان حينما يخطر في باله فكرة يعبِّر عنها ، فأن تعيد النص إلى أصله الفكري هذا تأويل ، فالله عز وجل قال :
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
( سورة السجدة )
إن الله عز وجل خلقك مخيراً ، حَمَّلَكَ الأمانة ، هيَّأ لك سعادة أبدية ، خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض ، لو شاء أن يجبرك على الهدى لأجبرك ، لكن عندئذٍ لا تسعد ، لو أنني مجبر أحدا على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى ، ولكن الهدى القسري لا يسعد .. ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
( سورة السجدة )
تعني هذه الآية : أن الله لو أراد أن يجعل كل العباد المؤمنين إيماناً قسرياً لفعل ، فلو أن بلدا يفرض استقامة قسرية عن طريق المراقبة ، تدخل إلى سوق كبير جداً فيه بضاعة ألوف الملايين ، خمسة موظفين على الباب ، أية سلعة إن لم تدفع ثمنها تعط صوتاً ، فمن هو المستقيم إذاً ؟ في بلاد كثيرة مع التطور التكنولوجي أجبر الإنسان على الاستقامة ، لكن هذه الاستقامة التي أجبر عليها لا قيمة لها إطلاقاً ، ولا ترقى بالإنسان ، كما أنها لا تسعده ، فالآيات المحكمات تغطي الثوابت في الإنسان ، والمتشابهات تغطي المتغيرات . الذين في قلوبهم مرضٌ يتبعون المتشابه :
لكن المنافقين ومَن كان في قلبه مرضٌ ..
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾
يقول لك أحدهم : ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة النحل: من آية " 93 " )
الله لم يكتب لي الهداية ، الله عز وجل هداك ، ينتظر أن تستجيب له ، أما : كلمة : ( من يشاء ) فلها معنى آخر في آيات أخرى : ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264) ﴾
( سورة البقرة )
﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ﴾
( سورة البقرة )
لا يهدي الكاذبين ، فالله أوجز بمكان ، وفسر بمكان .. ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه
هنا شيء ثان لابد من ذكره ، من معاني المحكمات والمتشابهات : القرآن كله آيات محكمات إلا بعض الآيات التي لا تزيد على أصابع اليد ، هذه الآيات متعلقةٌ بذات الله .
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر : من الآية 22 )
أين كان ؟ ﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 54)
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح : من الآية 10 )
﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾
( سورة المائدة : من الآية 116 )
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾
( سورة القصص : من الآية 88 )
وجه ، نفس ، يد ، سمع ، بصر ، جاء ، بضع آيات لا تزيد على عدد أصابع اليد ، سماها العلماء آيات متشابهات ، هذه متعلقة بذات الله ، أكمل موقف أن نوكل أمر معناها إلى الله ، عشر آيات ليس أكثر ، وبعضهم أوَّلها تأويلاً يتناسب مع كمال الله ، فقالوا : ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر : من الآية 22 )
أي جاء أمره . ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح : من الآية 10 )
أي قدرته . ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(181) ﴾
( سورة البقرة )
أي علمه .
وجهه : ذاته ، نفسه : ذاته ، إلخ ... فالآيات المحدودة المتعلقة بذات الله يمكن أن تسمى آيات متشابهات ، فإذا لم نأولها واكتفينا وفوضنا إلى الله تأويلها نكون قد سلمنا ، وإذا اجتهدنا بتأويلٍ يليق بكمال الله نكون قد وفقنا ، أما أن نشبِّه الله عز وجل ببعض خلقه ، فهذا كلامٌ غير مقبول ، إما الذين أنكروها ضلوا ، والذين جسَّدوها ضلوا ، ولكن الذين فوَّضوها كانوا أكمل الناس ، والذين أولوا كانوا قد وفقوا ، هذا معنى آخر للمحكمات والمتشابهات . ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾
إذا : الآيات محكمات .. ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم
نقف عند العلم ، أما إن كانت الآيات متشابهات متعلقة بذات الله ..
﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾
1 ـ الوقف عند لفظ الجلالة ( الله ) أو لفظ ( العلم ) كلاهما صحيح :
نقف هنا ، نقف عند كلمة الله إن كان الآيات متعلقة بذات الله ، ونقف عند كلمة والراسخون في العلم إذا كانت الآيات متعلقةً بالأحكام الشرعية ، وقصص الأنبياء السابقين وما إلى ذلك ، يقولون هؤلاء العلماء الراسخون :
﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7) ﴾
على كل ، أيها الإخوة القرآن الكريم يحتاج إلى تقوى ، لأن الله عز وجل يقول من بعض معاني هذه الآية :
﴿ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ(79) ﴾
( سورة الواقعة )
2 ـ الفِرق الضالة تعتمد على المتشابهات :
فإذا كنت طاهر القلب ، موَحداً ، مستقيماً ، أعانك الله على فهم كلامه ، وإلا فالمنحرف يقع في فتنة المتشابهات .
بالمناسبة ما من فرقةٍ ضالةٍ إلا اعتمدت على معنىً من معاني المتشابهات التي ما أرادها الله عز وجل ، الآيات المتشابهات فيها نوع من الامتحان للإنسان ، أما المؤمنون الصادقون فإنهم :
﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 21:57
المشاركة 4
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 003: تفسير الآيات 5-7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخامسة .
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
1 ـ الشعور بمراقبة الله يورث الخوف من المعصية :
حينما يعتقد الإنسان أن الله يعلم كل شيء ؛ يعلم سره ، ويعلم جهره ، ويعلم ما خفي عنه ، انتهى كل شيء ، لا يمكن لإنسانٍ فيه ذرة عقل بعد أن يوقن أن الله يعلم ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، خاطر دقيق ، خاطر مر سريعاً يعلمه الله ، يحول بين المرء وقلبه ، لا يمكن لهذا الإنسانٍ أن يعصي الله .
﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 284 )
حينما تعلم أن الله يعلم ، وحينما تضيف إلى علمك أن الله يعلم ، وأنه سيحاسب .. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾
( سورة الحجر )
وحينما تضيف إلى علمك أن الله سيعاقب يوم القيامة ، أو في الدنيا ، يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب ، لا يمكن أن تجترئ على معصيته أبداً ، لأنك في الدنيا حينما تركب مركبتك ، وترى الإشارة حمراء ، وترى مَن يقف على هذه الإشارة ليضبط المخالفين ، وأنت لا تقوى على رد عقوبة صارمةٍ ، لابد أن تتقيد بقواعد السير ، لأنك تعلم أن واضع القانون يطولك علمه ، وتطولك قدرته ، إذاً لابد من أن تستقيم على أمره ، فكلمة : ﴿ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
خير إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، فأعلى درجة من درجات الإيمان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك ، أن تعلم أن الله معك حيثما كنت ، أن تشعر أن الله مُطَّلع عليك ، ناظرٌ إليك ، مطلع على قلبك ، يعلم كل الخفايا ، يعلم كل الخواطر ، هذا الإيمان وحده يدعوك إلى أن تستقيم على أمر الله .. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
أما حينما تغش إنساناً ، وتحتال على آخر ، وتأكل مالَ غيره ، وتعتدي على عِرض فلان ، وكأن الله لا يعلم ، فهذا هو الجهل بعينه ، هل تصدقون أن في آيةٍ قرآنية ربنا عز وجل جعل حكمة الحج الذي هو من أرقى الفرائض فقال : ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
( سورة المائدة : من الآية 97 )
حينما تعلموا أن الله يعلم فلابد أن تلتزموا أمره ونهيه ، وحينما لا تلتزم ، وحينما لا تطيع ، وحينما لا تخضع ، وحينما تخالف ، وحينما تعصي فاعتقد اعتقاداً جازماً أنه بسبب ضعف إيمانك بأن الله يعلم . 2 ـ هذا مع العبد الضعيف فكيف بك مع الله الذي لا يخفى عليه شيء :
أنت لست مع خالق الكون بل مع إنسانٍ مثلك ، مع إنسان من بني جلدتك ، مع إنسان لا يقوى عليك في كل شيء ، حينما توقن أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك ، تستقيم على أمره ، فكيف يقول الله عز وجل :
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق : من الآية 12)
الإيمان علم .. ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10) ﴾
( سورة الملك )
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾
( سورة الطلاق : من الآية 12)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) .
[ متفق عليه ]
هنا اسمان فقط : ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾
( سورة الطلاق : من الآية 12 )
مَثَل السيرِ واضح جداً ، تركب مركبة والإشارة حمراء ، الشرطي واقف ، والضابط واقف ، وثمة دراجة وسيارة ، وأنت مواطن عادي ، لا يمكن أن تتجاوز هذه الإشارة إلا في حالتين ؛ في وقت لا يطولك علم واضع القانون ، الساعة الثالثة ليلاً ، أو إذا كنت أقوى من واضع القانون ، في إحدى هاتين الحالتين تتجاوز ، أما إن أيقنت أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصيه ، هذا مع إنسان ضعيف من بني جلدتك ، لكنه يقوى عليك في زاوية ضيقة فتستقيم على أمره ، فكيف بخالق الكون الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ؟!!
الشبكية بيده ، ضغط العين بيده ، دسَّام القلب بيده ، شريان القلب بيده ، عمل الكليتين بيده ، الخلايا ، نمو الخلايا ، سيولة الدم كله بيده ، كل أجهزتك ، وأعضاؤك ، وأنسجتك ، وسمعك ، وبصرك بيده ، ومَن حولك ومَن فوقك ، ومَن دونك ، وزوجتك ، وأولادك ، ورزقك ، وراحتك النفسية، وانقباضك النفسي ، كل شيءٍ بيده ، يحتاجه كل شيء في كل شيء، فكيف تعصي الإله ؟!!
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في القياس شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحـب يطيع
* * *
إذاً : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
3 ـ لا يخفى على الله شيءٌ فاحذر أن تعصيه :
وأنت في غرفتك ، والنافذة مفتوحة ، خرجت الجارة في البيت المقابل إلى الشرفة ، وعليها ثيابٌ خفيفة ، وأنت تراها ، ولا أحد يراك أنك تراها ، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله معنى ذلك أنك تعلم أن الله يعلم .
مَثَل آخر : طبيب يعالج امرأةً ، ينظر إلى موضع المرض ، فإذا اختلس نظرةً إلى مكانٍ آخر ، ليس في الأرض كلها جهة تستطيع أن تضبط مخالفتك ، امرأة ممدّدة أمامه يعالجها ، شكت له من مكان ، فنظر إلى مكان ، مَن الذي يطلع عليه ؟ الله جل جلاله ..
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ﴾
( سورة غافر )
ما تقوله ، وما لا تقوله ، ما تعلنه ، وما لا تعلنه ، ما توهم الناس به ، وما لا توهم الناس به ، في علمه . ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾
( سورة إبراهيم)
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
( سورة المائدة : من آية " 97" )
خلق الكون كله من أجل أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمُه ، اختار من بين كل أسمائه كله اسمين ؛ اسم القدير واسم العليم ، هذا كلامٌ دقيق ، حينما توقن أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصي أمره . 4 ـ ابحث عن الإيمان الذي ينجيك :
سألني أخ : هؤلاء العصاة ما بالهم ، هم مؤمنون ؟ قلت له : تصور دائرة كبيرة جداً ، كل مَن قال ولو بلسانه : الله خلق السماوات والأرض فهو داخل الدائرة ، وقد يكون زانياً ، وقد يكون شارب خمر ، وقد يكون آكل مالٍ حرام ، وقد يكون معتدياً ، وكل إنسان أقرّ أن لهذا الكون إلهاً فهو ضمن الدائرة ، لكن هذا الإيمان لا ينجِّي صاحبه إطلاقاً ..
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ(87) ﴾
( سورة الزخرف )
وضمن هذه الدائرة الكبيرة دائرةٌ أصغر منها ، مَن بداخلها مستقيمون على أمر الله ، مَن بداخلها ناجون ، هؤلاء حَمَلهم إيمانهم على طاعة الله ، الدائرة الكبرى ؛ كل من أقر بوجود الله فهو مؤمن ، خارج الدائرة ؛ كل مَن أنكر وجود الله ، هؤلاء الملحدون خارج هذه الدائرة ، لكن داخل هذه الدائرة مَن أقر بوجود الله هو مؤمن ، لكن إيمانه لا ينجيه لا من عذاب الدنيا ، ولا من عذاب الآخرة ، وهذا شأن عامَّة المسلمين ؛ لا يقيمون الإسلام في بيوتهم ، قد يكون دخلهم حرامًا ، وإنفاقهم حرامًا ، لا يتورعون ، يختلطون ، يفعلون ما يحلو لهم ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) .
[ الترمذي ، وابن ماجه ، وأحمد ]
أما مَن في الدائرة الثانية فهؤلاء الملتزمون ، هؤلاء الوَقَّافون عند حدود الله ، هؤلاء الذين طبّقوا منهج الله ، هؤلاء الذين التزموا ، هؤلاء نفعهم إيمانهم ، هؤلاء حملهم إيمانهم على أن يستقيموا ، أين يقع إبليس ؟ ضمن الدائرة الكبيرة ، ألم يقل ربك : ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص : من الآية 82 )
آمن به رباً ، وآمن به عزيزاً ، ألم يقل : ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
( سورة ص : من الآية 76 )
آمن به خالقاً ، ألم يقل : ﴿ فَأَنْظِرْنِي ﴾
( سورة ص : من الآية 79 )
آمن باليوم الآخر ، لكن إيمانه ما قدَّم ولا أخَّر ، فمن كان ضمن الدارة الثانية فهؤلاء الذين نفعهم إيمانهم ، وحملهم على طاعة الله ، ومركز هذه الدائرة هم الأنبياء المعصومون ، فثمة إنسان خارج الدائرة الكبرى ، هذا ملحد ، ضمن الدائرة الكبرى ، هذا مؤمن ، وقد لا ينجو ، ضمن الدائرة الصغرى ، فهذا مؤمن مستقيم ، أما في المركز فهم الأنبياء المعصومون .
إذاً : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
أناس كثيرون يتحدثون ، ويقولون شيئاً لا يؤمنون به ؛ لمصلحةٍ ، أو لخطة ، أو لخبث ، أو لخديعة ، الله عز وجل يعلم سركم وجهركم ، وقد ورد عند بعض علماء القلوب : " القلب منظر الرب " ، أي لا تجعل الله أهون الناظرين إليك ، إن الله ينظر إلى قلوبكم ، ورد في بعض الآثار القدسية : أن عبدي طهرت منظر الخلق سنين ، الإنسان يجدد بيته ، يجدد أثاث بيته ، يرتدي ثياب جميلة ، يغسل مركبته ، يحسِّن مدخل بيته ، طهَّرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة ؟ والقلب منظر الرب ، إن الله مطلع عليك ، أما يستحي الإنسان أن يتآمر على أخيه ، كفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب .
القلب فيه غش أحياناً ، فيه مكر ، فيه خداع ، فيه مؤامرة ، في احتقار ، في كِبر ، في استعلاء ، من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر هذا هالك ، مثقال ذرة .
أنا كنت أضرب هذا المثل : عندك كيلو لبن ، وجاءك خمسة وعشرون ضيفًا ، يمكن أن تضيف على هذا الكيلو خمسة كيلوات من الماء ، وأن تقدمه شرابًا ، أما إذا وضعت قطرة نفط واحدة فهل بإمكانك أن تشربه ؟ قطرة نفط واحدة تفسد هذا اللبن ، بينما خمسة أمثاله ماء لا يفسد ، لذلك الكبر خطير جداً .
أساساً هناك معصيتان ؛ معصية الغلبة ، ومعصية الكبر ، معصية الغلبة يسهل أن تتوب منها ، ولكن معصية الكبر يصعب أن تتوب منها ، هذه معصية إبليس . ﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾
أما الإنسان أحياناً يغلب ، فيستغفر ، فيجد الله تواباً رحيماً .
إذاً : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء
1 ـ هذا ما يحدث في اللقاء الزوجي :
في اللقاء الزوجي خمسمئة مليون حوين ، تحتاج البويضة إلى حوين واحد ، وهناك آلية دقيقة جداً ، الحوين في رأسه مادة نبيلة ، هذه المادة النبيلة مغلَّفة بغشاء رقيق ، فإذا اصطدم بجدار البويضة ، تمزق الغشاء ، المادة النبيلة تستطيع أن تذيب جدار البويضة فيدخل ، فإذا دخل إلى البويضة أغلق الباب ، واكتفت البويضة بزوجٍ واحد ، الانقسام الآن من المبيض إلى الرحم ، تنقسم البويضة الملقحة إلى عشرة آلاف جزيء ، وفي الرحم تُغْرَس ، وتبدأ بالنمو .
لكن هذه النطفة فيها مورِّثات ، بعضهم قال : خمسة آلاف مليون ، سمعت أنها مليون ، على كلٍ ليس أقلّ من مليون ، هذا الذي أقوله لكم هو شُغل العالم اليوم ، الهندسة الوراثية ، فكل شيء أنت فيه مصمم من قبل ؛ الطول ، اللون ، خده الأسيل ، عينان زرقاوان ، شعر أسود ، شعر أشقر ، قامة طويلة مديدة ، شامةٌ على الخد ، أي كل تفاصيل الخلق ، كلها تنفيذ لبرنامج ، هذه المورثات ، لو سلمنا أنها مليون مورث ، فحتى الآن عرفوا ثمانمئة مورِّث ، هذه تسهم في تفاصيل حياة الإنسان .
حدثني أخ كريم فقال لي : جاءني بنتان توأمان من بويضة واحدة ، وكل بنتٍ لها طبع ، الأولى حادَّة المزاج ، والثانية هادئة جداً ، ومن بويضة واحدة ..
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
2 ـ علم الأجِنَّة وحده أكبر دليل على عظمة الله :
والله يا أيها الإخوة الكرام ، علم الأجِنَّة وحده أكبر دليل على عظمة الله ، علم الأجنة ؛ تطور الخلق ، من مضغة ، إلى علقة ، إلى عظم ، ثم يكسى العظم لحماً .
دخل طبيب أستاذ علم الأجنة في جامعة أكسفورد ، له كتاب يعد عند الدارسين إنجيل الأجِنَّة ، كتاب قيم ، مترجم إلى معظم اللغات ، يدرس في كل الجامعات تقريباً ، فقال هذا الطبيب لتلاميذه : معي حقيقة ناصعة كشفتها اليوم ، تعد ثورةً في علم الأجنة ، ما هذه الحقيقة ؟ أنه اكتشف أن العظام تُشَكَّل أولاً ، ثم تُكسى لحماً ، وهو قبل عشرين عامًا سابقة كان يعتقد أن العظام تلي خلق العضلات ، فقام طالب مسلم في هذه الجامعة فقال : هذه حقيقة في كتاب المسلمين ، فالأستاذ صعق ، ولم يصدق ، في اليوم التالي جاءه بالقرآن الكريم مع تفسيره ، أطلعه على الآية : ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) ﴾
( سورة المؤمنون )
إن قضية تشكل الجنين في الرحم ، والأطوار التي يمر بها ؛ من مضغة إلى علقةٍ ، إلى نطفة مُخَلقة وغير مخلقة ، إلى عظمٍ ، إلى لحمٍ ، إلى أجهزةٍ ، إلى دماغ ، شيء لا يصدق ، قبل تسعة أشهر نقطة ماء ، بعد تسعة أشهر يكون طفلا يأكل ، ويشرب ، ويتحرك ، ويرى ، ويسمع ، وينام ، وفيه دماغ ، وفيه أعصاب ، ومعدة ، وأمعاء ، وقلب ، وكبد ، وأذنان ، ولسان ، هذا كله من خَلق الله عز وجل . ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
إنسان طويل ، وإنسان قصير ، إنسان لونه فاتح ، وإنسان لونه داكن ، إنسان عصبي المزاج ، وإنسان هادئ الطبع ، إنسان يتَّقد ذكاءً ، وإنسان محدود .. ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
الْعَزِيزُ الْحَكِيم
1 ـ العزيز :
العزيز : الذي لا ينال جانبه ، كما قلت في درس سابق : يندر وجوده إن كان العزيز شيئاً من خلق الله ، وإن كان اسماً لله فهو واحدٌ لا شريك له ، إن كان صفةً لمخلوقات الله فهو يندر وجوده ؛ والشيء العزيز تشتد الحاجة إليه ، وإن كان اسماً لله فيحتاجه كل شيء في كل شيء ، والعزيز إذا كان صفةً لغير الله فيصعب الوصول إليه ، أما إذا كان اسماً لله فيستحيل أن تحيط به .
2 ـ الحكيم :
الحكيم : يضع كل شيء في مكانه الصحيح ، كل شيء وقع لو أنه وقع بخلاف ما وقع لكان نقصاً في حكمة الله ، ولكان الله ملوماً ، فليس في الإمكان أبدع مما كان .
ثم يقول الله عز وجل :
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب
1 ـ الآيات المُحكمات :
بعضهم قال : الآيات المُحكمات هي الآيات الواضحات ، وبالتعبير الأصولي : هي الآيات قطعية الدلالة ، لا تحتمل معنيين ، ومن رحمة الله بنا أن كل الآيات المتعلقة بسعادتنا أو شقائنا ، الآيات المتعلقة بالأساسيات ؛ شيء يعد فرضاً لسلامتنا وسعادتنا تغطيه آيات محكمة ، وشيء إن فعلناه كان دماراً لنا في الدنيا والآخرة تغطيه آية محكمة ، أي آية واضحة ، آيةٌ قطعية الدلالة ..
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾
( سورة المائدة : من الآية 38 )
﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103) ﴾
( سورة النساء )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) ﴾
( سورة البقرة )
أيةٌ قضية أساسيةٍ في سلامتنا وسعادتنا ، وهي أساسية في دمارنا وشقائنا مغطاة بآية محكمة ، أي آيةٌ واضحة الدلالة قطعية المعنى ، لا شك فيها ، كأن نقول : أعطِ فلانا ألفاً وخمسمئة ليرة ، لا تحتاج لمفسر ، ولا موضح ، ولا لإنسان تستشيره في المعنى : أعطِ فلانا ألفاً وخمسمئة ليرة ، هذا نص واضح قطعي الدلالة ، أما لو قلت لك : أعطِ فلاناً ألف درهمٍ ونصفه ، هذه جملة متشابهة ، يا ترى الضمير يعود على الألف ، أي ألفا وخمسمئة درهم ، أم يعود على الدرهم ، ألف ونصف درهم ؟؟ هذه متشابهة ، فيمكن أن تؤول بألف وخمسمئة إذا أعدنا الضمير على الألف ، ويمكن أن تؤول بألف ونصف درهم إذا أعدنا الضمير على الدرهم ، هذه آية متشابهة أي ظنية الدلالة . 2 ـ الآيات المتشابهات :
الآيات الظنية الدلالة ، وكذلك الأحاديث ، تغطي المتغيِّرات في حياة الإنسان ، في حياتنا ثوابت وفي متغيرات ، فالثوابت ما تقوم عليه سعادتنا، وما يهددنا بالشقاء الدنيوي والأبدي ، هذه ثوابت ، فالإنسان أكل ، ولم يطعم أمه التي أنجبته ، من دون تعليم ، من دون توجيه ، من دون أن تستمع إلى خطبة عن بر الوالدين ، هذا شيء تعرفه بالفطرة ، ومغطى بنصٍ قطعي الدلالة ، فكل جريمة تهلك الإنسان محرمة بنصٍ قطعي الدلالة ، وهناك متغيرات ، فالله عز وجل قال :
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾
( سورة النور: من الآية 56 )
يا رب ، نؤتيها مالاً ، أم نؤتيها طحيناً ، أم نؤتيها تمراً ، أم قمحاً ، كيف نؤتيها ؟ يحتمل أن تؤديها مالاً إذا كنت في المدينة ، ويحتمل أن تؤديها قمحاً إذا كنت في الريف ، القضايا المتغيِّرة ، والمتغيرات تغطيها الآيات ظنية الدلالة ، والثوابت في حياة الإنسان تغطيها الآيات المحكمات .
ولكنني أنا كإنسان حينما أصوغ نصاً ظني الدلالة ، أنا أقصد معنىً واحدًا ، ولكن عبارتي جاءت فضفاضة ، أما إذا جاء خالق الأكوان في قرآنه بعبارة ظنية الدلالة ، معنى ذلك أن الله أراد كل المعاني كي تغطي كل الظروف ، وكل البيئات ، وكل الحاجات ، فإذا كان في النص طابع ظني فالله عز وجل أراد كل المعاني رحمةً بالخلق ، وتغطية لكل المتغيرات في الحياة ، أما إذا أراد معنى واحداً هذا لا يحتمل تأويلاً آخر .
إذاً : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
آيات الوجود ، آيات الكمال ، آيات الوحدانية ، آيات المحرَّمات ، آيات الفرائض ، الآيات الأساسية التي تقوم عليها سعادتنا ، والآيات التي إن خالفناها نشقى في الدنيا والآخرة محكمات ، أما ندفع الزكاة مالاً ، أم ندفعها طعاماً ، هذه آية ظنية الدلالة ، هنا مجال اجتهاد المجتهدين . 3 ـ معنى آخر للآيات المحكمات :
معنى آخر : أن الآيات المحكمات هن الآيات التي تعدُّ أصول الكتاب ، وأن الآيات المتشابهات هي الآيات التي تعد فروعاً للكتاب ، في أصول وفي فروع ، وكل آية متشابهة ينبغي أن ترد إلى آية محكمة ، أرجو الله عز وجل أن يمكنني من توضيح هذه الحقيقة ..
أنا أقول : الخبز مادة خطيرة ، كلمة خطيرة هل تعني قنبلة تنفجر ، أما أنها مادة أساسية ؟ الخبز مادة خطيرة ، القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان ، ثم أقول بعد حين : القمح مادة أساسية ، أساسية محكمة ، خطيرة متشابهة .
الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت :
القاعدة الأصولية أن كل آيةٍ متشابهةٍ ، أو أن الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت ، هذه قاعدة أساسية .
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) ﴾
( سورة الأنعام )
هذه الآية أصل ، وواضحة ، ومحكمة في أن الإنسان مخير لا مسير ، تأتي آية ثانية : ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة النحل : من الآية 93 )
فالآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت ، هذه قاعدة أصولية ، لذلك إذا قلت : الله عز وجل أضل فلاناً ، الله لا يضل ، هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، قياساً على قوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
( سورة الصف : من آية " 5 " )
إذاً : المحكمات ؛ الواضحات ، قطعية الدلالة ، اللواتي تغطي أساسيات الحياة ، والثوابت في الحياة الإنسانية ، والمتشابهات ؛ الآيات ظنية الدلالة ، تشبه الحق من جانب ، والباطل من جانب .
مثلاً : ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13) ﴾
( سورة السجدة )
نعود للمثل السابق : كلفت إنساناً أن يعطي فقيراً ألف درهماً ونصفه ، كيف يؤوِّل النص ؟ ألف ونصف درهم ، هذه لأن الهاء تعود على الدرهم ، كأن ثمة امتحانا ؛ إذا كان كريما يعيدها على الألف ، فيعطيه ألفاً وخمسمئة ، وإن كان بخيلاً يعيدها على الدرهم ، فيعطيه ألفا ونصف درهم .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾
﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 130 )
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة
النهي على الأضعاف المضاعفة ، أما لو أكلناها بنسبٍ قليلة فلا شيء علينا ، " النظرة الأولى لك ـ ولكنه ظل ساعة في النظرة الأولى ـ والثانية عليك " فجعل الأولى ساعة .
فدائماً :
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾
( سورة الحج : من الآية 41 )
الله لم يمكّننا ، إذاً : لا نقيم الصلاة ، فهناك تأويلات مضحكة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾
فتنوا بالدنيا ، فأرادوا مخلَصاً لشهواتهم من بعض النصوص ، وكثيراً هي الكُتُب التي تؤلف حديثاً تحت اسم ( قراءة معاصرة في القرآن الكريم ) التي تخفف على الناس التكاليف ابتغاء الفتنة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَنَزَلْنَا فِي مَكَانٍ كَثِيرِ الثُّومِ ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا مِنْهُ ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى فَوَجَدَ رِيحَهَا مِنْهُمْ فَقَالَ : (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسْجِدِنَا )) .
[ رواه أحمد ]
يعني من البصل والثوم ، هل تصدقون أنه في بعض البلاد حتى يتخفف من صلاة الجمعة يأكل سناً من الثوم ؟* ما دام قد أكل من هذه الشجرة فينبغي ألا يقرب مصلانا ، ما خطر في بال النبي أن واحدا من أمته بعد حين سيفهم هذا الحديث : أي أن يعفى من صلاة الجمعة ، فالإنسان المنحرف يعمل في التأويل ، يغيِّر ، ويبدل ، ويؤول كي يجر التغطية الشرعية الموهومة إلى انحرافاته ، هذه قاعدة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾
معنى التأويل :
ما معنى التأويل ؟ العلماء فرقوا بين التفسير والتأويل ، الإنسان حينما يخطر في باله فكرة يعبِّر عنها ، فأن تعيد النص إلى أصله الفكري هذا تأويل ، فالله عز وجل قال :
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
( سورة السجدة )
إن الله عز وجل خلقك مخيراً ، حَمَّلَكَ الأمانة ، هيَّأ لك سعادة أبدية ، خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض ، لو شاء أن يجبرك على الهدى لأجبرك ، لكن عندئذٍ لا تسعد ، لو أنني مجبر أحدا على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى ، ولكن الهدى القسري لا يسعد .. ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
( سورة السجدة )
تعني هذه الآية : أن الله لو أراد أن يجعل كل العباد المؤمنين إيماناً قسرياً لفعل ، فلو أن بلدا يفرض استقامة قسرية عن طريق المراقبة ، تدخل إلى سوق كبير جداً فيه بضاعة ألوف الملايين ، خمسة موظفين على الباب ، أية سلعة إن لم تدفع ثمنها تعط صوتاً ، فمن هو المستقيم إذاً ؟ في بلاد كثيرة مع التطور التكنولوجي أجبر الإنسان على الاستقامة ، لكن هذه الاستقامة التي أجبر عليها لا قيمة لها إطلاقاً ، ولا ترقى بالإنسان ، كما أنها لا تسعده ، فالآيات المحكمات تغطي الثوابت في الإنسان ، والمتشابهات تغطي المتغيرات . الذين في قلوبهم مرضٌ يتبعون المتشابه :
لكن المنافقين ومَن كان في قلبه مرضٌ ..
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾
يقول لك أحدهم : ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة النحل: من آية " 93 " )
الله لم يكتب لي الهداية ، الله عز وجل هداك ، ينتظر أن تستجيب له ، أما : كلمة : ( من يشاء ) فلها معنى آخر في آيات أخرى : ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264) ﴾
( سورة البقرة )
﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ﴾
( سورة البقرة )
لا يهدي الكاذبين ، فالله أوجز بمكان ، وفسر بمكان .. ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه
هنا شيء ثان لابد من ذكره ، من معاني المحكمات والمتشابهات : القرآن كله آيات محكمات إلا بعض الآيات التي لا تزيد على أصابع اليد ، هذه الآيات متعلقةٌ بذات الله .
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر : من الآية 22 )
أين كان ؟ ﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 54)
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح : من الآية 10 )
﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾
( سورة المائدة : من الآية 116 )
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾
( سورة القصص : من الآية 88 )
وجه ، نفس ، يد ، سمع ، بصر ، جاء ، بضع آيات لا تزيد على عدد أصابع اليد ، سماها العلماء آيات متشابهات ، هذه متعلقة بذات الله ، أكمل موقف أن نوكل أمر معناها إلى الله ، عشر آيات ليس أكثر ، وبعضهم أوَّلها تأويلاً يتناسب مع كمال الله ، فقالوا : ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر : من الآية 22 )
أي جاء أمره . ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح : من الآية 10 )
أي قدرته . ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(181) ﴾
( سورة البقرة )
أي علمه .
وجهه : ذاته ، نفسه : ذاته ، إلخ ... فالآيات المحدودة المتعلقة بذات الله يمكن أن تسمى آيات متشابهات ، فإذا لم نأولها واكتفينا وفوضنا إلى الله تأويلها نكون قد سلمنا ، وإذا اجتهدنا بتأويلٍ يليق بكمال الله نكون قد وفقنا ، أما أن نشبِّه الله عز وجل ببعض خلقه ، فهذا كلامٌ غير مقبول ، إما الذين أنكروها ضلوا ، والذين جسَّدوها ضلوا ، ولكن الذين فوَّضوها كانوا أكمل الناس ، والذين أولوا كانوا قد وفقوا ، هذا معنى آخر للمحكمات والمتشابهات . ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾
إذا : الآيات محكمات .. ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم
نقف عند العلم ، أما إن كانت الآيات متشابهات متعلقة بذات الله ..
﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾
1 ـ الوقف عند لفظ الجلالة ( الله ) أو لفظ ( العلم ) كلاهما صحيح :
نقف هنا ، نقف عند كلمة الله إن كان الآيات متعلقة بذات الله ، ونقف عند كلمة والراسخون في العلم إذا كانت الآيات متعلقةً بالأحكام الشرعية ، وقصص الأنبياء السابقين وما إلى ذلك ، يقولون هؤلاء العلماء الراسخون :
﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7) ﴾
على كل ، أيها الإخوة القرآن الكريم يحتاج إلى تقوى ، لأن الله عز وجل يقول من بعض معاني هذه الآية :
﴿ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ(79) ﴾
( سورة الواقعة )
2 ـ الفِرق الضالة تعتمد على المتشابهات :
فإذا كنت طاهر القلب ، موَحداً ، مستقيماً ، أعانك الله على فهم كلامه ، وإلا فالمنحرف يقع في فتنة المتشابهات .
بالمناسبة ما من فرقةٍ ضالةٍ إلا اعتمدت على معنىً من معاني المتشابهات التي ما أرادها الله عز وجل ، الآيات المتشابهات فيها نوع من الامتحان للإنسان ، أما المؤمنون الصادقون فإنهم :
﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 21:58
المشاركة 5
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 003: تفسير الآيتان 8 -9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع من دروس آل عمران ، ومع الآية الثامنة ، وهي قوله تعالى :
﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ:
المعنى الأول :
أيها الإخوة ، قال علماء التفسير : ما دام الله جل جلاله يأمرنا أن ندعوه لئلا تزيغ قلوبنا ، معنى ذلك أن الأمر بيدنا ، يؤكِّد هذا المعنى أن الله عزَّ وجل يقول :
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
( سورة الصف : من الآية 5)
معنى ( زاغ ) أي انصرف إلى شيءٍ آخر غير الدين ؛ انصرف إلى الدنيا ، انصرف إلى معصية ، انصرف إلى متعةٍ رخيصة ، أو توجه إلى جهةٍ شريكة لله عزَّ وجل ، أي كان متجهاً إلى الله فزاغ قلبه ، اتجه إلى غير الله ، كان مقبلاً على طاعة ، فزاغ قلبه ، فأقبل على معصية ، كان محسناً ، فزاغ قلبه ، فأساء ، كان طاهراً ، فزاغ قلبه ، فانحرف ، لأن الله عزَّ وجل يأمرنا أن ندعوه .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا ﴾
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ : مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ ))
[ مسلم وأحمد ]
ينبغي أن نفهم هذا الحديث فهماً دقيقاً جداً ، أي أن الله عزَّ وجل جعل قلوبنا بيده لسبب واحد ؛ من أجل أن يعيننا على إيماننا ، فلو أن أحدنا أراد شيئاً طيباً ، ملأ الله قلبه انشراحاً ، وإذا أراد أحد الناس سوءً ، ملأ قلبه انقباضاً ، فلأن القلب بيد الله عزَّ وجل ، يعطينا دفعة التشجيع ، أو دفعة ردع ، يجب أن نفهم هذا الحديث : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
يملؤها ثقةً ، وطمأنينة ، وأمناً ، وراحةً ، أو يملؤها خوفاً ، وقلقاً ، وانقباضاً ، فإن كان القرار صائباً ملأها أمناً ، وراحةً ، وانشراحاً ، وإن كان القرار مخطئاً ملأها خوفاً وقلقاً ، فإذا أردت أن تجمع بين هذه الآية وبين الحديث الصحيح .. (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
لصالحنا ، في صالح إيماننا . المعنى الثاني :
هناك معنى آخر : أنت حينما ترى من هو أقوى منك لا ينبغي أن تخاف ، لأن قلب هذا القوي بيد الله ؛ فإما أن يملأه عطفاً عليك ، وإما أن يملأه حقداً عليك ، فقلبه بيد الله لا تخف منه ، خف أن يسمح الله له أن يصل إليك ..
﴿ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 80)
إذا شاء الله لقويٍ أن يتسلَّط عليك ، تسلط عليك ، إذاً لا تخف من القوي ، بل خف أن يسمح الله له لأن قلبه بيد الله ، هذا المعنى الثاني .
ذكرت لكم سابقاً أن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى أدى أمانة التبيين ، والعلماء مكلَّفون من قِبَل الله عزَّ وجل أن يبينوا ، فبيَّن ، بلغت الحجاج مقالته ، فقال : والله يا جبناء لأروينكم من دمه ، وأمر بقتله ، بكلمة ، فجيء به ليُقتَل في حضرته ، فلما دخل هذا الإمام الجليل على الحجاج رأى السيَّاف واقفاً ، والنطع ممدوداً ، وكل شيءٍ جاهزٌ لقتله ، فحرَّك شفتيه ، ولم يفهم أحدٌ ماذا قال ، فإذا بالحجاج يقف له ، ويستقبله ، ويقرِّبه ، حتى أجلسه على سريره ، واستفتاه في موضوعٍ ، وضيفه ، وعطَّره ، وشيَّعه إلى باب القصر ، صُعِق السياف ، وتبعه الحاجب ، فقال له : يا إمام لقد جيء بك ـ اسمه أبو سعيد ـ قال له الحجاج : أنت يا أبا سعيد سيد العلماء ، تبعه الحاجب ، قال له : يا إمام ، لما دخلت حرَّكت شفتيك ، فماذا قلت بالله عزَّ وجل ؟ قال له : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .
أقوى الأقوياء قلبه بيد الله ، والله عزَّ وجل قادر أن يلهم عدوَّك أن يخدمك ، وقادر أن يجعل أقرب الناس إليك يتطاول عليك ، لأن قلوب العباد بيد الله ، فأنت علاقتك مع الله .. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾
( سورة هود )
فعلاقتي ليست مع الدواب ، ولكن مع مَن بيده ناصية الدواب ، فإن أرخى الزمام وصلت إلي ، وإن شدَّ الزمام أبعدها عني ، هذه حقيقة في التوحيد مهمة جداً ، الأرض مليئة بالأقوياء ، مليئة بالأشرار ، مليئة بالحاقدين ، مليئة بالكفَّار ، مليئة بقُساة القلوب وهم لا يرحمون ، ولكن قلبهم بيد الله ، فإذا أرد الله لمؤمنٍ خيراً ألقى هيبته في قلوب الأقوياء ، فـ : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
يقلبها لصالحك ، يملؤها رضىً ، وأمناً ، واستبشاراً ، وتفاؤلاً حينما تصطلح مع الله ، ويملؤها خوفاً ، وضيقاً ، وقلقاً حينما تبتعد عن الله ، فـ.. (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
أما قلوب الآخرين أيضاً بيد الله ، فإما أن تمتلئ محبةً لك ، وعطفاً عليك ، ورغبةً في خدمتك ، وإما أن تمتلئ نقمةً ، وحقداً ، وقسوةً .
الإنسان مخيَّر :
إذاً : هذه الإزاغة التي ندعو الله ألا تكون هي إزاغة القلب الابتدائية ، أما الإزاغة الجوابية الجزائية فهذه من عند الله عزَّ وجل ، فحينما تختار المعصية ـ لا سمح الله ـ فالله عزَّ وجل بحسب هويتك أنت مخير ، جاء بك إلى الدنيا ، وأنت مخير ، لأن هويتك مخير ، لأن أصل تركيبك مخير ، إذاً : يسمح الله لك أن تنصرف إلى ما أردت ، فسماح الله لك أن تنصرف إلى ما أردت هو إزاغة الله .
ومثل ذلك كمثل طالبٍ في الجامعة لم يقدِّم امتحانًا ، ولا عرف داومًا ، ولا اشترى كتابًا ، ولا التقى المدرس ، أُرسِل له إنذار تلو الإنذار ، فأصر على موقفه ، بعد كل هذه المحاولات لإرجاعه للجامعة ، صدر قرار لترقين قيده ، فهذا القرار تجسيدٌ لرغبة هذا الطالب ..
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا ﴾
( سورة الصف : من الآية 5 )
انصرف إلى الدنيا ، إلى المعصية ، لم يعبأ بالتوحيد ، لم يطلب العلم ، أراد الشهوة ، الآن ، سمح الله له أن يحقق رغبته ، سماح الله له أن يحقق رغبته هو الزيغ الذي جاء في هذه الآية ، أقوى دليل : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
وقس على هذا كل شيء ، قس على هذا إذا وجدت في القرآن آيةً يُشَمُّ منها أن الله يضل العباد ، إذا قلت : إن الله يضلهم ، أي ذاك الضلال الجزائي ، المبني على ضلال اختياري ، أنت مخير ، وفي اللحظة التي تفقد فيها اختيارك تلغى هويتك ، وتلغى الأمانة ، ويلغى التكليف ، وتلغى المسؤولية ، ويلغى الثواب ، ويلغى العقاب ، وتلغى الجنَّة ، وتلغى النار ، لمجرَّد أن تفقد اختيارك ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلَّف تسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعْصَ مغلوباً ، ولم يُطَعْ مُكرهاً .
إذاً : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
هذه الإزاغة الجزائية ، التي هي في حقيقتها سماح الله لك أن تفعل ما أردت ، فأنت مخير .
مثل أوضح ، أنت صيدلي ، وبحاجة إلى موظف يعينك في فتح الصيدلية ، هذا الموظف يجب أن يكون على علمٍ بالأدوية وخصائصها ، أعلنت عن مسابقةٍ ، وجاءك عدد من المرشحين لهذه الوظيفة ، الآن تمتحن أحدهم ؛ وضعت له مجموعة أدوية على الطاولة ، قلت له : وزِّع هذه الأدوية وفق أنواعها ؛ السموم ، والفيتامينات ، والمسكنات .. إلخ ، أنت الآن تمتحنه ، فأمسك هذا المرشح للوظيفة علبة دواء سموم ، واتجه إلى خزانة الفيتامينات ، لو أنك منعته ما فحصته ، ينبغي أن تسمح له أن يذهب حيث يشاء ، هو في طور امتحان ، أنت الآن تمتحن علمه ، أمسك علبة دواء سموم ، واتجه بها إلى خزانة الفيتامينات ، سماحك له هو إزاغتك .. ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
أي سمح لهم أن يتجهوا الوجهة التي أرادوها ، واختاروها من عند أنفسهم ، يقاس على ذلك كلمة الضلال ، فأينما عُزِيَت كلمة الضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري ، فـ .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
لماذا يقول الله عزَّ وجل : ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 80 )
لماذا ؟ لأنه قد تدخل مدخل صادقاً ، ولا تخرج صادقاً ، لمَ لمْ يقل الله عزَّ وجل : رب اجعلني صادقاً ؟ لا ، المعنى دقيق ، آلاف الحقول قد تدخلها صادقاً ، ولا تخرج منها صادقاً ، أنت قد تنشئ مستشفى خيريا ، ثم ينقلب هذه المستشفى إلى مستشفى ابتزازي يبتز أموال الناس بالباطل ، يمكن أن يبدأ المشروع خيرياً ، ولا ينتهي خيرياً ، يمكن أن تبدي دعوة بإخلاصٍ شديد ، ولا تنتهي هذه الدعوة بالإخلاص الذي دخلته فيها .
إذاً : ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
معنى ذلك أن الإنسان عليه أن يبقى مستعداً لأية معركةٍ مع الشيطان ، الشيطان لا ييأس ، ولكل طورٍ من أطوار الإيمان شيطانٌ يثبط عزيمة الإنسان ، حتى إذا بلغت قمة النجاح يغريك الشيطان بالغرور ، كل نجاح له مطب ، فيجب أن تكون يقظاً .
كنت أقول : بلوغ القمة صعبٌ جداً ، طريقٌ وعر ، صعب ، التواءات ، حُفَر ، أكمات ، حتى إذا بلغت القمة هناك مطبٌ خطير ـ مطب الغرور ـ والغرور طريقٌ إلى القاع ناعم الملمس ، تنزلق به سريعاً إلى القاع ، فقبل الزواج هناك مطبَّات ، وبعد الزواج ثمة مطبات ، عندك أولاد فثمة مطبات ، لا ولد لك فثمة مشكلة ، رزق وفير مشكلة ، قليل مشكلة ، فـ .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
الإنسان عليه أن يؤمن ، وعليه أن يصون إيمانه ، وعليه أن يجدد إيمانه ، والإيمان يخلَق في جوف بني آدم ، ويهترئ ، فلابدَّ من تجديده ، والتجديد يكون بأن ترفع مستوى طلب العلم ، والتجديد يكون عن طريق المبالغة في الاستقامة ، والتجديد يكون عن طريق العمل الصالح ، أن تزداد علماً ، وأن تزداد انضباطاً ، وأن تزداد عطاءً ، بهذا يتجدد الإيمان .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
الرحمة :
فكلمة (رحمة) كلمةٌ جامعةٌ مانعة ، مطلق عطاء الله أن يرحمك ، يرحمك فيسبغ عليك صحةً ، يرحمك فيملأ قلبك أمناً ، يرحمك فيسمح لك أن تتصل به ، يرحمك فيذيقك من حلاوة القُرْب ، يرحمك فيعطيك الحكمة ، لو تحدَّثت عن الرحمة ساعاتٍ وساعات لا تنتهي منها ، رحمة الله مطلق عطاء الله .
هنا يحضرني ..
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾
( سورة الزخرف )
في شركات عملاقة ، فائضها النقدي يفوق ميزانية مجموعة دول ، فائضها النقدي فقط .. ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾
رحمة الله تعني الأبد ، تعني سعادة إلى أبد الآبدين ، رحمة الله تعني جنةً فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، رحمة الله في الدنيا هذا الأمن الذي يناله المؤمن .. ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82) ﴾
( سورة الأنعام )
أي إذا قلت : يا رب ارحمني ، فهو دعاء واسع جداً ، أي يا رب أصلح لي جسدي ، يا رب يسِّر لي رزقي ، يا رب اجعل أهلي على خير ما يرام ، اجعل زوجتي صالحة ، اجعل أولادي أبراراً ، يا رب صلني بك ، ارزقني عملاً صالحاً يقربني إليك ، يا رب تجلى على قلبي ، يا رب أذقني طعم القرب منك ، هذا معنى ارحمني يا رب .
ويقول الله عزَّ وجل : ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158) ﴾
( سورة آل عمران )
إلى رحمته ، فأنت تقرأ النعي ( إلى رحمته تعالى ) ، كلمة فرِّغت من مضمونها ، أي مات فلان ، لا ، لا ، لو أنه مؤمن انتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا لكان كذلك ، لأن الدنيا كلها متاعب ، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ : (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ : مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ : الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ))
[ متفق عليه ]
كان عبئًا .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
والقلب قلب النفس ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))
[ مسلم ]
فالقلب منظر الرب ، وقد ورد في بعض الآثار القدسية : " أن عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟ " .
أما يستحيي الإنسان أن يحقد بقلبه على أحد ، والله مطلعٌ على قلبه ؟ يا إخوان الكبائر الباطنة أخطر ألف مرة من الكبائر الظاهرة ، الكِبر مرض قلبي خطير ، العُجب مرض قلبي خطير ، حب الذات مرض قلبي خطير ، أن تتوهَّم أنك أفضل الناس مرض قلبي خطير .. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 49)
هذا مريض الذي يمدح نفسه باستمرار .
إذاً : ﴿ رَبَّنَا ﴾
دعاء ، وهذا من أدعية القرآن ، وحبَّذا لو جمعنا أدعية القرآن ، حبذا ، ودعونا الله بها .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
الإنسان معرَّض للفتنة في أية لحظة ، يجب أن يكون يقظاً دائماً .. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 71 )
من الشيطان ، فقد يأتي عن أَيْمانهم .. ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 71 )
احذر مداخل الشيطان :
هذه موظفة مثلاً يجب أن تهديها إلى لله ، والله الظاهر أن فيها خيرًا ، اقعد معها جلسات طويلة على انفراد ، لعل الله عزَّ وجل يهديها على يدك ، أنت داع ، هذه خلوة ، دع خيراً عليه الشر يربو ، وإن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة ، أنا لا أضحي بديني من أجل امرأة ، فعن أيمانهم يوسوس له ، فعل خيرٍ فيه مطب ، فيه شُبهة ، يا نصيب خيري ، وريع هذا اليناصيب للعجزة ، والله شيء جميل ! أدخله باليناصيب ، فدائماً الشيطان إذا رأى الإنسان على الإيمان فتجده أولاً يطمع بالإنسان أن يكفر ، فإن يئس من أن يكفر زين له الشرك ؛ يوهمه أن هناك جهة بيدها كل شيء ، لابد أن ترضيها ، لمستقبلك ولأولادك ، أوهمه أن هذه الجهة ندٌ لله عزَّ وجل ؛ ترفع وتخفض ، وتعطي وتمنع ، وتعاقب وتكرم ، فاتجه إليها ، أغراه بالكفر فلم يستطع ، أغراه بالشرك فأفلح ، لو أن هذا الذي أغري بالشرك كان على توحيد لرماه بمطب ثالث ، يجعله يبتدع ، إنه لابد أن نفعل هذا ، فما فعله النبي ، الدين تام مكتمل ، معنى هذا أن الدين وحي ، والذي أوحى هو خالق الكون ، والله عزَّ وجل لا يمكن أن ينسى شيئاً ، فأية إضافةٍ على الدين اتهامٌ له بالنقص ، وأية حذفٍ منه اتهامٌ له بالزيادة ، فلمجرد أن تفكر أن تضيف شيئاً في عقائد الدين أو في عباداته فأنت متهم له ، وأنت تقول : لقد نقص هذا الدين أن أتممه .
فيدعو أولاً إلى الكفر ، فإن وجده على إيمان دعاه إلى الشرك ، إن وجده على التوحيد دعاه إلى أن يبتدع ، إن وجده على سنة دعاه إلى أن يرتكب كبيرة ، إن وجده على طاعة دعاه إلى أن يرتكب صغيرة ، إن وجده على وَرَع ... فماذا ؟!! لا الكفر جاء عليه ، والشرك ، ولا البدعة ، ولا الكبيرة ، ولا الصغيرة ، الآن يدعوه إلى التحريش بين المؤمنين ، أنت كذا ، وأنا كذا ، والجماعة الفلانية ، يمزق الدين ، يمسك قضية صغيرة جداً يكبرها كثيرا ، ويقيم عليها النكير ، ويقاتل من أجلها ، وهي في الإسلام حجمها صغير جداً ، لأسبابٍ تافهةٍ جداً نتحارب ، نتقاتل ، يطعن بعضنا بعضاً ، يكفر بعضنا بعضاً ، لأنه ترك مصدر علم من جهة ، ومال إلى جهة ثانية ، كفَّره وانتهى ، هذا كله مبالغة ، كله غلوٌ في الدين ؛ أن تأخذ جزئية صغيرة ، وأن تكبرها ، وأن تجعلها هي الدين ، هذا من فعل الشيطان ، فلا الكفر ، ولا الشرك ، ولا البدعة ، ولا الكبيرة ، ولا الصغيرة ، ولا التحريش بين المؤمنين ، كان واعياً هذا المؤمن ، يدخله في المباحات ، التوسُّع في المباحات حتى تمتص كل وقته ، وحتى يلقى الله صفر اليدين ، هذا ..
﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
.. المعاصي والآثام ، و ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
التقدم والحداثة ، والعلمانية، والتطوير ، والمجتمع المنفتح ، والعولمة ، ونحن بعصر العلم مع الاختلاط ، مع الانحراف ، مع التفلُّت ، مع الانحلال ، أو يتمسَّك بتقاليد قديمة جداً بالية تخالف الشرع ، هكذا رباني أبي ، وهكذا علمني ، هكذا نشأت ، على الاختلاط ، من غير محاسبة ، وكل إنسان يأخذ ما راق له من المحل ، فهم إخوة ، حتى يتقاتلوا ، فإما أن تبتدع تقاليد تخالف الدين ، أو أن تبتدع قيما حديثة جداً تخالف الله ، أو ﴿ عَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾
.. من باب الدعوة إلى الله ، أو ﴿ عَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
.. من باب المعصية ، ولكن لم يذكر القرآن جهةً علويةً ، ولا جهةً سفلية ، يعني أن الطريق إلى الله آمن من الشيطان ، وطريق الامتثال آمن أيضاً ، إن امتثلت إلى الله فأنت في أمان ، وإن أقبلت عليه فأنت في أمان ، واللهُ ذكر أربع جهات : ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
إذاً : الشيطان هو الذي يسعى لإزاغة القلب ، لابد من أن نكون يقظين .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
والله أيها الإخوة ، في قلب المؤمن رحمة ، كلمة رحمة واسعة جداً ، أي فيه طمأنينة ، وأمن ، وراحة ، واستسلام لله ، وشعور بالخفَّة ، ليس عليه أثقال كالجبال ، ما ارتكب عملاً سيئًا ، شقي الناس ليسعد ، وافتقر الناس ليغتنى ، لا علاقة له بالمعصية ، ليس ثمة حقوق متعلقة برقبته ، فالقلب فيه راحة .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
كلمة ( وهاب ) تعني بلا ثمن ، أي بلا ثمن مكافئ ، أما الثمن فبسيط ، أن تطلب ، أنت عبد فقير ، وضعيف ، ولا تعلم ، إذا أقبلت على الله عزَّ وجل منحك العلم ، منحك القوة ، منحك الحكمة ، فليس معقولاً أن تقدم طلبًا بإخلاص ، ولجهة في الأرض ، وتقول : أريد أن تعطوني ألف مليون ، وقَّعت ، الألف مليون تأخذها بطلب فقط لا بجهد ، هذا معنى : ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
أنت في الدنيا تجد إنسانًا عنده ثروة طائلة ، هذه بمقابل ، يقول لك : جهد أربع وخمسين سنة عملا في التجارة ، مُتنا مليون موتة حتى حققنا هذه الثروة ، هذه الثروة مقابل جُهْد ، أما ربنا عزَّ وجل فيعطيك عطاء بغير حساب ، مقابل طلب فقط .. ﴿ كلاً نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20) ﴾
( سورة الإسراء )
ما أنت فيه يعبِّر عن صدقك ، وما لم تصل إليه يعبر عن تمنياتك ، فالله عزَّ وجل لا يتعامل بالتمنيات .. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 123 )
أنت تتمنى أن تكون أكبر تاجر ، تمنى أن تكون أكبر غني ، تمنى أن تكون أكبر عالِم ، التمنيات ما لها قيمة عند الله عزَّ وجل ، والدليل : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 19 )
ما قال : وسعى لها ، لا يكفي سعى لها ، بل سعى لها سعيها الخاص ، نجح طالب في الطب ، الطب له علاماته الخاصة ، أما إذا كنت طالبًا فهذه الكلية لها علاماتها الخاصة .. ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 19 )
تحتاج إلى صدق ، إلى استثقامة .
ويحضرني الآن كلمة رائعة : أنه ممكن أن تتعلم أمر الله ، أي إنسان ذكي عنده فكر ، وثقافة ، ولغة ، عنده كتب ، ومراجع ، وأجهزة يتعلم الشريعة ، ولو كان غير مسلمٍ ، قد يكون زنديقًا ، قد يكون زانيًا ، قد يكون شارب خمر ، قد يكون مُلْحِدًا ، إذا قرأ الكتب ، وفهمها ، واستوعبها ، وحفظها ، وربطها بعضها ببعض يمكنه أن ينجح في الامتحان ، فالعلم بأمره يستدرك بالمدارسة ، والعلم بخلقه يستدرك بالمدارسة ، اختصاص فيزياء ، وكيمياء ، ورياضيات ، وفلك ، وطب ، وهندسة ، وعلم اجتماع ، وعلم نفس ، وتاريخ تربية ، كلها علوم أرضية تحتاج إلى فكر ، وكتاب ، ومدرس ، ووقت ، ودارسة ، ومطالعة ، ولكن العلم بذاته تحتاج إلى مجاهدة ، تحتاج إلى غض بصر ، ضبط لسان ، تحرير دخل ، إنفاق في سبيل الله ، ضبط الهوى ، ضبط العلاقات كله تحتاج لإرادة قوية ، فالإرادة القوية ، والطاعة ، والمجاهدة ثمن معرفة الله عزَّ وجل .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
لو أن إنسانًا زاغ قلبه ، وانحرف سيره ، وغرق في الدنيا ، وجمع من الأموال المبالغ الطائلة ، ثم ماذا ؟ جمع ألف مليون دولار ، ( بيل جيتس ) معه رقم فلكي قريب بالمليارات ، ثمانون أو تسعون مليار دولار ، ثم ماذا ؟ ثم الموت ، وصلت إلى أعلى منصب في الأرض ، ثم ماذا ؟ إلى الموت .. رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيه
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾
( سورة الغاشية )
1ـ ثم ماذا إلا الموت ؟
فإذا شرد الإنسان ، وأراد الدنيا فقط ، وأعرض عن الآخرة ، فماذا ينتظره ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[ الترمذي ]
في المطارات بوابات ، يقول لك : البوابة رقم كذا ، وكل واحد منا له بوابة يخرج منها من الدنيا إلى الآخرة ؛ هناك بوابة حادث سير ، وبوابة مرض قلب ، وبوابة مرض خبيث ، ولابد من الخروج من إحدى هذه البوابات ، وهي مرض الموت ، فالموت مصير كل إنسان ، فـ .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8)رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
2 ـ الناس مجموعون ليوم عظيم :
حتمية هذا الجَمْع ..
﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(6) ﴾
( سورة المطففين )
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه (19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) ﴾
( سورة الحاقَّة )
هذا يوم القيامة ، يا إخواننا الكرام ، إذا آمنا به إيماناً حقيقياً ، والله أكاد أقول لكم : لا ننام الليل سعياً لهذا العطاء الإلهي الأبدي السرمدي . إِنّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا
فهؤلاء الذين زاغت قلوبهم ، وانصرفوا إلى الدنيا ، وجمعوا أموالاً طائلة ، وربَّوْا أولادهم تربيةً حديثة ، يحمل ابنه أعلى الشهادات ، يسكن في أجمل بيت ، يتزوج من أجمل امرأة ، ابن متفلِّت ، لكن بمنصب رفيع جداً ، معه شهادات عليا ، قال :
﴿ إِنّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ﴾
أن يكونوا أعلاماً في الدنيا فقط ، فالأب لا ينتبه إذا صلى ابنه ، أو لم يصلِ ، ينتبه إذا نجح ، أو ما نجح ، يهمه نجاح ابنه ، دخل ابنه ، زواج ابنه ، تهمه الأشياء المادية فقط ، ليتباهى بها ، وأكثر النساء يهمهن أنهن اخترن زوجة جميلة لابنها ، من عائلة ، بنت عائلة ، وأهلها أغنياء فقط ، أما أنها محجَّبة أو سافرة ، فليس هناك مشكلة ، فهؤلاء الذين جمعوا أموالا طائلة ، وكان أولادهم في أعلى مراتب التفوّق في الدنيا ، فهؤلاء .. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾
سيدنا عمر بعد أن طُعِن ، وبعد أن صحا قال : هل صلى المسلمون الفجر ؟ أين هو وأين الناس ؟! طُعِن ، وعلى وشك الموت ، ما الذي أقلقه ؟ صلاة المسلمين ، أنت راقب ؛ دخلت البيت فتقول لزوجتك : أكل الأولاد ؟ كتبوا وظائفهم ، ما سألتها : هل صلوا ؟ ما أدخلت الصلاة في حساباتك ، كتبوا وظائفهم ، وأكلوا ، وناموا ، أما لو كنت تحرص على مستقبلهم الأخروي لسألتها : هل صلوا العشاء ؟ سيدنا عمر سأل : هل صلى المسلمون الفجر ؟
إذاً .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هؤلاء الذين زاغت قلوبهم .. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾
خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها همًّا :
خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، ومَن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه ، وهو لا يشعر ، تدخل محل بيع ضخمًا جداً ، ودخلت امرأة إلى المحل ، فقال : يا إلهي كم هي الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان !! نحن أُثْقِلنا بما يسمى بمجتمع الاستهلاك ، نحن نقيس الفقر والغنى بالأشياء الثانوية ، الحاجات الأساسية مؤمَّنة ، فتكفي الإنسان لقمة تملأ جوفه ، وبيتٌ يؤويه ، وقد سأل ذات مرة ملكٌ وزيرَه :
ـ من الملك ؟
ـ فقال له : أنت هل هناك غيرك ؟ .
ـ قال له : لا ، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا ؛ له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه .
فإذا كان للإنسان بيت يؤويه ؛ صغير ، كبير ، مِلك ، أجرة ، المهم معه مفتاح بيت ، مساءً له غرفة ينام فيها ، وله رزقٌ يكفيه ، عنده وجبة طعام فهذا يكفي ، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ :
(( يَا عَائِشَةُ ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَتْ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ ، قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ ، وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا ، قَالَ : مَا هُوَ ؟ قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ هَاتِيهِ ، فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ))
[ مسلم ، أبو داود ، النسائي ، أحمد ]
له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه ، هذا ملك من ملوك الدنيا ، ليس ثمة حقوق متعلقة به ، ولا أشخاص شقوا من أجله ، فيمكن للإنسان أن يبني مجده على شقاء الآخرين ، ويبني حياته على موتهم ، ويبني غناه على فقرهم ، ويبني أمنه على خوفهم . ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
سنة الله في خلقه ؛ فأي إنسان أعرض ، وانحرف يعاقبه ، ويهلكه . والحمد لله رب العالمين

منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 21:59
المشاركة 6
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 003: تفسير الآيتان 8 -9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع من دروس آل عمران ، ومع الآية الثامنة ، وهي قوله تعالى :
﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ:
المعنى الأول :
أيها الإخوة ، قال علماء التفسير : ما دام الله جل جلاله يأمرنا أن ندعوه لئلا تزيغ قلوبنا ، معنى ذلك أن الأمر بيدنا ، يؤكِّد هذا المعنى أن الله عزَّ وجل يقول :
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
( سورة الصف : من الآية 5)
معنى ( زاغ ) أي انصرف إلى شيءٍ آخر غير الدين ؛ انصرف إلى الدنيا ، انصرف إلى معصية ، انصرف إلى متعةٍ رخيصة ، أو توجه إلى جهةٍ شريكة لله عزَّ وجل ، أي كان متجهاً إلى الله فزاغ قلبه ، اتجه إلى غير الله ، كان مقبلاً على طاعة ، فزاغ قلبه ، فأقبل على معصية ، كان محسناً ، فزاغ قلبه ، فأساء ، كان طاهراً ، فزاغ قلبه ، فانحرف ، لأن الله عزَّ وجل يأمرنا أن ندعوه .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا ﴾
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ : مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ ))
[ مسلم وأحمد ]
ينبغي أن نفهم هذا الحديث فهماً دقيقاً جداً ، أي أن الله عزَّ وجل جعل قلوبنا بيده لسبب واحد ؛ من أجل أن يعيننا على إيماننا ، فلو أن أحدنا أراد شيئاً طيباً ، ملأ الله قلبه انشراحاً ، وإذا أراد أحد الناس سوءً ، ملأ قلبه انقباضاً ، فلأن القلب بيد الله عزَّ وجل ، يعطينا دفعة التشجيع ، أو دفعة ردع ، يجب أن نفهم هذا الحديث : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
يملؤها ثقةً ، وطمأنينة ، وأمناً ، وراحةً ، أو يملؤها خوفاً ، وقلقاً ، وانقباضاً ، فإن كان القرار صائباً ملأها أمناً ، وراحةً ، وانشراحاً ، وإن كان القرار مخطئاً ملأها خوفاً وقلقاً ، فإذا أردت أن تجمع بين هذه الآية وبين الحديث الصحيح .. (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
لصالحنا ، في صالح إيماننا . المعنى الثاني :
هناك معنى آخر : أنت حينما ترى من هو أقوى منك لا ينبغي أن تخاف ، لأن قلب هذا القوي بيد الله ؛ فإما أن يملأه عطفاً عليك ، وإما أن يملأه حقداً عليك ، فقلبه بيد الله لا تخف منه ، خف أن يسمح الله له أن يصل إليك ..
﴿ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 80)
إذا شاء الله لقويٍ أن يتسلَّط عليك ، تسلط عليك ، إذاً لا تخف من القوي ، بل خف أن يسمح الله له لأن قلبه بيد الله ، هذا المعنى الثاني .
ذكرت لكم سابقاً أن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى أدى أمانة التبيين ، والعلماء مكلَّفون من قِبَل الله عزَّ وجل أن يبينوا ، فبيَّن ، بلغت الحجاج مقالته ، فقال : والله يا جبناء لأروينكم من دمه ، وأمر بقتله ، بكلمة ، فجيء به ليُقتَل في حضرته ، فلما دخل هذا الإمام الجليل على الحجاج رأى السيَّاف واقفاً ، والنطع ممدوداً ، وكل شيءٍ جاهزٌ لقتله ، فحرَّك شفتيه ، ولم يفهم أحدٌ ماذا قال ، فإذا بالحجاج يقف له ، ويستقبله ، ويقرِّبه ، حتى أجلسه على سريره ، واستفتاه في موضوعٍ ، وضيفه ، وعطَّره ، وشيَّعه إلى باب القصر ، صُعِق السياف ، وتبعه الحاجب ، فقال له : يا إمام لقد جيء بك ـ اسمه أبو سعيد ـ قال له الحجاج : أنت يا أبا سعيد سيد العلماء ، تبعه الحاجب ، قال له : يا إمام ، لما دخلت حرَّكت شفتيك ، فماذا قلت بالله عزَّ وجل ؟ قال له : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .
أقوى الأقوياء قلبه بيد الله ، والله عزَّ وجل قادر أن يلهم عدوَّك أن يخدمك ، وقادر أن يجعل أقرب الناس إليك يتطاول عليك ، لأن قلوب العباد بيد الله ، فأنت علاقتك مع الله .. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾
( سورة هود )
فعلاقتي ليست مع الدواب ، ولكن مع مَن بيده ناصية الدواب ، فإن أرخى الزمام وصلت إلي ، وإن شدَّ الزمام أبعدها عني ، هذه حقيقة في التوحيد مهمة جداً ، الأرض مليئة بالأقوياء ، مليئة بالأشرار ، مليئة بالحاقدين ، مليئة بالكفَّار ، مليئة بقُساة القلوب وهم لا يرحمون ، ولكن قلبهم بيد الله ، فإذا أرد الله لمؤمنٍ خيراً ألقى هيبته في قلوب الأقوياء ، فـ : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
يقلبها لصالحك ، يملؤها رضىً ، وأمناً ، واستبشاراً ، وتفاؤلاً حينما تصطلح مع الله ، ويملؤها خوفاً ، وضيقاً ، وقلقاً حينما تبتعد عن الله ، فـ.. (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ ))
أما قلوب الآخرين أيضاً بيد الله ، فإما أن تمتلئ محبةً لك ، وعطفاً عليك ، ورغبةً في خدمتك ، وإما أن تمتلئ نقمةً ، وحقداً ، وقسوةً .
الإنسان مخيَّر :
إذاً : هذه الإزاغة التي ندعو الله ألا تكون هي إزاغة القلب الابتدائية ، أما الإزاغة الجوابية الجزائية فهذه من عند الله عزَّ وجل ، فحينما تختار المعصية ـ لا سمح الله ـ فالله عزَّ وجل بحسب هويتك أنت مخير ، جاء بك إلى الدنيا ، وأنت مخير ، لأن هويتك مخير ، لأن أصل تركيبك مخير ، إذاً : يسمح الله لك أن تنصرف إلى ما أردت ، فسماح الله لك أن تنصرف إلى ما أردت هو إزاغة الله .
ومثل ذلك كمثل طالبٍ في الجامعة لم يقدِّم امتحانًا ، ولا عرف داومًا ، ولا اشترى كتابًا ، ولا التقى المدرس ، أُرسِل له إنذار تلو الإنذار ، فأصر على موقفه ، بعد كل هذه المحاولات لإرجاعه للجامعة ، صدر قرار لترقين قيده ، فهذا القرار تجسيدٌ لرغبة هذا الطالب ..
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا ﴾
( سورة الصف : من الآية 5 )
انصرف إلى الدنيا ، إلى المعصية ، لم يعبأ بالتوحيد ، لم يطلب العلم ، أراد الشهوة ، الآن ، سمح الله له أن يحقق رغبته ، سماح الله له أن يحقق رغبته هو الزيغ الذي جاء في هذه الآية ، أقوى دليل : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
وقس على هذا كل شيء ، قس على هذا إذا وجدت في القرآن آيةً يُشَمُّ منها أن الله يضل العباد ، إذا قلت : إن الله يضلهم ، أي ذاك الضلال الجزائي ، المبني على ضلال اختياري ، أنت مخير ، وفي اللحظة التي تفقد فيها اختيارك تلغى هويتك ، وتلغى الأمانة ، ويلغى التكليف ، وتلغى المسؤولية ، ويلغى الثواب ، ويلغى العقاب ، وتلغى الجنَّة ، وتلغى النار ، لمجرَّد أن تفقد اختيارك ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلَّف تسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعْصَ مغلوباً ، ولم يُطَعْ مُكرهاً .
إذاً : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
هذه الإزاغة الجزائية ، التي هي في حقيقتها سماح الله لك أن تفعل ما أردت ، فأنت مخير .
مثل أوضح ، أنت صيدلي ، وبحاجة إلى موظف يعينك في فتح الصيدلية ، هذا الموظف يجب أن يكون على علمٍ بالأدوية وخصائصها ، أعلنت عن مسابقةٍ ، وجاءك عدد من المرشحين لهذه الوظيفة ، الآن تمتحن أحدهم ؛ وضعت له مجموعة أدوية على الطاولة ، قلت له : وزِّع هذه الأدوية وفق أنواعها ؛ السموم ، والفيتامينات ، والمسكنات .. إلخ ، أنت الآن تمتحنه ، فأمسك هذا المرشح للوظيفة علبة دواء سموم ، واتجه إلى خزانة الفيتامينات ، لو أنك منعته ما فحصته ، ينبغي أن تسمح له أن يذهب حيث يشاء ، هو في طور امتحان ، أنت الآن تمتحن علمه ، أمسك علبة دواء سموم ، واتجه بها إلى خزانة الفيتامينات ، سماحك له هو إزاغتك .. ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
أي سمح لهم أن يتجهوا الوجهة التي أرادوها ، واختاروها من عند أنفسهم ، يقاس على ذلك كلمة الضلال ، فأينما عُزِيَت كلمة الضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري ، فـ .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
لماذا يقول الله عزَّ وجل : ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 80 )
لماذا ؟ لأنه قد تدخل مدخل صادقاً ، ولا تخرج صادقاً ، لمَ لمْ يقل الله عزَّ وجل : رب اجعلني صادقاً ؟ لا ، المعنى دقيق ، آلاف الحقول قد تدخلها صادقاً ، ولا تخرج منها صادقاً ، أنت قد تنشئ مستشفى خيريا ، ثم ينقلب هذه المستشفى إلى مستشفى ابتزازي يبتز أموال الناس بالباطل ، يمكن أن يبدأ المشروع خيرياً ، ولا ينتهي خيرياً ، يمكن أن تبدي دعوة بإخلاصٍ شديد ، ولا تنتهي هذه الدعوة بالإخلاص الذي دخلته فيها .
إذاً : ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
معنى ذلك أن الإنسان عليه أن يبقى مستعداً لأية معركةٍ مع الشيطان ، الشيطان لا ييأس ، ولكل طورٍ من أطوار الإيمان شيطانٌ يثبط عزيمة الإنسان ، حتى إذا بلغت قمة النجاح يغريك الشيطان بالغرور ، كل نجاح له مطب ، فيجب أن تكون يقظاً .
كنت أقول : بلوغ القمة صعبٌ جداً ، طريقٌ وعر ، صعب ، التواءات ، حُفَر ، أكمات ، حتى إذا بلغت القمة هناك مطبٌ خطير ـ مطب الغرور ـ والغرور طريقٌ إلى القاع ناعم الملمس ، تنزلق به سريعاً إلى القاع ، فقبل الزواج هناك مطبَّات ، وبعد الزواج ثمة مطبات ، عندك أولاد فثمة مطبات ، لا ولد لك فثمة مشكلة ، رزق وفير مشكلة ، قليل مشكلة ، فـ .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
الإنسان عليه أن يؤمن ، وعليه أن يصون إيمانه ، وعليه أن يجدد إيمانه ، والإيمان يخلَق في جوف بني آدم ، ويهترئ ، فلابدَّ من تجديده ، والتجديد يكون بأن ترفع مستوى طلب العلم ، والتجديد يكون عن طريق المبالغة في الاستقامة ، والتجديد يكون عن طريق العمل الصالح ، أن تزداد علماً ، وأن تزداد انضباطاً ، وأن تزداد عطاءً ، بهذا يتجدد الإيمان .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
الرحمة :
فكلمة (رحمة) كلمةٌ جامعةٌ مانعة ، مطلق عطاء الله أن يرحمك ، يرحمك فيسبغ عليك صحةً ، يرحمك فيملأ قلبك أمناً ، يرحمك فيسمح لك أن تتصل به ، يرحمك فيذيقك من حلاوة القُرْب ، يرحمك فيعطيك الحكمة ، لو تحدَّثت عن الرحمة ساعاتٍ وساعات لا تنتهي منها ، رحمة الله مطلق عطاء الله .
هنا يحضرني ..
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾
( سورة الزخرف )
في شركات عملاقة ، فائضها النقدي يفوق ميزانية مجموعة دول ، فائضها النقدي فقط .. ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾
رحمة الله تعني الأبد ، تعني سعادة إلى أبد الآبدين ، رحمة الله تعني جنةً فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، رحمة الله في الدنيا هذا الأمن الذي يناله المؤمن .. ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82) ﴾
( سورة الأنعام )
أي إذا قلت : يا رب ارحمني ، فهو دعاء واسع جداً ، أي يا رب أصلح لي جسدي ، يا رب يسِّر لي رزقي ، يا رب اجعل أهلي على خير ما يرام ، اجعل زوجتي صالحة ، اجعل أولادي أبراراً ، يا رب صلني بك ، ارزقني عملاً صالحاً يقربني إليك ، يا رب تجلى على قلبي ، يا رب أذقني طعم القرب منك ، هذا معنى ارحمني يا رب .
ويقول الله عزَّ وجل : ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158) ﴾
( سورة آل عمران )
إلى رحمته ، فأنت تقرأ النعي ( إلى رحمته تعالى ) ، كلمة فرِّغت من مضمونها ، أي مات فلان ، لا ، لا ، لو أنه مؤمن انتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا لكان كذلك ، لأن الدنيا كلها متاعب ، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ : (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ : مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ : الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ))
[ متفق عليه ]
كان عبئًا .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
والقلب قلب النفس ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))
[ مسلم ]
فالقلب منظر الرب ، وقد ورد في بعض الآثار القدسية : " أن عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟ " .
أما يستحيي الإنسان أن يحقد بقلبه على أحد ، والله مطلعٌ على قلبه ؟ يا إخوان الكبائر الباطنة أخطر ألف مرة من الكبائر الظاهرة ، الكِبر مرض قلبي خطير ، العُجب مرض قلبي خطير ، حب الذات مرض قلبي خطير ، أن تتوهَّم أنك أفضل الناس مرض قلبي خطير .. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 49)
هذا مريض الذي يمدح نفسه باستمرار .
إذاً : ﴿ رَبَّنَا ﴾
دعاء ، وهذا من أدعية القرآن ، وحبَّذا لو جمعنا أدعية القرآن ، حبذا ، ودعونا الله بها .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
الإنسان معرَّض للفتنة في أية لحظة ، يجب أن يكون يقظاً دائماً .. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 71 )
من الشيطان ، فقد يأتي عن أَيْمانهم .. ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 71 )
احذر مداخل الشيطان :
هذه موظفة مثلاً يجب أن تهديها إلى لله ، والله الظاهر أن فيها خيرًا ، اقعد معها جلسات طويلة على انفراد ، لعل الله عزَّ وجل يهديها على يدك ، أنت داع ، هذه خلوة ، دع خيراً عليه الشر يربو ، وإن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة ، أنا لا أضحي بديني من أجل امرأة ، فعن أيمانهم يوسوس له ، فعل خيرٍ فيه مطب ، فيه شُبهة ، يا نصيب خيري ، وريع هذا اليناصيب للعجزة ، والله شيء جميل ! أدخله باليناصيب ، فدائماً الشيطان إذا رأى الإنسان على الإيمان فتجده أولاً يطمع بالإنسان أن يكفر ، فإن يئس من أن يكفر زين له الشرك ؛ يوهمه أن هناك جهة بيدها كل شيء ، لابد أن ترضيها ، لمستقبلك ولأولادك ، أوهمه أن هذه الجهة ندٌ لله عزَّ وجل ؛ ترفع وتخفض ، وتعطي وتمنع ، وتعاقب وتكرم ، فاتجه إليها ، أغراه بالكفر فلم يستطع ، أغراه بالشرك فأفلح ، لو أن هذا الذي أغري بالشرك كان على توحيد لرماه بمطب ثالث ، يجعله يبتدع ، إنه لابد أن نفعل هذا ، فما فعله النبي ، الدين تام مكتمل ، معنى هذا أن الدين وحي ، والذي أوحى هو خالق الكون ، والله عزَّ وجل لا يمكن أن ينسى شيئاً ، فأية إضافةٍ على الدين اتهامٌ له بالنقص ، وأية حذفٍ منه اتهامٌ له بالزيادة ، فلمجرد أن تفكر أن تضيف شيئاً في عقائد الدين أو في عباداته فأنت متهم له ، وأنت تقول : لقد نقص هذا الدين أن أتممه .
فيدعو أولاً إلى الكفر ، فإن وجده على إيمان دعاه إلى الشرك ، إن وجده على التوحيد دعاه إلى أن يبتدع ، إن وجده على سنة دعاه إلى أن يرتكب كبيرة ، إن وجده على طاعة دعاه إلى أن يرتكب صغيرة ، إن وجده على وَرَع ... فماذا ؟!! لا الكفر جاء عليه ، والشرك ، ولا البدعة ، ولا الكبيرة ، ولا الصغيرة ، الآن يدعوه إلى التحريش بين المؤمنين ، أنت كذا ، وأنا كذا ، والجماعة الفلانية ، يمزق الدين ، يمسك قضية صغيرة جداً يكبرها كثيرا ، ويقيم عليها النكير ، ويقاتل من أجلها ، وهي في الإسلام حجمها صغير جداً ، لأسبابٍ تافهةٍ جداً نتحارب ، نتقاتل ، يطعن بعضنا بعضاً ، يكفر بعضنا بعضاً ، لأنه ترك مصدر علم من جهة ، ومال إلى جهة ثانية ، كفَّره وانتهى ، هذا كله مبالغة ، كله غلوٌ في الدين ؛ أن تأخذ جزئية صغيرة ، وأن تكبرها ، وأن تجعلها هي الدين ، هذا من فعل الشيطان ، فلا الكفر ، ولا الشرك ، ولا البدعة ، ولا الكبيرة ، ولا الصغيرة ، ولا التحريش بين المؤمنين ، كان واعياً هذا المؤمن ، يدخله في المباحات ، التوسُّع في المباحات حتى تمتص كل وقته ، وحتى يلقى الله صفر اليدين ، هذا ..
﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
.. المعاصي والآثام ، و ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
التقدم والحداثة ، والعلمانية، والتطوير ، والمجتمع المنفتح ، والعولمة ، ونحن بعصر العلم مع الاختلاط ، مع الانحراف ، مع التفلُّت ، مع الانحلال ، أو يتمسَّك بتقاليد قديمة جداً بالية تخالف الشرع ، هكذا رباني أبي ، وهكذا علمني ، هكذا نشأت ، على الاختلاط ، من غير محاسبة ، وكل إنسان يأخذ ما راق له من المحل ، فهم إخوة ، حتى يتقاتلوا ، فإما أن تبتدع تقاليد تخالف الدين ، أو أن تبتدع قيما حديثة جداً تخالف الله ، أو ﴿ عَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾
.. من باب الدعوة إلى الله ، أو ﴿ عَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
.. من باب المعصية ، ولكن لم يذكر القرآن جهةً علويةً ، ولا جهةً سفلية ، يعني أن الطريق إلى الله آمن من الشيطان ، وطريق الامتثال آمن أيضاً ، إن امتثلت إلى الله فأنت في أمان ، وإن أقبلت عليه فأنت في أمان ، واللهُ ذكر أربع جهات : ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
إذاً : الشيطان هو الذي يسعى لإزاغة القلب ، لابد من أن نكون يقظين .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
والله أيها الإخوة ، في قلب المؤمن رحمة ، كلمة رحمة واسعة جداً ، أي فيه طمأنينة ، وأمن ، وراحة ، واستسلام لله ، وشعور بالخفَّة ، ليس عليه أثقال كالجبال ، ما ارتكب عملاً سيئًا ، شقي الناس ليسعد ، وافتقر الناس ليغتنى ، لا علاقة له بالمعصية ، ليس ثمة حقوق متعلقة برقبته ، فالقلب فيه راحة .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
كلمة ( وهاب ) تعني بلا ثمن ، أي بلا ثمن مكافئ ، أما الثمن فبسيط ، أن تطلب ، أنت عبد فقير ، وضعيف ، ولا تعلم ، إذا أقبلت على الله عزَّ وجل منحك العلم ، منحك القوة ، منحك الحكمة ، فليس معقولاً أن تقدم طلبًا بإخلاص ، ولجهة في الأرض ، وتقول : أريد أن تعطوني ألف مليون ، وقَّعت ، الألف مليون تأخذها بطلب فقط لا بجهد ، هذا معنى : ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
أنت في الدنيا تجد إنسانًا عنده ثروة طائلة ، هذه بمقابل ، يقول لك : جهد أربع وخمسين سنة عملا في التجارة ، مُتنا مليون موتة حتى حققنا هذه الثروة ، هذه الثروة مقابل جُهْد ، أما ربنا عزَّ وجل فيعطيك عطاء بغير حساب ، مقابل طلب فقط .. ﴿ كلاً نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20) ﴾
( سورة الإسراء )
ما أنت فيه يعبِّر عن صدقك ، وما لم تصل إليه يعبر عن تمنياتك ، فالله عزَّ وجل لا يتعامل بالتمنيات .. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 123 )
أنت تتمنى أن تكون أكبر تاجر ، تمنى أن تكون أكبر غني ، تمنى أن تكون أكبر عالِم ، التمنيات ما لها قيمة عند الله عزَّ وجل ، والدليل : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 19 )
ما قال : وسعى لها ، لا يكفي سعى لها ، بل سعى لها سعيها الخاص ، نجح طالب في الطب ، الطب له علاماته الخاصة ، أما إذا كنت طالبًا فهذه الكلية لها علاماتها الخاصة .. ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 19 )
تحتاج إلى صدق ، إلى استثقامة .
ويحضرني الآن كلمة رائعة : أنه ممكن أن تتعلم أمر الله ، أي إنسان ذكي عنده فكر ، وثقافة ، ولغة ، عنده كتب ، ومراجع ، وأجهزة يتعلم الشريعة ، ولو كان غير مسلمٍ ، قد يكون زنديقًا ، قد يكون زانيًا ، قد يكون شارب خمر ، قد يكون مُلْحِدًا ، إذا قرأ الكتب ، وفهمها ، واستوعبها ، وحفظها ، وربطها بعضها ببعض يمكنه أن ينجح في الامتحان ، فالعلم بأمره يستدرك بالمدارسة ، والعلم بخلقه يستدرك بالمدارسة ، اختصاص فيزياء ، وكيمياء ، ورياضيات ، وفلك ، وطب ، وهندسة ، وعلم اجتماع ، وعلم نفس ، وتاريخ تربية ، كلها علوم أرضية تحتاج إلى فكر ، وكتاب ، ومدرس ، ووقت ، ودارسة ، ومطالعة ، ولكن العلم بذاته تحتاج إلى مجاهدة ، تحتاج إلى غض بصر ، ضبط لسان ، تحرير دخل ، إنفاق في سبيل الله ، ضبط الهوى ، ضبط العلاقات كله تحتاج لإرادة قوية ، فالإرادة القوية ، والطاعة ، والمجاهدة ثمن معرفة الله عزَّ وجل .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
لو أن إنسانًا زاغ قلبه ، وانحرف سيره ، وغرق في الدنيا ، وجمع من الأموال المبالغ الطائلة ، ثم ماذا ؟ جمع ألف مليون دولار ، ( بيل جيتس ) معه رقم فلكي قريب بالمليارات ، ثمانون أو تسعون مليار دولار ، ثم ماذا ؟ ثم الموت ، وصلت إلى أعلى منصب في الأرض ، ثم ماذا ؟ إلى الموت .. رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيه
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾
( سورة الغاشية )
1ـ ثم ماذا إلا الموت ؟
فإذا شرد الإنسان ، وأراد الدنيا فقط ، وأعرض عن الآخرة ، فماذا ينتظره ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[ الترمذي ]
في المطارات بوابات ، يقول لك : البوابة رقم كذا ، وكل واحد منا له بوابة يخرج منها من الدنيا إلى الآخرة ؛ هناك بوابة حادث سير ، وبوابة مرض قلب ، وبوابة مرض خبيث ، ولابد من الخروج من إحدى هذه البوابات ، وهي مرض الموت ، فالموت مصير كل إنسان ، فـ .. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8)رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
2 ـ الناس مجموعون ليوم عظيم :
حتمية هذا الجَمْع ..
﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(6) ﴾
( سورة المطففين )
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه (19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) ﴾
( سورة الحاقَّة )
هذا يوم القيامة ، يا إخواننا الكرام ، إذا آمنا به إيماناً حقيقياً ، والله أكاد أقول لكم : لا ننام الليل سعياً لهذا العطاء الإلهي الأبدي السرمدي . إِنّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا
فهؤلاء الذين زاغت قلوبهم ، وانصرفوا إلى الدنيا ، وجمعوا أموالاً طائلة ، وربَّوْا أولادهم تربيةً حديثة ، يحمل ابنه أعلى الشهادات ، يسكن في أجمل بيت ، يتزوج من أجمل امرأة ، ابن متفلِّت ، لكن بمنصب رفيع جداً ، معه شهادات عليا ، قال :
﴿ إِنّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ﴾
أن يكونوا أعلاماً في الدنيا فقط ، فالأب لا ينتبه إذا صلى ابنه ، أو لم يصلِ ، ينتبه إذا نجح ، أو ما نجح ، يهمه نجاح ابنه ، دخل ابنه ، زواج ابنه ، تهمه الأشياء المادية فقط ، ليتباهى بها ، وأكثر النساء يهمهن أنهن اخترن زوجة جميلة لابنها ، من عائلة ، بنت عائلة ، وأهلها أغنياء فقط ، أما أنها محجَّبة أو سافرة ، فليس هناك مشكلة ، فهؤلاء الذين جمعوا أموالا طائلة ، وكان أولادهم في أعلى مراتب التفوّق في الدنيا ، فهؤلاء .. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾
سيدنا عمر بعد أن طُعِن ، وبعد أن صحا قال : هل صلى المسلمون الفجر ؟ أين هو وأين الناس ؟! طُعِن ، وعلى وشك الموت ، ما الذي أقلقه ؟ صلاة المسلمين ، أنت راقب ؛ دخلت البيت فتقول لزوجتك : أكل الأولاد ؟ كتبوا وظائفهم ، ما سألتها : هل صلوا ؟ ما أدخلت الصلاة في حساباتك ، كتبوا وظائفهم ، وأكلوا ، وناموا ، أما لو كنت تحرص على مستقبلهم الأخروي لسألتها : هل صلوا العشاء ؟ سيدنا عمر سأل : هل صلى المسلمون الفجر ؟
إذاً .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هؤلاء الذين زاغت قلوبهم .. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾
خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها همًّا :
خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، ومَن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه ، وهو لا يشعر ، تدخل محل بيع ضخمًا جداً ، ودخلت امرأة إلى المحل ، فقال : يا إلهي كم هي الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان !! نحن أُثْقِلنا بما يسمى بمجتمع الاستهلاك ، نحن نقيس الفقر والغنى بالأشياء الثانوية ، الحاجات الأساسية مؤمَّنة ، فتكفي الإنسان لقمة تملأ جوفه ، وبيتٌ يؤويه ، وقد سأل ذات مرة ملكٌ وزيرَه :
ـ من الملك ؟
ـ فقال له : أنت هل هناك غيرك ؟ .
ـ قال له : لا ، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا ؛ له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه .
فإذا كان للإنسان بيت يؤويه ؛ صغير ، كبير ، مِلك ، أجرة ، المهم معه مفتاح بيت ، مساءً له غرفة ينام فيها ، وله رزقٌ يكفيه ، عنده وجبة طعام فهذا يكفي ، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ :
(( يَا عَائِشَةُ ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَتْ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ ، قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ ، وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا ، قَالَ : مَا هُوَ ؟ قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ هَاتِيهِ ، فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ))
[ مسلم ، أبو داود ، النسائي ، أحمد ]
له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه ، هذا ملك من ملوك الدنيا ، ليس ثمة حقوق متعلقة به ، ولا أشخاص شقوا من أجله ، فيمكن للإنسان أن يبني مجده على شقاء الآخرين ، ويبني حياته على موتهم ، ويبني غناه على فقرهم ، ويبني أمنه على خوفهم . ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
سنة الله في خلقه ؛ فأي إنسان أعرض ، وانحرف يعاقبه ، ويهلكه . والحمد لله رب العالمين

منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:00
المشاركة 7
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
التفسير المطول - سورة أل عمران 003): تفسير الآيات 10 - 13
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الحادية عشرة ، والتي قبلها ، وهي قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ(10)كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
1 ـ الدأب :
أي كعادة أهل فرعون ، الدأب هو العادة والشأن
2 ـ عادة فرعون تكذيب الأنبياء ، وعادة الأقوياء والأغنياء تكذيب الدعاة إلى الله :
عادة فرعون تكذيب الرسل ، وعادة الأقوياء والأغنياء الشاردين عن الله تكذيب أيَّة دعوةٍ صادقة ، لأن حياتهم مبنيةٌ على شهوات ، والدعوة الصادقة فيها منهج ، فيها افعل ، ولا تفعل ، فأية دعوة صادقة من عند الله عز وجل فيها حَدٌ لشهواته ، وحدٌ لعدوانهم ، وحدٌ لبغيهم ، وحد لتطاولهم ، فشيء طبيعيٌ جداً أن القوي أو الغني يعيش حياةً مترفةً ، وهذه الحياة المترفة ليست وفق منهج الله ، منهج الله فيه عدلٌ ، من أروع ما قيل في الشريعة : " إنها عدل كلها ، مصلحة كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، وأية قضية خرجت من العدل إلى الجور ، ومن الرحمة إلى القسوة ، ومن الحكمة إلى خلافها ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل " .
منهج الله يحقق العدل للبشر ، يمنع الظلم ، يمنع التطاول ، يمنع الكبر ، فالأغنياء والأقوياء الشاردون عن الله عز وجل من شأنهم ، ومن طبيعتهم الفاسدة ، ومن عاداتهم المتوارثة أن يردوا الحق ، وأن يكذبوا ، ومن شأن الله معهم أن يدمِّرهم ، شأنهم التكذيب ، وشأنه معهم التدمير ، هذا معنى :
﴿ كَدَأْبِ ﴾
العادة والشأن .. ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾
حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام ، مَن الذين آمنوا به ؟ الفقراء والضعاف ، أما أقوياء قريش فاستكبروا ، واستنكفوا ، واستَعْلوا . عادة الله مع المكذبين القصم والهلاك :
وعادة الله مع هؤلاء :
﴿ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
آيةٌ واضحةٌ كالشمس ، فشأن الأقوياء والأغنياء التكذيب ، وشأن الله معهم الإهلاك . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُون
أما هذه الآية التي بعدها :
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾
1 ـ الكافر مهما بلغ من القوة فهو مغلوب :
مهما علوا ، مهما تغطرسوا ، مهما اشتدوا :
﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت : من الآية 15 )
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى(50) ﴾
( سورة النجم )
معنى ذلك أن ثمة عادًا ثانية ، ونحن نعيشها الآن ، تقول عاد الثانية : ﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت : من الآية 15 )
سياسة الخارجية كسياسة الداخلية ، أملي أوامر ، إن ذهب أحدٌ إلى هذه البلاد يقول : لم يخلق مثلها في البلاد ، أموال الدنيا كلها فيها ، بلاد بنيت بناءً تامًا ، مرافقها من أرقى المرافق ، صناعتها ، زراعتها ، جمال بلادها ، وفرة الأموال .. ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ(8) ﴾
( سورة الفجر )
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ(128) ﴾
( سورة الشعراء )
عاد الثانية كعاد الأولى ، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ، وإذا بطشوا بطشوا جبَّارين ، خمسمئة طفل يموتون من الجوع كل عام ، جوعاً ومرضاً ، ولا يرحمون ، وكيف هلاكهم ؟ بالأعاصير .. ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7) ﴾
( سورة الحاقة )
كأن هذا شأن الأقوياء والأغنياء ، وشأن الله معهم أن يهلكهم ، وأن يدمرهم ، ولكن الأحمق يظن حينما يكون الحبل مرخًى ، يظن أنه طليق ، أما هو ففي قبضة الله ، في أية لحظة يدمره الله عز وجل ، والدليل : ﴿ إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾
( سورة يونس : من الآية 24 )
والله الأرض الآن في زينة ما بعدها زينة : ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
( سورة يونس : من الآية 24)
يقول لك : البلد الفلاني عنده قنابل تدمر الأرض خمسة مرات ، القارات الخمس ، قنابل نووية .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
( سورة يونس : من الآية 24)
أي قادرون عليها استطلاعا ؛ فأيّ بقعة تصور ، أنا اطَّلعت على مجلةٍ مدهشة ، الأرض كلها في صوِّرت من القمر ، على هذه الصورة مربعٌ صغيرٌ جداً ، لما كُبِّر ظهرت أمريكا الشمالية ، وعلى هذه الصورة مربع صغير جداً ، لما كُبِّر ظهرت ولاية فلوريدا ، وعلى هذه الصورة مربع صغير جداً ، لما كبر ظهر ساحل من سواحل فلوريدا ، عليه نقطة سوداء ، لما كبرت ظهر مرج أخضر، وشخص مستلقٍ على قماش ، ويقرأ روايةً ، وإلى جانبه صحن فيه فواكه ، هذه الصورة من المركبات الفضائية .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
( سورة يونس : من الآية 24)
استطلاعاً ، وتدميراً ، يقول لك : من مكان بعيد ، من قارة أخرى يأتي الصاروخ في غرفة النوم ، دقة إصابة مذهلة : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾
( سورة يونس : من الآية 24)
2 ـ الله تعالى يطمئن المؤمنين :
فربنا عز وجل يطمئن المؤمنين ؛ مهما رأيت الباطل مستعلياً ، مهما رأيته متمَكِّناً ، مهما رأيته قوياً ، والله في بلاد فيها أسلحة لا يصدق العقل حجمها ، ومع ذلك تداعت من الداخل ، وانهارت من الداخل ، وانهيارها والله معجزة ، معجزة من معجزات الله عز وجل ، وقد قال بعضهم : "عرفت الله من نقض العزائم " ، وكل أمة استعلت لابد من أن تذل ، لكن ..
﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾
( سورة يونس : من الآية 46 )
قد نشاهد ، وربما لا يتاح لنا أن نشاهد ، وقد نشاهد ، وربما لا يسمح عمرنا أن نشاهد ، ولكن الله يمهل ، ولا يهمل .. وقوله تعالى : ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ(59) ﴾
( سورة الأنفال )
معنى ﴿ سَبَقُوا ﴾
أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله ، أو تفلتوا من عقاب الله ، مستحيل ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يفعل الكافر شيئاً ما أراده الله ، إن خطة الله تستوعب خطة الكافر ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يتفلَّت الكافر من عقاب الله ، لن يسبق الله عز وجل ، لذلك ربنا يطمئن المؤمنين : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾
3 ـ الإسلام دين الله ، فكن من أنصاره :
أنت حينما تتصوَّر كفَّار قريش ، وهم أقوياء عتاة ، أما المؤمنون فضعاف مستضعفون فقراء ، ومع ذلك حينما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة ، وقد ناصبته قريش العداء عشرين عاماً ، ينكِّلون بأصحابه ، وأرادوا استئصاله ، فكانت معركة الخندق معركة وجود ، بقي للإسلام ساعات وينتهي ، ولكن لا تقلق على هذا الدين ، إنه دين الله ، اقلق على شيءٍ واحد ؛ أن الله سمح لك أن تتشرف بنصرته ، أو لم يسمح لك ، فقط ذلك ، إنه دينه ؛ فإذا شاء نصره بالرجل الفاجر ، وإذا شاء سخَّر أعداءَه لنصرته دون أن يشعروا ، لأنه دينه ، فقلقك لا ينبغي أن يكون على سلامة هذا الدين ، إنه دين الله ، ولكن من حقك أن تقلق أن الله سمح لك أن تنصره ، سمح لك أن تدلي بدلوٍ في نصرته ، سمح أن تكون داعيةً له ، سمح أن تكون قوةً له ، هنا القلق ..
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾
فأنت حينما ترى لعبة سيارات كهربائية ، كلكم تعرفونها ، وهؤلاء الصغار يتطاحنون ، ويضرب بعضهم بعضاً ، الذي بيده قطع التيار الكهربائي ، إذا فعل هكذا ، فكلّ السيارات تقف ، وكذا - ولله المثل الأعلى - في لحظة ينهي الله عز وجل كل شيء ، فيكون مصير هؤلاء العتاة .. ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(29) ﴾
( سورة يس )
صيحة واحدة فينتهون ، إعصار واحد دمر ما مقداره ثلاثين مليارًا ، إعصار واحد بشرق أمريكا بالنيوجيرسي كلفة دماره ثلاثون مليار دولار ، إعصار من عند الله مباشرة ، فالله عز وجل عنده وسائل لا تعد ولا تحصى ، أحياناً يلقي الرعب في قلب الكافر من الداخل ، أحيانا خطأ بسيط يدمِّر ما صنعه . قصص قرآنية تبعث الأمل :
1 ـ موسى مع فرعون :
سيدنا موسى مع بني إسرائيل كانوا قلة قليلةً مستضعفة ، شرذمة قليلين ، وفرعون وما أدراك ما فرعون ؛ بقوته ، وطغيانه ، وجبروته وراءهم ، والبحر أمامهم ، بالحسابات الأرضية لا أمل أبداً ، مقتولون جميعاً ، و ..
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ(62) ﴾
( سورة الشعراء )
2 ـ يونس في بطن الحوت :

وهذه قصة سيدنا يونس لا لأخذ العلم ، بل من أجل أن تؤمن بها ، سيدنا يونس كان في بطن الحوت ، ما من مصيبةٍ على الإطلاق أشد من أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت ، في ظلام بطن الحوت ، وفي ظلام الليل ، وفي ظلام أعماق البحر ، نبيٌ كريم يجد نفسه فجأة في بطن حوت في ظلماتٍ ثلاث .. ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾
( سورة الأنبياء)
في أي مكان ، وفي أي زمان ، وفي أي ظرف .. ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾
( سورة الأنبياء)
قصة من الواقع :
والله هناك قصة سمعتها قبل أن آتي إليكم ، يقشعر لها البدن : سائق تاكسي ، استوقفه شخص فقير ، وشبه عاجز ، قال له : إلى أين ؟ قال له : إلى أقصى جادة في الجبل ، وما معي درهم أعطيك إيَّاه ، قال له : حاضر ، أوصله إلى آخر جادة ، فلما نزل من مركبته ، أقبل عليه أولاده ، وسألوه : أجئتنا بالخبز يا أبت ؟ قال : والله ما جئت بالخبز ، استحييت من السائق أن أوقفه ، فالسائق أراد أن يكمل معروفه ، فنزل إلى جادة في الأسفل ، واشترى خمس ربطات وذهب إليه ، أعطاه الخبز ، يقسم بالله من شدة جوع أولاده التهموا نصف الخبز في دقائق ، من جوعهم ، ونزل ، استوقفه سائحان قالا له : خذنا إلى المطار ، فأخذهما إلى المطار ، ونقداه ألفين وخمسمئة ليرة ، والتسعيرة خمسمئة ليرة ، وهو في المطار جاءه سائحان آخران طلبا أن يوصلهما إلى فندق في دمشق ، أعطوه مئتي دولار ـ عشر آلاف ـ فرجع إلى هذا البيت ، واشترى لهم ما لذ وطاب من الفواكه ، والحلويات ، واللحوم ، مع مبلغ من المال ، قال له : كل هذا الرزق بسببك ، لأنني خدمتك .
لكن الناس تصحَّروا الآن ، لا يتحرك إلا بمال ، فكلما قل الخير تخلى الله عنا ، هذا تشجيع من الله ، أنت أوصلت عاجز إلى آخر جادة ، أردت أن ترحمه ، بعد ذلك أمَّنت له خبزًا ، هذا وقت، ومال ، وبنزين ، الله عز وجل أراد أن يكافئك مباشرةً ، أكثر من اثنتي عشر ألف ليرة في يوم واحد مقابل هذه الخدمة .. ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾
( سورة الأنبياء)
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
آيات الله :
الآن ، قال الله عز وجل :
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الروم : من الآية 22 )
الآية العلامة الدالة على شيء ، فمن علامات خلق الله عز وجل ؟ ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الروم : من الآية 22 )
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 37 )
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾
( سورة الروم : من الآية 21 )
وأضيف إلى هذه الآيات آية فريدة من نوعها ، قال تعالى : ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ﴾
الآن دقق كيف أن الشمس آية ، والقمر آية ، والليل آية ، والنهار آية ، ونحن المسلمين في أمسِّ الحاجة لهذه الآية .. ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ
1 ـ القرآن قوة في البلاغة :

في البلاغة لون رائع مطبَّق في هذه الآية ، فهو يذكر شيئاً ، ويحذف ما دل عليه في الثاني ، ويذكر شيئاً في الثاني ، ويحذف ما دل عليه في الأول ، فيقولون : البلاغة في الإيجاز ، فأصل الآية : قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله ، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، أواضح ذلك ؟ فقال : ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لما قال : ﴿ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾
معنى ذلك أن الأولى مؤمنة ، فالبلاغة في الإيجاز ، والثانية قال : ﴿ كَافِرَةٌ ﴾
ما قال : تقاتل في سبيل مَن ، ما دام الأولى في سبيل الله ، إذاً الثانية في سبيل الشيطان ، البلاغة في الإيجاز . ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾
2 ـ بمقاييس الأرض النصر مستحيل في هذه المعركة :
بمقاييس الأرض النصر مستحيل ، بمقاييس العَدَد ، والعُدَد ، والتدريب ، والأسلحة ، والمدى المُجْدي ، والأقمار ، والإعلام ، والتوجيه المعنوي ، المعركة خاسرة بمقاييس الأرض المعركة ، لماذا كانت هذه آية ؟ لأن هذه الفئة القليلة ، الضعيفة ، المستضعفة غلبت فئةً كثيرةً قويةً عاتيةً متمردة ، آية من آيات الله ، فبحسب قوانين الأرض لا يعقل لدراجة أن تسبق مركبة ، ولا يعقل لطفلٍ أن يقاوم جماعةً ، لكن إذا كان الله معك فمَن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟!
هناك مَثَل واقعي من حياتنا اليومية ، هذه الدولة الصغيرة بمليوني شخص ، لماذا تتحدى كل الشرق الأوسط ؟ لأن معها أكبر دولة ، تتحدى مَن حولها لا بقوتها الذاتية ، بل بدعم أكبر قوة في العالم ، إذاً أنت قوي بالله ، لو استعنت بالله أعانك ، وإذا استنصرت به نصرك .
﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾
النصر الاستحقاقي ، والنصر التفَضُّلي ، والنصرٌ التكويني :
لذلك قال العلماء : هناك نصرٌ استحقاقي ، ونصر تفَضُّلي ، ونصرٌ تكويني ...
الاستحقاقي : ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 249)
كما انتصر المسلمون في بدر ، قلة قليلة ، ألف مقاتل على ثلاثمئة راحلة ، بلا عُدَد ، ولا خيول مسوَّمة ، ولاهم يحزنون ، واجهت أكبر قوة في قريش وانتصرت.
وأما النصر التفَضُّلي فربما لا تكون على الحق مئة بالمئة ، ولكن حكمة الله اقتضت أن تنتصر ، كما انتصر الروم على الفرس ، قال تعالى : ﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
( سورة الروم )
أما النصر التكويني فكلا الطرفين لا إيمان له بالله ، ينتصر الأقوى ، فالهليكوبتر مدى مدفعها سبعة كيلو مترات ، وطائرة واحدة تدمر مئة دبابة ، لأن سلاحها يصل إلى المدرعة ، والمدرعة سلاحها لا يصل إلى الطائرة ، انتهت العملية ، فالقضية تكنولوجيا ، قضية حرب بين عقلين ؛ العقل الأرجح والأذكى والأقوى ينتصر ، ففي النصر الاستحقاقي يكون الله مع المؤمنين ، وفي النصر الثاني حكمة الله اقتضت أن ينتصر الأول ، على شيءٍ من الحق ، أما الثالث ؛ النصر التكويني فالنصر للأقوى ، لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، وبين حق وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، وبين باطلين لا تنتهي ؟ ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ ﴾
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَار
إذاً : هذه الآية تملأ نفوس المؤمنين ثقةً ، أن الله يتدخل ، من هنا أمرنا أن نعد لهم ما استطعنا ، قال تعالى : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 60 )
آيتان تحددان عوامل النصر :
هناك آيتان في القرآن الكريم كافيتان لتحديد عوامل النصر ، قال تعالى :
﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(47) ﴾
( سورة الروم )
والآية الثانية : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 60 )
وأروع ما في الآية الثانية أن الله ما كلَّفنا أن نعد العُدَّة المكافئة ، لا ، لا ، فقد كلفنا أن نعد القوة المتاحة لنا فقط ، لو أننا عرفنا ربنا ، وعرفنا معاني كتابنا ، واصطلحنا مع الله ، والله الذي لا إله إلا هو فهذه العجرفة ، والغطرسة ، والإجرام من أعدائنا اليهود - قاتلهم الله - لا تكون ، فنحن ابتعدنا عن ديننا ، وابتعدنا عن شرعنا ، ولم نقرأ كتابنا .. ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 60 )
غيِّر ما في نفسك يغير الله واقعك :
لو أننا آمنا بالله ورسوله الإيمان الذي يليق بنا ، وأعددنا القوة المتاحة ، واستعنا بالله ، لانتصرنا على أعدائنا ، فلا سبيل إلا أن نعود إلى الله ، ولا سبيل إلا أن نصطلح مع الله ، ولا سبيل إلا أن نُغَيِّر ، ولكن الذي يدهش أن المسلمين في آخر الزمان ليسوا مستعدين أبداً أن يغيروا ، ولكنهم ينتظرون من الله أن يغيِّر ، وهذا مستحيل ، هم ليسوا مستعدين أن يغيروا ؛ لا من دخلهم ، ولا من إنفاقهم ، ولا من استمتاعهم بالحياة ، ولا، ولا ، ولا ، ولكنهم ينتظرون من الله أن يغير قوانينه ، وهذا مستحيل ، فالناس امتنعوا في بعض البلاد عن شراء بعض البضائع التي تنتمي لبلاد تعادي المسلمين ، ترك هذا أثراً كبيراً ، أطمئنكم ترك هذا أثراً كبيراً ، حتى إن بعض المؤسسات الغذائية الضخمة التي لها فروع في كل أنحاء العالم ، خصصت لكل شطيرةٍ تباع مبلغاً لأبناء الأرض المحتلة ، شركة من بلد تعادي المسلمين ، حرصاً على مصلحتها ، فقد توقفت المبيعات ، هذا متاح لكل مسلم ؛ أن يمتنع من شراء بضاعة تنتمي لدولة معادية فقط ، لست مسؤولاً ، وليس ثمة مشكلة ، ولا أحد يحاسبك ، فقط أريد بضاعة من بلاد أخرى .
أنا قرأت في موقع معلوماتي كيف أن هذه الشركة الضخمة التي لها مبيعات فلكية في دول الخليج هبطت مبيعاتها إلى رقم لا يذكر ، فاضطرت أن تعلن أن كل شطيرةٍ تباع كذا ( سنت ) إلى أبناء فلسطين ، تشجيعاً للناس على أن يعودوا لشراء هذه الشطائر ، المسلم يملك كل شيء ، لكنها تحتاج إلى إيمان ، وشيء يحتاج إلى وعي ، وشيء يحتاج إلى أن تؤثر الآخرة على الدنيا .
على كلٍ ..
﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾
معنى ذلك أن انتصار الضعفاء من آيات الله الدالة على عظمته ، والضعيف عنده أسباب القوة ، وقد تَكْمُن القوة في الضعف ، فنحن ولو افتقرنا إلى بعض مقومّات القوة إيماننا يهبنا قوة .
أيها الإخوة الأكارم ... الآية الثانية مهمة جداً ، وهي أصل في تركيب النفس ، وهي قوله تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
لأهمية هذه الآية سأرجئها إلى الدرس القادم . والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:01
المشاركة 8
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 003 - ا تفسير الآية 14

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الرابعة عشرة ، وهي قوله تعالى :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
1 ـ زُيِّنَ لِلنَّاسِ

زُيِّنَ للناس ، الناس في القرآن تعني عامة البشر ، وإذا أراد الله أن يخاطب الناس عامة خاطبهم بأصول الدين ، أما إذا خاطب بفروع الدين فيخاطب بها المؤمنين ، لأن تطبيق فروع الدين يحتاج إلى الإيمان بأصول الدين ، فيخاطب الناس عامةً بأصول الدين ، ويخاطب المؤمنين خاصة بفروع الدين ، وإذا كان الشيء قاسمً مشتركًا بين جميع الخلق تأتي كلمة الناس .. ﴿ زُيِّنَ ﴾
فما من إنسانٍ على وجه الأرض إلا وقد أودِعَت فيه هذه الشهوات . 2 ـ مَن هو المُزَيِّن ؟
سؤال : من هو المزين ؟ قال بعض العلماء : إنه الله ، بدليل قوله تعالى :
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾
( سورة الكهف : من الآية 7 )
وبعضهم قال : المُزَيَّن هو الشيطان ، لأن الشيطان يزين للإنسان سوء عمله ، وبعض العلماء قال : هذه الشهوات التي أودعها الله فينا ، والتي هي في أصل جبلَّتنا من تزيين الله لنا ، أما حينما يُزيَّن لنا أن نعصي الله بها فهذا من الشيطان . الشهوات حيادية :
الآن ننتقل إلى موضوع آخر ، إذاً : الشهوات حيادية ؛ يمكن أن توظَّف في الخير أو في الشر ، في الطاعة أو في المعصية ، يمكن أن تكون سلَّماً نرقى به ، أو دركاتٍ نهوي بها ، يمكن أن تتزوج ، وقد لبَّيت نداء هذه الشهوة ، وأن تنجب أولاداً ، وأن تربي هؤلاء الأولاد ، وأن يكونوا أعلاماً في المجتمع ، وأن ترقى في الجنة بهم ، فكل هذا الخير جاءك من الزواج ، وأصل الزواج شهوةٌ نحو المرأة .
يمكن أن تكسب المال ، وأصل كسب المال شهوةٌ للمال ، لكنك كسبته من طريقٍ مشروع ، وأنفقته في وجهٍ مشروع ، فارتقيت به إلى أعلى عليين .
إذاً : أصل الجبلَّة ، أصل التزيين من الله عزَّ وجل ، لكن الله زيَّن ورسم منهجًا ، قال لك : أودعت فيك حب المرأة ، فتزوج ، الكافر أودع فيه حب المرأة ، فزنى ، المؤمن أودع فيه حب المال ، فكسبه من طريقٍ مشروع ، غير المؤمن أودع فيه حب المال ، فسرقه ، إذاً أصل التزيين من قِبَل الله عزَّ وجل .
هذا ينقلنا إلى أنه لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، لولا أنك تشتهي لا ترتقي إلى الله ، لأنك تشتهي ترتقي إلى الله مرتين ، مرةً بامتناعك عن شهوةٍ حرام ، ومرةً بممارسة شهوةٍ حلال ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ ، قَالَ : أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً ، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً ، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا ))
[ مسلم ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]
فالشهوة إذا مورست بالطريق المشروع ترتقي بها . التناقض بين الطبع والتكليف ثمن الجنة :
التناقض بين الطبع والتكليف ثمن الجنة ، ركِّب في طبعك حب المرأة ، فغضضت البصر عن امرأةٍ لا تحل لك ، ترتقي ، لولا أنك تحب هذه المرأة ، وأن تنظر إليها ، لما ارتقيت بغض البصر عليها ، لولا أنك تشتهي المال لا ترتقي بترك المال الحرام ، وقد تركل بقدمك مئات الألوف فيها شبهة ، إذاً لولا هذه الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، إنها سُلَّمٌ إلى الله ، هي في الوقت نفسه دركاتٌ إلى النار ، إن انطلقت بدافعٍ منها ، فمارستها بطريقٍ غير صحيح ، كانت دركات إلى النار .
إذاً : هي كما أقول دائماً : كالوقود السائل في السيارة ؛ إذا أودع في المستودعات المحكمة ، وسال في الأنابيب المحكمة ، وانفجر في الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ولَّد حركةً نافعة ، فإن خرج عن مساره دمَّر المركبة ومَن فيها ، الوقود السائل خطر فيه قوة انفجار ، فإما أن توظِّف هذا الانفجار في تحريك هذه المركبة ، فتنتفع بحركتها ، وإما أن توظِّف هذا الانفجار في تدمير هذه المركبة ، وهكذا الإنسان ؛ إما أنه مدمَّر بالشهوات ، أو أنه ينتفع بها إلى أقصى درجة .
فحب المال دفع رجلاً من بلد عربي مقيمًا في أمريكا إلى المقامرة ، يملك مليوني دولار ، خسرها في جلسةٍ واحدة ، فذهب إلى بيته ، وأطلق النار على زوجته ، وخنق أولاده الثلاثة ، ثم انتحر ، هذه شهوة ، ما الذي دفعه إلى القمار ؟ حب المال ، معه مليونان من الدولارات ، إذاً : الشهوات ليس لها حل وسط ، إن وظَّفتها في الحق ارتقيت بها ، وإن مارستها بلا منهج كانت دماراً عليك ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 50 )
المعنى المخالف : أنه من اتبع هواه وفق هدى الله عزَّ وجل فلا شيء عليه .. ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ ﴾
كيف ترقى إلى الله ؟
كيف ترقى إلى الله ؟ لا تحب المرأة ، ولا المال ، ولا العلو ، ولا الجاه ، ولا شيء ، فكيف ترقى ، امسك الآن قبضةً من رمل ، وأعطها فقيرًا ، هل ترقى ؟ ما لها قيمة عندك ، أما إن أعطيته ألف ليرة ، وأنت في أمسِّ الحاجة إليها ، وهذه الألف ليرة تحل مشكلات كثيرة معك ، فأنفقتها في سبيل الله حينئذ ترقى ، وإن رأيت مثلاً شابةً صغيرة ، وغضضت البصر عنها ، هل ترقى إلى الله ؟ لأنها غير محببة لك ، أما حينما تغض بصرك عن امرأةٍ جميلة لا تحل لك ترقى إلى الله ، لولا أنك تحب المرأة ، وتحب المال ، وتحب العلو في الأرض لما ارتقيت بطاعة الله ، إذاً : هذا التناقض بين التكليف وبين الشهوات هو ثمن الجنة ..
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6) ﴾
( سورة الليل )
اتقى أن يعصي الله .. ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41) ﴾
( سورة النازعات )
أنت في الطريق متاحٌ لك أن تعبد الله آلاف المرات دون أن تشعر ، كلما وقعت عينك على امرأة لا تحل لك ، فغضضت عنها البصر ، ارتقيت ، الله أعطاك أدوات الاتصال به ، لو فرضنا أن الأمور كلها بيد شخص ، يملك كل الأمور ، وما سمح لك أن تصل إليه ، لا تنتفع به ، الله عزَّ وجل عنده كل الخير ، لكن جعل لك وسائل ترقى إليه ، أودع فيك الشهوات كي تضبطها وفق منهج الله فترقى إلى الله ، فهذه المرأة مثلاً ، طبعاً أهون عليها ألف مرة أن ترتدي ثياباً خفيفة في الصيف ، ثياب شفافة خفيفة مريحة تظهر مفاتنها ، هي ترتدي ثيابًا فضفاضة ، وسميكة ، وتستر وجهها ، وتستر خطوط جسمها ، من أجل أن ترضي ربها ، إذاً : هي عاكست رغبتها في التخفيف ، والإنسان يحب التخفيف من الثياب في الصيف ، إذاً : هي تمارس عبادة اسمها الحجاب ، تسهم هذه العبادة في إعفاف الشباب ، والمرأة المؤمنة حينما تتحجب فهي تعبد الله ، بل إن كل مساحة من ثيابها تتعلَّق بدينها ، كل مساحة ؛ سماكة الثوب ، حجم الثوب ، اتساع الثوب ، لون الثوب ، كل شيء بهذه الكلمات عبادة لله عزَّ وجل .
فحينما تريد أن تصل إلى الله فقد رسم لك آلاف الطرق ؛ غض البصر وحده طريقٌ إلى الله سالك ، حجاب المرأة وحده طريقٌ إلى الله سالك ، امتناعك عن المال الحرام طريقٌ إلى الله سالك ، أخذك المال الحلال القليل ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله كسب المال الحرام سهلاً ، وجعل كسب المال الحلال صعباً ، لو أن المسألة كانت معكوسة لا نرقى إلى الله ، فلو كان الحرام صعبًا جداً ، والحلال سهلاً لعزف الناس عن الحرام ؛ لا خوفاً من الله ، ولكن لأن ذلك أكثر اطمئنانًا ، وطلباً للراحة ، ولأقبلوا على الحلال ، فتعمل المرأة طوال اليوم بأربعمئة ليرة ، تأتي امرأةٌ بغي تأخذها في دقائق ، عمل ثماني ساعات بأربعمئة ، تأخذها بغيٌ في دقائق ، فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله المال الحلال صعب الكسب .
ضع مالك في مصرف ربوي ، وأنت مرتاح ، إذا كان المبلغ كبيرًا فدخله وحده يكفيك طوال حياتك دون عمل ، لكنه حرام ، فلابد أن تفتح متجرًا ، وأن تشتري بضاعة ، وأن تبيع ، وأن تديّن ، وأن تجمع الديون ، وهذه أعمال صعبة ، فلأن المال الحرام سهلٌ كسبه ، ومحببٌ للنفس كسبه ، وأهون على النفس كسبه ، ولأن المال الحلال صعبٌ كسبه ، يأتي المؤمن فيختار الأصعب ، فيرقى إلى الله : ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 92 )
حينما تمتنع عن دخلٍ حرامٍ سهلٍ ، وتعمل عملاً شاقاً من أجل كسب مالٍ حلال ، ترقى إلى الله ، إذاً حينما تفهم أن هذه الشهوات لولاها لما كانت جنة ، وليس هناك شيء اسمه جنة لولا هذه الشهوات ، هذا الإنسان رُكِّب من شهوةٍ وعقل ، فإن غلبت شهوته عقله أصبح دون الحيوان ، وإن غلب عقله شهوته أصبح فوق الملائكة ، إذاً لا تقل كما يقول بعض الشعراء الجهلة : يا رب خلقت الجمال فتنةً وقلت : يا عبادي اتقون !
* * *
طبعاً خلقه فتنة كي تنجح في هذه الفتنة ، لا كي ترسب ، وما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تَدَع شيئاً لله ثم لا تعوَّض خيراً منه ، عوَّضه الله خيراً منه في دينه ، بقي الطريق إلى الله سالكاً ، وجاءته الدنيا وهي راغمة ، ثم إن هناك حقيقة ، وهي أنه ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله ، لا يعذبك بها ، ينزعها من نفسك إكراماً لك ، فإذاً أصل التزيين من الله .
لأحد الأئمة رأيٌ رائع : إن أقبلت على هذه الشهوات من طريقها المشروع أحببتها لذاتها ، دون أن تخرج عن منهج الله ، ولا شيء عليك ، أما طبيعة النفس فتحب الطعام الطيّب ، والمسكن الواسع ، والمرأة الجميلة ، فأنت أحببت هذه وفق منهج الله ، لم تَحِد عن منهج الله ولا خطوة ، وهي مباحة ، ولا شيء عليك ، لكن لا أجر فيها ولا وزر ، أما حينما تستعين بها على طاعة الله ، وحينما تكسب المال من أجل أن تنفقه في سبيل الله ، وحينما تتزوج من أجل أن تنجب أولاداً صالحين يكونوا دعاةً إلى الله من بعدك ، وحينما تسعى إلى مرتبةٍ علمية كي تدل الناس على الله ، أصبحت هذه الشهوات عبادةً من العبادات وأجراً .
لذلك قالوا : عادات المؤمن عبادات ، وعبادات المنافق سيئات ، حينما تأكل وتسمِّي الله على الأكل ، تسمي الله على طعامك ، وحينما تقارب أهلك ، وهو شهوةٌ محضة ، وحينما تنجب أولاداً ، والأولاد من مُتَع الحياة الدنيا ، أما إن أردت من الزوجة أن تأخذ بيدها إلى الله ، وبالابن أن يكون ولداً صالحاً يدعو لك من بعدك ، وبالمال أن تنفقه في سبيل الله ، ارتيقت لا إلى المباح ، بل إلى الثواب والأجر ، فلك أجر ، " وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة " ، وكما قلت قبل قليل : وحينما تقترب من أهلك لك فيها أجر كما قال عليه الصلاة والسلام : (( وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ))
[ مسلم ، أحمد ]
إذاً : الله هو المزَيِّن ، أما الشيطان فيزين لك الزنا ، وأكل لحم الخنزير ، وشرب الخمر ، والعلو في الأرض ، فالشهوات بطريقٍ غير مشروع من تزيين الشيطان ، ومن طريقٍ مشروع من تزيين الرحمن . حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات :
الشيء الدقيق في هذا الدرس وهو محوره أن الجنة حفت بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، وما من إنسان وصل لمرتبة في الدنيا عالية إلا بعد جهدٍ جهيد ، ومعاناةٍ كبيرة ، وما من إنسان آثر الراحة والاسترخاء ووصل إلى شيء ، هكذا قواعد الحياة ، وفي الحديث :
(( ... إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ... ))
[ أحمد عن ابن عباس ]
يكفي أن تسترخي ، وأن تملأ عينيك من أية امرأة ، وأن تتكلم بأي كلام ، وأن تأخذ أي مال ؛ حلال ، حرام ، أن تبحث عن المال من أي مصدر ، وأن تملأ عينيك بالحرام من أية امرأة ، وأن تأكل ما تشتهي من دون ضبط ، هذه سهلٌ بسهوةٍ ، أما المؤمن فيتحرى ، هل هذا حرام أم حلال ؟ هل يحق لي أن أنظر أو لا أنظر ؟ ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ﴾
3 ـ مِنْ النِّسَاء
لقد جعل الله في مقدمة هذه الشهوات المرأة ، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
فالمرأة أحياناً تذل الكبير ، بل رجال عظام يسقطون بامرأة ، وليس بعيداً عنكم أن منصباً عالياً جداً في عالم الغرب مُرِّغَ في الوحل بسبب امرأة ، ونشرت فضائح هذا اللقاء ، وسقطات هذا اللقاء على الإنترنت في ألفين وثمانمئة صفحة ، ما الذي أذله ؟ امرأة ، أما المؤمن فمحصَّن من امرأةٍ لا تحل له ، ومن مالٍ حرامٍ لا يحل له ، ما دمت قد حصَّنت نفسك من المرأة الحرام والمال الحرام فأنت في حصنٍ حصين ، ولن يستطيع أحدٌ أن يصل إليك .
ولا يخفى عنكم أن الله عزَّ وجل ذكر الأقارب في آياتٍ عديدة بتسلسل عجيب ، قال : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 24)
جاء الأب في مقدمة الأقارب ، لأن الآية موطن اعتزاز اجتماعي ، فلان أبي ، أنا ابن فلان ، أما في موطن الشهوة .. ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
المرأة أولاً .
أما في موطن الفدية .. ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11) ﴾
( سورة المعارج )
الابن غالٍ جداً .
أما في موطن المساعدة .. ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) ﴾
( سورة عبس )
الأخ ، وذلك لأن الأب كبير في السن والابن صغير ، أما الذي يمكن أن يساعدك هو أخوك ، ففي موضع المساعدة الأخ ، الفدية الابن ، الشهوة المرأة ، الاعتزاز الأب . فتنة النساء نوعان :

العلماء قالوا : فتنة النساء فتنتان ، الفتنة الأولى : قد تستهوي الزوجة ـ امرأته ـ فيقطع رحمه إرضاءً لها ، وقد يستهوي الزوجَ ، فيكسب المال الحرام من أجلها ، وهاتان فتنتا النساء ضمن الزواج ، ضمن الشيء المشروع ، من أجل أن ترضي زوجتك قد تقطع رحمك كله إرضاءً لها ، ومن أجل أن ترضي زوجتك قد تكسب المال الحرام .
حدثني أخٌ قال لي : أرادت زوجتي أن تذهب إلى بيت أهلها في مصيفٍ رائع في أيام العيد ، أبوها له زوجتان ؛ زوجةٌ شابة يحبها ، وزوجةٌ قديمة لا يعبأ بها ، هي من القديمة ، دخلت على بيت أبيها ، انزعج من مجيئها ، لأن أخواتها من زوجته الجديدة هناك ، وزوجته الجديدة انزعجت ، وتبرَّمت ، فأعطاها مبلغاً ، وصرفها ، أما بناته من الثانية فلهم الطعام الطيّب ، ولهم الترحيب ، ولهم المبالغ المُضاعفة ، تقول هذه الفتاة : لن أسامحه حتى الموت ، ما الذي حمل هذا الأب على أن يُهين ابنته ؟ إرضاءً لزوجته .
فالذي يتزوج أحياناً يغضب الله إرضاءً لزوجته ، إما يكسب المال الحرام من أجل أن ترضى ، وإما أنه يقطع رحمه من أجلها ، وهو ضمن الزواج ، لذلك فتنة النساء فتنتان : فتنة قطع الأرحام ، وفتنة كسب المال الحرام ، أما الصحابي الجليل لما طلب منه شيءٌ من متاع الدنيا قال لزوجته : " أيتها المرأة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك " .
وهذا الذي يقول في العيد : الله أكبر ، حينما يرضي زوجته ويعصي ربه ، ما قالها ولا مرة ، ولو نطق بها ألف مرة ، الله أكبر ، أكبر من كل شيء .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[ متفق عليه ]
امرأة سيدنا عمر ـ هكذا ورد في السيرة ـ أنها تدخَّلت في شأنٍ من شؤونه ، توسَّطت بواحدٍ من رعيَّته ، فقال لها : ما شأنكِ أنت بهذا ؟ كل إنسان له حدود وله مقام ، فأن تسيِّر المرأة زوجها فهذه مشكلة كبيرة جداً ، لذلك العلماء قالوا : فتنة النساء فتنتان ؛ قطع الرحم ، وأكل المال الحرام ، أما الأولاد فتنتهم واحدة ..
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
4 ـ وَالْبَنِينَ
عَنْ يَعْلَى الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ :
(( جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ))
[ ابن ماجه ، أحمد ]
الإنسان بعد أن ينجب يصبح أقرب إلى الاستسلام ، إلى المسالمة ، لا يقف مواقف جريئة ، عندي أولاد ، وحينما يبخل يقول لك : عندي أولاد ، وحينما يحزن ، ابنه معه التهاب سحايا ، لا ينام الليل ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ))
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة المنافقون : من الآية 9 )
أحياناً ينساق الإنسان مع هوى نفسه ، يريد ابنه أن يكون شخصاً عَلَمَاً في الأرض فقط ، أما دينه فلا له قيمة ، يحمل شهادة عُليا ، طبيب ، بمنصب رفيع يفتخر به ، الأب المؤمن لا يفخر إلا بابنٍ صالح ، أو ولدٍ صالح ينفع الناس من بعده .
أيها الإخوة :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
5 ـ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
كلُّ شيء إلى زوالٍ :
هذا حب المال ، ولحكمةٍ أرادها الله مالُكَ ليس لك ، والذهب من الذهاب ، والفضة من الانفضاض ، كل شيءٍ يزول ، والإنسان حينما يموت لا يستطيع أن يأخذ شيئاً .
بلغني أن رجلاً في بلدٍ عربي له تجارة واسعة جداً ، في الصيف ذهب إلى بلد جميل في الشمال ، في تركيا ، وفي الفندق جاءته أزمةٌ قلبية فأودت به ، هو في الخامسة والخمسين من عمره ، ترك أربعة آلاف مليون ، وما صلَّى فرض صلاة ، ولا حج ، ولا اعتمر ، فالمال تجمعه مجزَّءًا ، وتدعه مكدَّساً ، تعيش فقيراً لتموت غنياً ، وأندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار ، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدَّقت فأبقيت ، الذي لك اثنان مستهلكان ؛ جزء مما لك تصدَّقت به ، وأما الرصيد الذي لم تأكله ، ولم تلبسه ، ولم تتصدق به ، في الأصل ليس لك ، ولكنك محاسب عليه ، إذاً : الرزق ما انتفعت به ، والكسب ما سئلت عنه ولم تنتفع به ، لذلك يقول الإنسان وروحه ترفرف فوق النعش : " يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي" .
وقد رد في بعض الآثار أن : " الناس يحشرون يوم القيامة أربع فرق ، فريقٌ جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ـ هذا حسابه سريعٌ جداً بثانية ـ خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال ـ تزوج ، واشترى بيتًا ، ومركبة ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ لأن في جمعه حرامًا ـ وفريقٌ جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام ـ في ليالِ حمراء ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ بقي واحد ـ الذي جمع مالاً من حلال ، وأنفقه في حلال ، هذا قفوه فاسألوه " ، هل تاه بماله على عباد الله ؟ هل شغله ماله عن فرضٍ أو عن واجب ؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَّر في حقنا ؟ ، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما تروي الآثار أنه قال : " فما زال يسأل ويسأل " ، والحساب طويل فتركه ، ومشى .
المال قوةٌ للمؤمن :
لكنه في الوقت نفسه المال أكبر قوة للمؤمن ، به يرقى إلى الله ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ))
[ متفق عليه ]
يرتقي الغني المؤمن المحسن إلى مستوى أكبر عالِم بإنفاق المال ، فالعلم قوة ، والعلم قوة ، والمنصب الرفيع قوة ، به تحق الحق وتبطل الباطل ، وأبواب الخير مفتحةٌ أمام الأغنياء على مصاريعها ، كما أن المال فتنةٌ ، ووبالٌ ، وإثمٌ ، وحسابٌ ، وعذاب ، هو في الوقت نفسه حيادي ؛ إما أن يوظف في الحق أو في الباطل ، إما أنه سلم ترقى به أو دركات تهوي به . ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾
6 ـ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَة
المركبة بحسب تسخيرها واستعمالها حسنا وسوءًا :
الآن المركب ، كل عصر له مراكب ، في عهد النبي الخيل أرقى شيء ، الآن يقول لك : سيارة شبح ، كل وقت له ترتيب ، هذه السيارات ، أو تلك الخيول ، فالجوهر واحد ، وسيلة نقل ، قال العلماء : هي لرجلٍ أجرٌ ، ولرجلٍ سترٌ ، ولرجلٍ وزرٌ ، عنده مركبة وأغوى فتاةً ، وأخذها إلى الجبل ، وأغلق النوافذ ، وتنحّى ناحيةً بعيدة ، هذه المركبة كلها وزرٌ عليه ، لأنها سبب الزنا ، أداة للزنا ، أما إذا ركبها ، وأركب أهله معه ، وأولاده وبناته المحجبات كانت ستراً له ، أما إذا سخرها في طاعة الله ، ونقل بها المؤمنين فهي نعمة .
أحياناً أخ عنده سيارة ، لكن في أطراف المدينة لا يأتي وحده ، بل يأتي ومعه أربعة أشخاص ، سهَّل على الإخوان مجيئهم للدرس ، وأعرف أناسًا كثيرين لا يأتي إلا مع أربعة ، فأنت سخرتها في طاعة الله ، فالمركبة يمكن أن تكون أجراً ، ويمكن أن تكون ستراً ، ويمكن أن تكون وزراً ، إذاً هي كذلك حيادية ، تجد المؤمنين مركباتهم في خدمة الحق ، يوصل المؤمنين ، إذا وُِجد شخص له زي علمي يحب أن يكرمه أمام الناس ، وأهله كذلك لهم حق .
إذاً :
﴿ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾
الخيل المسومة أي رعت من مرعىً خصب ، صحتها جيدة ، لونها متألِّق .. ﴿ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
7 ـ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْث
النَعَم هو الإبل ، والأنعام الإبل ، والغنم ، والبقر وما إلى ذلك ، هذه ثروة حيوانية كبيرة جداً ..
﴿ وَالْحَرْثِ ﴾
وهي المزارع ، بستان جميل فيه نبع ماء ، فيه أشجار باسقة ، يقول لك : أنا عندي مزرعة وبيت ، فالمزرعة شيء جميل جداً ، فالمزارع ، والأنعام ، والمركبات ، والأموال الطائلة ، والنساء ، والبنون هذه الشهوات ، لكن ما أروع هذه الآية حينما يقول الله عزَّ وجل : ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
والمتاع شيءٌ لا أثر له في المستقبل أبداً ، مهما تنعَّمت فيأتي مَلَك الموت لينهي كل شيء ، الموت ينهي غنى الغنى ، وفقر الفقير ، هذا الميت أكل في ألف وليمة ، وكل وليمة فيها ما لذ وطاب ، أين أنت ؟ ركب أجمل مركبة أين هي ؟ جاءه الموت فأنهى كل شيء ، كلمة متاع ، أي شيء آنيّ ، سريع الزوال ، حتى العلماء قالوا : اللذة أولاً حسية ، ولا تأتيك إلا من الخارج ، تحتاج إلى مال ، وهي متناقصة في تأثيرها ، وتزول ، وتنقطع ، وإذا كان فيها مخالفة تعقبها كآبة ، طابعها حسي ، وتأتيك من الخارج ، ومتناقصة ، ومنقطعة ، ووراءها كآبة ، أما السعادة فتنبع من الداخل ، ومتعاظمة ، وأبدية ، ومستمرَّة ..
﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
لكن الله ينصحنا ويقول :
﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
لو آمنت بالله ، واستقمت على أمره ، وعملت الصالحات ابتغاء مرضاته ، كل هذه الدنيا لا تعدل عندك جناح بعوضة ، النبي الكريم لا ينطق عن الهوى ذكر ذلك ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي وابن ماحه ]
لو حطت على يد أحدِنا بعوضة فقتلها هل يشعر أنه مجرم ؟ أو قاتل ؟ أو ارتكب شيئًا ؟ لا شيء أهون على الناس من بعوضة ، يقول النبي الكريم : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
ما معنى الدنيا ؟ لو كنت مالك شركة ( مرسيدس ) كلها لك ، أو جنرال موتورز ، أو نيدو ، أو نسلة ، أو ميتسوبيشي ، هذه أسماء الشركات الضخمة التي عندها فائض نقدي يساوي ميزانيات عشر دول ، لو أنك تملك هذه الشركة ، هي عند الله جناح بعوضة ، لا قيمة لها إطلاقاً .
بالمناسبة ؛ لا يليق بالله ، وبكرمه أن يعطي عطاءً ينتهي عند الموت ، يليق بكرم الله أن يهبك الأبد ، أن يهبك الآخرة ، فالعطاء الحقيقي هو عطاء الآخرة ، أما عطاء الدنيا .. ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 76)
الآن لو أن رجلا عنده صندوق حديد ، مفتاحه قدر الأصبع ، يوضع فيه عشرة ملايين ، إذا كان عنده مئة صندوق حديد ، أي مئة مفتاح ، تملهم أنت فقط ، فوزنهم كبير ، يقول لك : ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
سبعة رجالٍ أشداء لا يقوون على حمل مفاتح كنوزه ، ومع ذلك : ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ﴾
( سورة القصص : من الآية 81 )
هذه شهوة ، فلا يليق بعطاء الله ، بعطاءٍ يتناسب مع كرم الله أن ينقطع عند الموت ، عطاء الله أبدي سرمدي ، أما الدنيا فتنقطع ، إذاً لا قيمة لها ، اللهم صلِ عليه آثر ما عند الله .
إذاً : ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
أي لو آمنتم ، واستقمتم ، واتقيتم ، وتقربتم بالأعمال الصالحة هذا أفضل من كل ما في الدنيا ، والأنبياء جاؤوا يدعوننا إلى الآخرة إلى ما عند الله . والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:02
المشاركة 9
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 003 - ا تفسير الآية 14

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الرابعة عشرة ، وهي قوله تعالى :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
1 ـ زُيِّنَ لِلنَّاسِ

زُيِّنَ للناس ، الناس في القرآن تعني عامة البشر ، وإذا أراد الله أن يخاطب الناس عامة خاطبهم بأصول الدين ، أما إذا خاطب بفروع الدين فيخاطب بها المؤمنين ، لأن تطبيق فروع الدين يحتاج إلى الإيمان بأصول الدين ، فيخاطب الناس عامةً بأصول الدين ، ويخاطب المؤمنين خاصة بفروع الدين ، وإذا كان الشيء قاسمً مشتركًا بين جميع الخلق تأتي كلمة الناس .. ﴿ زُيِّنَ ﴾
فما من إنسانٍ على وجه الأرض إلا وقد أودِعَت فيه هذه الشهوات . 2 ـ مَن هو المُزَيِّن ؟
سؤال : من هو المزين ؟ قال بعض العلماء : إنه الله ، بدليل قوله تعالى :
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾
( سورة الكهف : من الآية 7 )
وبعضهم قال : المُزَيَّن هو الشيطان ، لأن الشيطان يزين للإنسان سوء عمله ، وبعض العلماء قال : هذه الشهوات التي أودعها الله فينا ، والتي هي في أصل جبلَّتنا من تزيين الله لنا ، أما حينما يُزيَّن لنا أن نعصي الله بها فهذا من الشيطان . الشهوات حيادية :
الآن ننتقل إلى موضوع آخر ، إذاً : الشهوات حيادية ؛ يمكن أن توظَّف في الخير أو في الشر ، في الطاعة أو في المعصية ، يمكن أن تكون سلَّماً نرقى به ، أو دركاتٍ نهوي بها ، يمكن أن تتزوج ، وقد لبَّيت نداء هذه الشهوة ، وأن تنجب أولاداً ، وأن تربي هؤلاء الأولاد ، وأن يكونوا أعلاماً في المجتمع ، وأن ترقى في الجنة بهم ، فكل هذا الخير جاءك من الزواج ، وأصل الزواج شهوةٌ نحو المرأة .
يمكن أن تكسب المال ، وأصل كسب المال شهوةٌ للمال ، لكنك كسبته من طريقٍ مشروع ، وأنفقته في وجهٍ مشروع ، فارتقيت به إلى أعلى عليين .
إذاً : أصل الجبلَّة ، أصل التزيين من الله عزَّ وجل ، لكن الله زيَّن ورسم منهجًا ، قال لك : أودعت فيك حب المرأة ، فتزوج ، الكافر أودع فيه حب المرأة ، فزنى ، المؤمن أودع فيه حب المال ، فكسبه من طريقٍ مشروع ، غير المؤمن أودع فيه حب المال ، فسرقه ، إذاً أصل التزيين من قِبَل الله عزَّ وجل .
هذا ينقلنا إلى أنه لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، لولا أنك تشتهي لا ترتقي إلى الله ، لأنك تشتهي ترتقي إلى الله مرتين ، مرةً بامتناعك عن شهوةٍ حرام ، ومرةً بممارسة شهوةٍ حلال ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ ، قَالَ : أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً ، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً ، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا ))
[ مسلم ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]
فالشهوة إذا مورست بالطريق المشروع ترتقي بها . التناقض بين الطبع والتكليف ثمن الجنة :
التناقض بين الطبع والتكليف ثمن الجنة ، ركِّب في طبعك حب المرأة ، فغضضت البصر عن امرأةٍ لا تحل لك ، ترتقي ، لولا أنك تحب هذه المرأة ، وأن تنظر إليها ، لما ارتقيت بغض البصر عليها ، لولا أنك تشتهي المال لا ترتقي بترك المال الحرام ، وقد تركل بقدمك مئات الألوف فيها شبهة ، إذاً لولا هذه الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، إنها سُلَّمٌ إلى الله ، هي في الوقت نفسه دركاتٌ إلى النار ، إن انطلقت بدافعٍ منها ، فمارستها بطريقٍ غير صحيح ، كانت دركات إلى النار .
إذاً : هي كما أقول دائماً : كالوقود السائل في السيارة ؛ إذا أودع في المستودعات المحكمة ، وسال في الأنابيب المحكمة ، وانفجر في الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ولَّد حركةً نافعة ، فإن خرج عن مساره دمَّر المركبة ومَن فيها ، الوقود السائل خطر فيه قوة انفجار ، فإما أن توظِّف هذا الانفجار في تحريك هذه المركبة ، فتنتفع بحركتها ، وإما أن توظِّف هذا الانفجار في تدمير هذه المركبة ، وهكذا الإنسان ؛ إما أنه مدمَّر بالشهوات ، أو أنه ينتفع بها إلى أقصى درجة .
فحب المال دفع رجلاً من بلد عربي مقيمًا في أمريكا إلى المقامرة ، يملك مليوني دولار ، خسرها في جلسةٍ واحدة ، فذهب إلى بيته ، وأطلق النار على زوجته ، وخنق أولاده الثلاثة ، ثم انتحر ، هذه شهوة ، ما الذي دفعه إلى القمار ؟ حب المال ، معه مليونان من الدولارات ، إذاً : الشهوات ليس لها حل وسط ، إن وظَّفتها في الحق ارتقيت بها ، وإن مارستها بلا منهج كانت دماراً عليك ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 50 )
المعنى المخالف : أنه من اتبع هواه وفق هدى الله عزَّ وجل فلا شيء عليه .. ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ ﴾
كيف ترقى إلى الله ؟
كيف ترقى إلى الله ؟ لا تحب المرأة ، ولا المال ، ولا العلو ، ولا الجاه ، ولا شيء ، فكيف ترقى ، امسك الآن قبضةً من رمل ، وأعطها فقيرًا ، هل ترقى ؟ ما لها قيمة عندك ، أما إن أعطيته ألف ليرة ، وأنت في أمسِّ الحاجة إليها ، وهذه الألف ليرة تحل مشكلات كثيرة معك ، فأنفقتها في سبيل الله حينئذ ترقى ، وإن رأيت مثلاً شابةً صغيرة ، وغضضت البصر عنها ، هل ترقى إلى الله ؟ لأنها غير محببة لك ، أما حينما تغض بصرك عن امرأةٍ جميلة لا تحل لك ترقى إلى الله ، لولا أنك تحب المرأة ، وتحب المال ، وتحب العلو في الأرض لما ارتقيت بطاعة الله ، إذاً : هذا التناقض بين التكليف وبين الشهوات هو ثمن الجنة ..
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6) ﴾
( سورة الليل )
اتقى أن يعصي الله .. ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41) ﴾
( سورة النازعات )
أنت في الطريق متاحٌ لك أن تعبد الله آلاف المرات دون أن تشعر ، كلما وقعت عينك على امرأة لا تحل لك ، فغضضت عنها البصر ، ارتقيت ، الله أعطاك أدوات الاتصال به ، لو فرضنا أن الأمور كلها بيد شخص ، يملك كل الأمور ، وما سمح لك أن تصل إليه ، لا تنتفع به ، الله عزَّ وجل عنده كل الخير ، لكن جعل لك وسائل ترقى إليه ، أودع فيك الشهوات كي تضبطها وفق منهج الله فترقى إلى الله ، فهذه المرأة مثلاً ، طبعاً أهون عليها ألف مرة أن ترتدي ثياباً خفيفة في الصيف ، ثياب شفافة خفيفة مريحة تظهر مفاتنها ، هي ترتدي ثيابًا فضفاضة ، وسميكة ، وتستر وجهها ، وتستر خطوط جسمها ، من أجل أن ترضي ربها ، إذاً : هي عاكست رغبتها في التخفيف ، والإنسان يحب التخفيف من الثياب في الصيف ، إذاً : هي تمارس عبادة اسمها الحجاب ، تسهم هذه العبادة في إعفاف الشباب ، والمرأة المؤمنة حينما تتحجب فهي تعبد الله ، بل إن كل مساحة من ثيابها تتعلَّق بدينها ، كل مساحة ؛ سماكة الثوب ، حجم الثوب ، اتساع الثوب ، لون الثوب ، كل شيء بهذه الكلمات عبادة لله عزَّ وجل .
فحينما تريد أن تصل إلى الله فقد رسم لك آلاف الطرق ؛ غض البصر وحده طريقٌ إلى الله سالك ، حجاب المرأة وحده طريقٌ إلى الله سالك ، امتناعك عن المال الحرام طريقٌ إلى الله سالك ، أخذك المال الحلال القليل ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله كسب المال الحرام سهلاً ، وجعل كسب المال الحلال صعباً ، لو أن المسألة كانت معكوسة لا نرقى إلى الله ، فلو كان الحرام صعبًا جداً ، والحلال سهلاً لعزف الناس عن الحرام ؛ لا خوفاً من الله ، ولكن لأن ذلك أكثر اطمئنانًا ، وطلباً للراحة ، ولأقبلوا على الحلال ، فتعمل المرأة طوال اليوم بأربعمئة ليرة ، تأتي امرأةٌ بغي تأخذها في دقائق ، عمل ثماني ساعات بأربعمئة ، تأخذها بغيٌ في دقائق ، فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله المال الحلال صعب الكسب .
ضع مالك في مصرف ربوي ، وأنت مرتاح ، إذا كان المبلغ كبيرًا فدخله وحده يكفيك طوال حياتك دون عمل ، لكنه حرام ، فلابد أن تفتح متجرًا ، وأن تشتري بضاعة ، وأن تبيع ، وأن تديّن ، وأن تجمع الديون ، وهذه أعمال صعبة ، فلأن المال الحرام سهلٌ كسبه ، ومحببٌ للنفس كسبه ، وأهون على النفس كسبه ، ولأن المال الحلال صعبٌ كسبه ، يأتي المؤمن فيختار الأصعب ، فيرقى إلى الله : ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 92 )
حينما تمتنع عن دخلٍ حرامٍ سهلٍ ، وتعمل عملاً شاقاً من أجل كسب مالٍ حلال ، ترقى إلى الله ، إذاً حينما تفهم أن هذه الشهوات لولاها لما كانت جنة ، وليس هناك شيء اسمه جنة لولا هذه الشهوات ، هذا الإنسان رُكِّب من شهوةٍ وعقل ، فإن غلبت شهوته عقله أصبح دون الحيوان ، وإن غلب عقله شهوته أصبح فوق الملائكة ، إذاً لا تقل كما يقول بعض الشعراء الجهلة : يا رب خلقت الجمال فتنةً وقلت : يا عبادي اتقون !
* * *
طبعاً خلقه فتنة كي تنجح في هذه الفتنة ، لا كي ترسب ، وما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تَدَع شيئاً لله ثم لا تعوَّض خيراً منه ، عوَّضه الله خيراً منه في دينه ، بقي الطريق إلى الله سالكاً ، وجاءته الدنيا وهي راغمة ، ثم إن هناك حقيقة ، وهي أنه ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله ، لا يعذبك بها ، ينزعها من نفسك إكراماً لك ، فإذاً أصل التزيين من الله .
لأحد الأئمة رأيٌ رائع : إن أقبلت على هذه الشهوات من طريقها المشروع أحببتها لذاتها ، دون أن تخرج عن منهج الله ، ولا شيء عليك ، أما طبيعة النفس فتحب الطعام الطيّب ، والمسكن الواسع ، والمرأة الجميلة ، فأنت أحببت هذه وفق منهج الله ، لم تَحِد عن منهج الله ولا خطوة ، وهي مباحة ، ولا شيء عليك ، لكن لا أجر فيها ولا وزر ، أما حينما تستعين بها على طاعة الله ، وحينما تكسب المال من أجل أن تنفقه في سبيل الله ، وحينما تتزوج من أجل أن تنجب أولاداً صالحين يكونوا دعاةً إلى الله من بعدك ، وحينما تسعى إلى مرتبةٍ علمية كي تدل الناس على الله ، أصبحت هذه الشهوات عبادةً من العبادات وأجراً .
لذلك قالوا : عادات المؤمن عبادات ، وعبادات المنافق سيئات ، حينما تأكل وتسمِّي الله على الأكل ، تسمي الله على طعامك ، وحينما تقارب أهلك ، وهو شهوةٌ محضة ، وحينما تنجب أولاداً ، والأولاد من مُتَع الحياة الدنيا ، أما إن أردت من الزوجة أن تأخذ بيدها إلى الله ، وبالابن أن يكون ولداً صالحاً يدعو لك من بعدك ، وبالمال أن تنفقه في سبيل الله ، ارتيقت لا إلى المباح ، بل إلى الثواب والأجر ، فلك أجر ، " وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة " ، وكما قلت قبل قليل : وحينما تقترب من أهلك لك فيها أجر كما قال عليه الصلاة والسلام : (( وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ))
[ مسلم ، أحمد ]
إذاً : الله هو المزَيِّن ، أما الشيطان فيزين لك الزنا ، وأكل لحم الخنزير ، وشرب الخمر ، والعلو في الأرض ، فالشهوات بطريقٍ غير مشروع من تزيين الشيطان ، ومن طريقٍ مشروع من تزيين الرحمن . حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات :
الشيء الدقيق في هذا الدرس وهو محوره أن الجنة حفت بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، وما من إنسان وصل لمرتبة في الدنيا عالية إلا بعد جهدٍ جهيد ، ومعاناةٍ كبيرة ، وما من إنسان آثر الراحة والاسترخاء ووصل إلى شيء ، هكذا قواعد الحياة ، وفي الحديث :
(( ... إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ... ))
[ أحمد عن ابن عباس ]
يكفي أن تسترخي ، وأن تملأ عينيك من أية امرأة ، وأن تتكلم بأي كلام ، وأن تأخذ أي مال ؛ حلال ، حرام ، أن تبحث عن المال من أي مصدر ، وأن تملأ عينيك بالحرام من أية امرأة ، وأن تأكل ما تشتهي من دون ضبط ، هذه سهلٌ بسهوةٍ ، أما المؤمن فيتحرى ، هل هذا حرام أم حلال ؟ هل يحق لي أن أنظر أو لا أنظر ؟ ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ﴾
3 ـ مِنْ النِّسَاء
لقد جعل الله في مقدمة هذه الشهوات المرأة ، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
فالمرأة أحياناً تذل الكبير ، بل رجال عظام يسقطون بامرأة ، وليس بعيداً عنكم أن منصباً عالياً جداً في عالم الغرب مُرِّغَ في الوحل بسبب امرأة ، ونشرت فضائح هذا اللقاء ، وسقطات هذا اللقاء على الإنترنت في ألفين وثمانمئة صفحة ، ما الذي أذله ؟ امرأة ، أما المؤمن فمحصَّن من امرأةٍ لا تحل له ، ومن مالٍ حرامٍ لا يحل له ، ما دمت قد حصَّنت نفسك من المرأة الحرام والمال الحرام فأنت في حصنٍ حصين ، ولن يستطيع أحدٌ أن يصل إليك .
ولا يخفى عنكم أن الله عزَّ وجل ذكر الأقارب في آياتٍ عديدة بتسلسل عجيب ، قال : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 24)
جاء الأب في مقدمة الأقارب ، لأن الآية موطن اعتزاز اجتماعي ، فلان أبي ، أنا ابن فلان ، أما في موطن الشهوة .. ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
المرأة أولاً .
أما في موطن الفدية .. ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11) ﴾
( سورة المعارج )
الابن غالٍ جداً .
أما في موطن المساعدة .. ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) ﴾
( سورة عبس )
الأخ ، وذلك لأن الأب كبير في السن والابن صغير ، أما الذي يمكن أن يساعدك هو أخوك ، ففي موضع المساعدة الأخ ، الفدية الابن ، الشهوة المرأة ، الاعتزاز الأب . فتنة النساء نوعان :

العلماء قالوا : فتنة النساء فتنتان ، الفتنة الأولى : قد تستهوي الزوجة ـ امرأته ـ فيقطع رحمه إرضاءً لها ، وقد يستهوي الزوجَ ، فيكسب المال الحرام من أجلها ، وهاتان فتنتا النساء ضمن الزواج ، ضمن الشيء المشروع ، من أجل أن ترضي زوجتك قد تقطع رحمك كله إرضاءً لها ، ومن أجل أن ترضي زوجتك قد تكسب المال الحرام .
حدثني أخٌ قال لي : أرادت زوجتي أن تذهب إلى بيت أهلها في مصيفٍ رائع في أيام العيد ، أبوها له زوجتان ؛ زوجةٌ شابة يحبها ، وزوجةٌ قديمة لا يعبأ بها ، هي من القديمة ، دخلت على بيت أبيها ، انزعج من مجيئها ، لأن أخواتها من زوجته الجديدة هناك ، وزوجته الجديدة انزعجت ، وتبرَّمت ، فأعطاها مبلغاً ، وصرفها ، أما بناته من الثانية فلهم الطعام الطيّب ، ولهم الترحيب ، ولهم المبالغ المُضاعفة ، تقول هذه الفتاة : لن أسامحه حتى الموت ، ما الذي حمل هذا الأب على أن يُهين ابنته ؟ إرضاءً لزوجته .
فالذي يتزوج أحياناً يغضب الله إرضاءً لزوجته ، إما يكسب المال الحرام من أجل أن ترضى ، وإما أنه يقطع رحمه من أجلها ، وهو ضمن الزواج ، لذلك فتنة النساء فتنتان : فتنة قطع الأرحام ، وفتنة كسب المال الحرام ، أما الصحابي الجليل لما طلب منه شيءٌ من متاع الدنيا قال لزوجته : " أيتها المرأة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك " .
وهذا الذي يقول في العيد : الله أكبر ، حينما يرضي زوجته ويعصي ربه ، ما قالها ولا مرة ، ولو نطق بها ألف مرة ، الله أكبر ، أكبر من كل شيء .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[ متفق عليه ]
امرأة سيدنا عمر ـ هكذا ورد في السيرة ـ أنها تدخَّلت في شأنٍ من شؤونه ، توسَّطت بواحدٍ من رعيَّته ، فقال لها : ما شأنكِ أنت بهذا ؟ كل إنسان له حدود وله مقام ، فأن تسيِّر المرأة زوجها فهذه مشكلة كبيرة جداً ، لذلك العلماء قالوا : فتنة النساء فتنتان ؛ قطع الرحم ، وأكل المال الحرام ، أما الأولاد فتنتهم واحدة ..
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
4 ـ وَالْبَنِينَ
عَنْ يَعْلَى الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ :
(( جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ))
[ ابن ماجه ، أحمد ]
الإنسان بعد أن ينجب يصبح أقرب إلى الاستسلام ، إلى المسالمة ، لا يقف مواقف جريئة ، عندي أولاد ، وحينما يبخل يقول لك : عندي أولاد ، وحينما يحزن ، ابنه معه التهاب سحايا ، لا ينام الليل ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ))
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة المنافقون : من الآية 9 )
أحياناً ينساق الإنسان مع هوى نفسه ، يريد ابنه أن يكون شخصاً عَلَمَاً في الأرض فقط ، أما دينه فلا له قيمة ، يحمل شهادة عُليا ، طبيب ، بمنصب رفيع يفتخر به ، الأب المؤمن لا يفخر إلا بابنٍ صالح ، أو ولدٍ صالح ينفع الناس من بعده .
أيها الإخوة :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
5 ـ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
كلُّ شيء إلى زوالٍ :
هذا حب المال ، ولحكمةٍ أرادها الله مالُكَ ليس لك ، والذهب من الذهاب ، والفضة من الانفضاض ، كل شيءٍ يزول ، والإنسان حينما يموت لا يستطيع أن يأخذ شيئاً .
بلغني أن رجلاً في بلدٍ عربي له تجارة واسعة جداً ، في الصيف ذهب إلى بلد جميل في الشمال ، في تركيا ، وفي الفندق جاءته أزمةٌ قلبية فأودت به ، هو في الخامسة والخمسين من عمره ، ترك أربعة آلاف مليون ، وما صلَّى فرض صلاة ، ولا حج ، ولا اعتمر ، فالمال تجمعه مجزَّءًا ، وتدعه مكدَّساً ، تعيش فقيراً لتموت غنياً ، وأندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار ، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدَّقت فأبقيت ، الذي لك اثنان مستهلكان ؛ جزء مما لك تصدَّقت به ، وأما الرصيد الذي لم تأكله ، ولم تلبسه ، ولم تتصدق به ، في الأصل ليس لك ، ولكنك محاسب عليه ، إذاً : الرزق ما انتفعت به ، والكسب ما سئلت عنه ولم تنتفع به ، لذلك يقول الإنسان وروحه ترفرف فوق النعش : " يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي" .
وقد رد في بعض الآثار أن : " الناس يحشرون يوم القيامة أربع فرق ، فريقٌ جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ـ هذا حسابه سريعٌ جداً بثانية ـ خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال ـ تزوج ، واشترى بيتًا ، ومركبة ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ لأن في جمعه حرامًا ـ وفريقٌ جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام ـ في ليالِ حمراء ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ بقي واحد ـ الذي جمع مالاً من حلال ، وأنفقه في حلال ، هذا قفوه فاسألوه " ، هل تاه بماله على عباد الله ؟ هل شغله ماله عن فرضٍ أو عن واجب ؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَّر في حقنا ؟ ، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما تروي الآثار أنه قال : " فما زال يسأل ويسأل " ، والحساب طويل فتركه ، ومشى .
المال قوةٌ للمؤمن :
لكنه في الوقت نفسه المال أكبر قوة للمؤمن ، به يرقى إلى الله ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ))
[ متفق عليه ]
يرتقي الغني المؤمن المحسن إلى مستوى أكبر عالِم بإنفاق المال ، فالعلم قوة ، والعلم قوة ، والمنصب الرفيع قوة ، به تحق الحق وتبطل الباطل ، وأبواب الخير مفتحةٌ أمام الأغنياء على مصاريعها ، كما أن المال فتنةٌ ، ووبالٌ ، وإثمٌ ، وحسابٌ ، وعذاب ، هو في الوقت نفسه حيادي ؛ إما أن يوظف في الحق أو في الباطل ، إما أنه سلم ترقى به أو دركات تهوي به . ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾
6 ـ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَة
المركبة بحسب تسخيرها واستعمالها حسنا وسوءًا :
الآن المركب ، كل عصر له مراكب ، في عهد النبي الخيل أرقى شيء ، الآن يقول لك : سيارة شبح ، كل وقت له ترتيب ، هذه السيارات ، أو تلك الخيول ، فالجوهر واحد ، وسيلة نقل ، قال العلماء : هي لرجلٍ أجرٌ ، ولرجلٍ سترٌ ، ولرجلٍ وزرٌ ، عنده مركبة وأغوى فتاةً ، وأخذها إلى الجبل ، وأغلق النوافذ ، وتنحّى ناحيةً بعيدة ، هذه المركبة كلها وزرٌ عليه ، لأنها سبب الزنا ، أداة للزنا ، أما إذا ركبها ، وأركب أهله معه ، وأولاده وبناته المحجبات كانت ستراً له ، أما إذا سخرها في طاعة الله ، ونقل بها المؤمنين فهي نعمة .
أحياناً أخ عنده سيارة ، لكن في أطراف المدينة لا يأتي وحده ، بل يأتي ومعه أربعة أشخاص ، سهَّل على الإخوان مجيئهم للدرس ، وأعرف أناسًا كثيرين لا يأتي إلا مع أربعة ، فأنت سخرتها في طاعة الله ، فالمركبة يمكن أن تكون أجراً ، ويمكن أن تكون ستراً ، ويمكن أن تكون وزراً ، إذاً هي كذلك حيادية ، تجد المؤمنين مركباتهم في خدمة الحق ، يوصل المؤمنين ، إذا وُِجد شخص له زي علمي يحب أن يكرمه أمام الناس ، وأهله كذلك لهم حق .
إذاً :
﴿ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾
الخيل المسومة أي رعت من مرعىً خصب ، صحتها جيدة ، لونها متألِّق .. ﴿ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
7 ـ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْث
النَعَم هو الإبل ، والأنعام الإبل ، والغنم ، والبقر وما إلى ذلك ، هذه ثروة حيوانية كبيرة جداً ..
﴿ وَالْحَرْثِ ﴾
وهي المزارع ، بستان جميل فيه نبع ماء ، فيه أشجار باسقة ، يقول لك : أنا عندي مزرعة وبيت ، فالمزرعة شيء جميل جداً ، فالمزارع ، والأنعام ، والمركبات ، والأموال الطائلة ، والنساء ، والبنون هذه الشهوات ، لكن ما أروع هذه الآية حينما يقول الله عزَّ وجل : ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
والمتاع شيءٌ لا أثر له في المستقبل أبداً ، مهما تنعَّمت فيأتي مَلَك الموت لينهي كل شيء ، الموت ينهي غنى الغنى ، وفقر الفقير ، هذا الميت أكل في ألف وليمة ، وكل وليمة فيها ما لذ وطاب ، أين أنت ؟ ركب أجمل مركبة أين هي ؟ جاءه الموت فأنهى كل شيء ، كلمة متاع ، أي شيء آنيّ ، سريع الزوال ، حتى العلماء قالوا : اللذة أولاً حسية ، ولا تأتيك إلا من الخارج ، تحتاج إلى مال ، وهي متناقصة في تأثيرها ، وتزول ، وتنقطع ، وإذا كان فيها مخالفة تعقبها كآبة ، طابعها حسي ، وتأتيك من الخارج ، ومتناقصة ، ومنقطعة ، ووراءها كآبة ، أما السعادة فتنبع من الداخل ، ومتعاظمة ، وأبدية ، ومستمرَّة ..
﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
لكن الله ينصحنا ويقول :
﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
لو آمنت بالله ، واستقمت على أمره ، وعملت الصالحات ابتغاء مرضاته ، كل هذه الدنيا لا تعدل عندك جناح بعوضة ، النبي الكريم لا ينطق عن الهوى ذكر ذلك ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي وابن ماحه ]
لو حطت على يد أحدِنا بعوضة فقتلها هل يشعر أنه مجرم ؟ أو قاتل ؟ أو ارتكب شيئًا ؟ لا شيء أهون على الناس من بعوضة ، يقول النبي الكريم : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
ما معنى الدنيا ؟ لو كنت مالك شركة ( مرسيدس ) كلها لك ، أو جنرال موتورز ، أو نيدو ، أو نسلة ، أو ميتسوبيشي ، هذه أسماء الشركات الضخمة التي عندها فائض نقدي يساوي ميزانيات عشر دول ، لو أنك تملك هذه الشركة ، هي عند الله جناح بعوضة ، لا قيمة لها إطلاقاً .
بالمناسبة ؛ لا يليق بالله ، وبكرمه أن يعطي عطاءً ينتهي عند الموت ، يليق بكرم الله أن يهبك الأبد ، أن يهبك الآخرة ، فالعطاء الحقيقي هو عطاء الآخرة ، أما عطاء الدنيا .. ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 76)
الآن لو أن رجلا عنده صندوق حديد ، مفتاحه قدر الأصبع ، يوضع فيه عشرة ملايين ، إذا كان عنده مئة صندوق حديد ، أي مئة مفتاح ، تملهم أنت فقط ، فوزنهم كبير ، يقول لك : ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
سبعة رجالٍ أشداء لا يقوون على حمل مفاتح كنوزه ، ومع ذلك : ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ﴾
( سورة القصص : من الآية 81 )
هذه شهوة ، فلا يليق بعطاء الله ، بعطاءٍ يتناسب مع كرم الله أن ينقطع عند الموت ، عطاء الله أبدي سرمدي ، أما الدنيا فتنقطع ، إذاً لا قيمة لها ، اللهم صلِ عليه آثر ما عند الله .
إذاً : ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
أي لو آمنتم ، واستقمتم ، واتقيتم ، وتقربتم بالأعمال الصالحة هذا أفضل من كل ما في الدنيا ، والأنبياء جاؤوا يدعوننا إلى الآخرة إلى ما عند الله . والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:04
المشاركة 10
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 00تفسير الآيات 15 - 18
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخامسة عشرة ، وهي بعد أن قال الله عزَّ وجل :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
قال الله عزَّ وجل : ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ
1 ـ لا تساوي الدنيا شيئا أمام الآخرة :
لو أن الدنيا حازها الإنسان من كل أطرافها ؛ مالٌ وفير ، وامرأةٌ جميلة ، ومركبٌ رائع ، وبستانٌ جميل ، ومزرعةٌ فارهة ، لو أن الإنسان حاز الدنيا بحذافيرها ، ووضعها في كفة ، ثم وضع الآخرة في كفةٍ ثانية ، لا يمكن أن تقابل الدنيا مع الآخرة ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر )) .
[ ورد في الأثر ]
اذهب إلى البحر المتوسط ، واركب قارباً ، وأخرج إبرةً ، واغمسها في ماء البحر ، ثم انظر بم ترجع ؟ هل نقص ماء البحر ؟ أثر الماء الذي علق على الإبرة كم يساوي بالنسبة إلى البحر ؟ هذا ما تساويه الدنيا بالنسبة للآخرة .
لو تصورنا أن إنساناً حاز الدنيا بحذافيرها ، كل شيء على أكمل وجه ، ووازنا هذا بالآخرة لم تكن بشيء ، لذلك : " ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنة بشر " . و .. " كل نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " . ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
والحديث الذي تعرفونه جميعاً ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .
[ الترمذي وابن ماجه ]
جناح بعوضة ، وليس من مخلوقٍ أهون على البشر من بعوضة ، تقف على يدك فتقتلها ، هل تشعر بالذنب أنك قاتل مثلاً ؟ أو ارتكبت ذنبا ؟ لا ، وأنت في أعلى تألُّقك تقتل البعوضة ، ولا تشعر بشيء ، فكيف بجناحها ؟! (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .
[ الترمذي وابن ماجه ]
2 ـ الدنيا تنتهي بالموت :
المعنى أنه لا يليق بكرم الله أن يعطيك عطاءً محدوداً ينتهي بالموت ، والدنيا مهما كانت عريضة فإنها تنتهي بالموت ، لو أنك ملكت البلاد والعباد لمات الإنسان ، لو كنت أغنى إنسان تموت ، لو كنت أصح إنسان فالموت ينهي صحتك ، والموت ينهي كل شيء ، ينهي غنى الغنى ، وفقر الفقير، وقوة القوي ، وضعف الضعيف ، وصحة الصحيح ، ومرض المريض ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، فما دام هذا العطاء ينتهي بالموت فلا يليق بالله عزَّ وجل ، وليس عطاء ، من هنا أعطى الله عزَّ وجل الدنيا لمن لا يحب ؛ أعطاها لأعدائه ، ألم يعطِ قارون المال الوفير ؟ ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 76 )
ألم يعطِ فرعون المُلك ، وهو لا يحبه ؟ إذاً : إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
3 ـ العاقل مَن عمل للآخرة :
خير من الدنيا ، مَن هم العقلاء ؟ الذين عملوا للآخرة ، مَن هم ضعاف العقول ؟ الذين اكتفوا بالدنيا .. ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 38 )
أتعجبكم سنوات معدودة كلها مشكلات ؟ لا يوجد إنسان لم تصبه مشكلة ، أحياناً مرض ، أحياناً زوجة متعبة ، أحياناً ابن عاق ، أحياناً بنت لم يخطبها أحد ، وهذه مشكلة كبيرة ، أحياناً دخل قليل ، لو أن الأمور كلها جاءت كما يريد ، لكن مع التقدم في العمر تأتي متاعب في الصحة ، ضعف بصر ، انحناء ظهر ، ألم بالمفاصل ، خلل بالأجهزة ، فالحياة مفعمة بالمشكلات ، هكذا أرادها الله عزَّ وجل .. " أوحى ربك على الدنيا أن تشددي وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " .
طبيعة الدنيا متعبة ، ومهما راقت فلا تستقيم لإنسان ، وهذا الواقع أمامكم ، إن كان دخله كبيراً ، أولاده متعبون ، أولاده أتقياء ، دخله لا يكفيهم ، أولاده أتقياء ، ودخله جيد ، ولكن زوجته ليست طيبةً ، زوجته جيدة ، وهو يعاني من مشكلة في عمله ، لا يعاني من مشكلة في عمله ، ويعاني من مشكلة في صحته ، كأن الدنيا دار التواء لا دار استواء ، منزل ترح لا منزل فرح ، والمهم أن الله عزَّ وجل يأمرنا أو ينصحنا أن نهتم بالآخرة .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
أنا حَبَّبت إليكم النساء ، والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسَوَّمة ، والأنعام ، والحرث .. ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
4 ـ لذة الدنيا متناقصة منقطعة :
كلمة (متاع) يعني لذة عابرة ، أكل أحدهم طعامًا نفيسًا ، بعد دقائق انتهت الطعام ، وانتهى الأثر ، ما له أثر مستقبلي أبداً ، الدنيا كلها متاع ، أي لذة طارئة ، لذةٌ مؤقتة ، لذةٌ لا تستمر ، بل إن الحقيقة الصارخة أن شيئاً في الدنيا مهما عظم لا يمكن أن يقدم لك لذةً مستمرَّة ، إلا متناقصة ، كل شيء تقتنيه تعجب به أول الأمر ، وبعد حين تألفه ، وكأنك لم تقتنِه ، شاءت حكمة الله أن يجعل لذّات الدنيا متناقصة لا متعالية أبداً .
بين اللذة والسعادة :
إنه يمكن أن نفرق بين لذةٍ وسعادة ، اللذة حسية تأتيك من الخارج ؛ لذة مال ، طعام ، زوجة ، مسكن ، دفئ ، تبريد ، أجهزة ، لا تأتيك إلا من الخارج ، مركبة ، وهي ذات أثر حسي محض ، وليس أثر نفسي ، وهي متناقصة ، وقد تعقبها كآبة ، وقد تعقبها النار إلى أبد الآبدين ، هذه هي اللذة .
أما السعادة ؛ فأولاً تنبع من الداخل ، أنت ليس بحاجة ، " ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة " ، تنبع من الداخل ، لا تحتاج إلى مال ، هي معك دائماً ، بستانك في صدرك .. ﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28) ﴾
( سورة الرعد )
متعاظمة غير متدنية ، تعقبها جنةٌ إلى أبد الآبدين ، هذا فرقٌ كبير بين اللذة والسعادة ، اللذة طابعها حسي ، أما السعادة فطابعها نفسي ، فربنا عزَّ وجل زين .. ﴿ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
قال : ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
الله عزَّ وجل في آية أخرى يقول : ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
( سورة النساء : من الآية 77 )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ﴾
شددتم إليها .. ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38) ﴾
( سورة التوبة )
متاع الغرور ، الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .. ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص : من الآية 61 )
لذلك الأنبياء العظام سعادتهم بربِّهم ، أما التافهون فسعادتهم بالطعام والشراب ، والنساء ، والبيوت ، والنُزُهات ، وما إلى ذلك .
هذه الجنة ليست لكل الناس ، إن الله يعطي الدنيا لمَن يحب ولمَن لا يحب ، أما الجنة فمقيَّدة بالأتقياء .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
(اتقى) يعني اتقى أن يعصيه ، اتقى أن يغضبه ، اتقى أن يسخطه ، طبَّق المنهج الإلهي ، انصاع لأمر الله ..
﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ ﴾
ليست جنة ، بل جنات ، لأنها كلها متنامية ومتنوعة ، حور عين ، ولدان مخلَّدون ، جنان تجري من تحتها الأنهار ، فيها لبن لم يتغيَّر طعمه ، وعسل مصفَّى ، فيها ماء نقي عذب كالزلال ، غير آسن ، في أنهار من خمر غير خمر الدنيا .. ﴿ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴾
( سورة محمد : من الآية 15 )
هذا عطاؤه ، وفيها شيء آخر ( وزيادة ) نظرٌ إلى وجه الله الكريم ، وقد يغيب المؤمن خمسين ألف سنة من نشوة النظرة ، وهناك أكبر من النظر ( رضوانٌ من الله أكبر ) ، فهذه الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها النظر إلى الله الكريم ، وفيها رضوانٌ من الله أكبر .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
لا يستطيع أن يدَّعي أحدٌ أن عمله يؤهله للجنة ، لكن الله عزَّ وجل بصير بعمل كل إنسان ، العمل الذي يؤهل للجنة لا يمكن أن يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار
هؤلاء أهل الجنة ما صفاتهم ؟ قال :
﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
صفات أهل الجنة :

1 ـ يدعون ربهم : يَقُولُونَ رَبَّنَا

أول شيء أنهم يدعون الله دائماً ، والدعاء هو العبادة ، في الحديث الصحيح عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ )) .
[ الترمذي وابن ماجه ]
وإذا قال الله عزَّ وجل : ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23) ﴾
( سورة المعارج )
دائماً يدعو الله ؛ إن دخل بيته يدعو ، وإن خرج يدعو ، وإن جلس إلى الطعام يدعو ، وإن انتهى من الطعام يدعو ، وإن دخل إلى الخلاء يدعو ، وإن خرج يدعو ، وإن واجه عدواً يدعو ، وإن خرج من البيت إلى عمله يدعو ، فدعاؤه مستمر ، وقد علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام من خلال أذكاره المأثورة كيف ندعو الله في كل أحوالنا . ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ﴾
2 ـ يؤمنون بالله وحده :
بك يا رب ، آمنا بك موجوداً ، آمنا بك واحداً ، آمنا بك كاملاً ، آمنا أنك الخالق ، آمنا أنك الرب، آمنا أنك المسيِّر ، آمنا بأسمائك الحسنى ، وصفاتك الفضلى ، آمنا بكل ما ذكرته لنا ..
﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ﴾
3 ـ يستغفرون ربهم :
اغفر لنا ، طلب المغفرة ، المغفرة شيء دقيق جداً ، الله عزَّ وجل أمر النبي أن يستغفر لذنبه ، لكن ماذا فعل النبي ؟ وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) .
[ الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد ]
وفي بعض أدعية النبي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ، وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا )) .
[ الترمذي ]
فما من إنسان إلا ويأتيه خاطر يزعجه ، قد يقصر قليلاً ، فشأن العبد أن يخطئ ، وشأن الله أن يغفر ، لكنه يخطئ لا عن قصدٍ ، ولا في شيءٍ صارخ ، ولكن عن خطأ ، عن نسيانٍ ، عن تقصيرٍ ، عن غلبةٍ أحياناً ، فهذا الخطأ يغفر بالدعاء .. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُم ْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾
( سورة نوح )
إخواننا الكرام ، هي بشارة ، ما دمت مستقيماً على أمر الله فأنت في رعاية الله ، وأنت في حفظه ، وأنت في نصره ، وأنت في تأييده ، لكن لو زلَّت القدم ، لو أخطأت ، لو غلبتك نفسك في ساعة ضعف ، ما دمت مستغفراً فأنت في بحبوحةٍ أخرى ، أنت في بحبوحتين ، أنت في أمنين ، أنت في مدتين ، بحبوحة الطاعة ، وبحبوحة الاستغفار .. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُم ْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12) ﴾
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً )) .
[ البخاري ]
وفي رواية الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ )) .
ليس معنى هذا أنه يرتكب مئة ذنب ، مستحيل ، لكن قد يكون ذنب النبي من نوع فوق مستوى البشر جميعاً ، بعضهم قال : النبي يرى رؤيا ، يرى شيئاً من عظمة الله ، وفي رؤيا ثانية يرى الله أعظم مما كان يراه ، فيستحيي برؤيته السابقة ، أنت إنسان ، أمامك غني توقعت معه مليون ، وهو معه مئة مليون ، توقعك ، أو رؤيتك إلى حجمه المالي الذي هو أقلّ من واقعه بكثير ، تشعر أنك ما أعطيته حقه ، فالله عزَّ وجل قال : ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
( سورة غافر : من الآية 55 )
وقال النبي الكريم : (( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ )) .
فما دمت قد عودت نفسك أن تستغفر فأنت في بحبوحة ، وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّ .. (( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) .
(الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد)
أما هذا الذي يدعي العصمة ، وهو ليس نبياً ، هذا تجاوز للحدود ، وهذا خروجٌ عن عقيدة أهل السنة والجماعة ، فسيدنا يوسف ماذا قال ، وهو نبيٌ كريم ؟ قال : ﴿ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33) ﴾
( سورة يوسف )
وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) .
[ مسلم ، الترمذي ، أحمد ]
الشعور بالذنب دليل على صحة القلب:
إياكم ، ثم إياكم ، ثم إياكم أن تفهموا هذا الحديث ، أن تسرع بالذنب ، هذا الحديث لا يمكن أن يكون هذا معناه ، لكن معناه لو لم تشعروا بذنوبكم فأنتم هالكون عند الله .
إنسان ارتكب خطأ ، ارتاب ، كذب ، سخر ، ابتسم ابتسامة ساخرة ، دون أن يشعر بشيء ؟ معنى هذا أنه ميت ، لو أنه مؤمن لتألم أشد الألم ، إحساسك بذنبك علامة حياة قلبك ، وعدم إحساسك بذنبك علامة موت قلبك ،
(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ـ أي لو لم تشعروا بذنوبكم ، معنى ذلك أنكم أمواتٌ غير أحياء ـ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) .
مثلاً : أنت في سهرة انسقت بالحديث ، وتكلمت في إنسان ، اغتبته وهو مسلم ، تأتي إلى البيت لا تنام الليل ، كيف اغتبته ؟ هذا مسلم ، هو أخطأ ، الغيبة : أن تذكر أخاك بما يكره ، ولو كان الذي ذكرته حقيقةً ، تتألم ، في اليوم الثاني تأخذ له هديةً وتستسمحه ، معنى هذا أن قلبك حي ، ما دمت شعرت بذنبك ، واستغفرت الله منه ، ما دمت قد آلمك ذنبك .
من هو المؤمن ؟ هو الذي تسره حسنته ، وتسوءه سيئته ، يفرح لحسنةٍ أصابها ، ويألم أشد الألم لذنبٍ ارتكبه ، فهؤلاء الذين يستحقون الجنَّات ، والنظر إلى وجه الله الكريم ، ويستحقون رضوان الله عزَّ وجل ، وهو أكبر ما في الجنة ، يقولون : ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
كلما علا مقامك عند الله تحاسب نفسك أشد الحساب :
للتوضيح فقط : وعاء له سطح ، أو له قعر مثقَّب ، لو كان قُطر الثقب فرضاً عشرة سنتيمترات ، تضع فيه برتقال فينزل ، أما البطيخ فلا ينزل ، لأن الثقب عشرة سنتيمترات ، لو كان قطره خمسة سنتيمترات ، تضع جوزًا ينزل ، أما البرتقال فلا ينزل ، فكل واحد له مستوى في الاستقامة ، الأنبياء يبدو أن القعر أصم مغلق ، أما كل واحد يمكن أن يتساهل بكلمة ، هذا يتساهل بنظرة ، هبط مستواه ، فكلما رفعت مستوى استقامتك كنت أقرب إلى الله عزَّ وجل ، وكلما علا مقامك عند الله تحاسب نفسك أشد الحساب ، سيدنا الصديق ماذا فعل مع إنسان اتهم ابنته بالزنا ـ السيدة عائشة ـ ؟ منع عنه المساعدات ، فعاتبه الله فقال :
﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
( سورة النور : من الآية 22 )
عاتبه الله ، وبكى الصديق وقال : " بلى أحب أن يغفر الله لي " ماذا فعل ؟ منع مساعدةً عن إنسانٍ اتهم ابنته ظلماً بالزنا ، فكلما ارتقى مقامك عند الله تحاسب نفسك أدق الحساب ، وقد وصف الله عزَّ وجل المؤمنين فقال : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(33)وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34) ﴾
( سورة فصلت )
دقق : كلما ارتقى إيمانك حاسبت نفسك أشد الحساب ، حتى إنهم قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين .
سيدنا إبراهيم ماذا فعل ؟ قال لابنه : ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
( سورة الصافات : من الآية 102)
أُمر أن يذبح ابنه ، وقف الابن موقفًا لا يصدق .. ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102) ﴾
إن الله لم يكلف المؤمنين أن يذبحوا أبناءهم ، فعلى كلٍ ؛ قضية الاستقامة قضية دقيقة جداً ، هذه ترقى حينما ترقى ، وتسمو حينما تسمو .. ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
4 ـ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
هؤلاء الذين آمنوا ، والذين طلبوا المغفرة من الله عزَّ وجل ، وطلبوا الوقاية من النار ..
﴿ الصَّابِرِينَ ﴾
5 ـ الصَّابِرِينَ
شأنهم الصبر في الدنيا ، يصبرون على قضاء الله وقدره ، ويصبرون عن الشهوة ، ويصبرون على الطاعة ، يعني طاعة ، وشهوة ، وقضاء .. ﴿ وَالْقَانِتِينَ ﴾
6 ـ 7 ـ الصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ
المنقطعين لله عزَّ وجل ، متفرغين له ، نحن في رمضان فهناك صيامٌ عن الطعام ، والشراب ، والنساء ، هذا صيام العامَّة ، وهناك صيامٌ عن المعاصي والآثام ، وهذا صيام المؤمنين ، وهناك صيامٌ عما سوى الله ..
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) ﴾
( سورة المؤمنون )
أي ما سوى الله ، هؤلاء .. ﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ ﴾
الصادق ؛ هناك صدق الأقوال ، وصدق الأفعال ، فصدق الأقوال أن تأتي أقوالك كما تعتقد ، أنت صادق ، أما صدق الأفعال فأن تأتي أفعالك كما تقول ، تقول شيئاً ، وتفعل شيئاً ، فهذا كذب ونفاق ، تعتقد شيئاً ، وتقول شيئاً فهذا نفاق اعتقادي ، أما الصدق القولي فأن تقول ما تعتقد ، والفعلي أن تفعل ما تقول ، هؤلاء صادقون ، أعمالهم تأتي مصدقةٌ لأقوالهم .. ﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ ﴾
8 ـ الْمُنْفِقِينَ
ينفقون مما آتاهم الله ، آتاهم مالاً ينفقون منه ، آتاهم علماً ينفقون منه ، آتاهم جاهاً ينفقون منه ، آتاهم خبرةً ينفقون منها ..
﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾
9 ـ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ
قال العلماء : وقت السحر وقت الاستجابة ، واستدلوا من قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف :
﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾
( سورة يوسف : من الآية 98 )
أيْ في الوقت المناسب ، وقت السحر وقت قبول المغفرة ، لذلك ورد في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ )) .
[ البخاري ومسلم واللفظ له ]
نحن في هذا الوقت ـ وقت السحر ـ لنا دعوةً مستجابة ، وأنا والله أنصح كل إخواني : لك عند الله حاجة ، تخاف من عدو ، تخشى من مرضٍ عضال ، عندك مشكلة في البيت ، لك زوجة تنحرف عن سواء السبيل ، لك أولادٌ ليسوا على ما تتمنى ، صلِ صلاة قيام الليل ، واسأل الله عزَّ وجل في السجود أن يعطيك ما تسأله إيَّاه ، هذا مما يقوي عقيدتك بالله .
﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْط
1 ـ الأسباب وحدها لا تخلق النتائج :
الله عزَّ وجل هو وحده الفعال ، كيف يشهد لنا أنه لا إله إلا هو ؟ الفعل كله بيده ، الله خلق أسبابا ، وخلق نتائج ، نحن لقصور فهمنا نظن أن الأسباب وحدها تخلق النتائج ، لا ، الأسباب تترافق مع النتائج ، لكن الأسباب وحدها لا تكفي لخلق النتائج ، العلماء قالوا : عندها لا بها .
2 ـ كيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟

كيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟ يأتي إنسان ، ويأخذ بكل الأسباب ، فيفشل ، ويخفق ، يأتي إنسان آخر من دون أسباب يحقق النتيجة ، وأوضح مثل لذلك أنه إذا تزوج شابٌ صحيح الجسم بفتاةٍ صحيحة الجسم ، لابد أن ينجبا ، الأسباب كلها مؤمنة ، شاب صحيح الجسم ، كل أجهزته سليمة ، وشابة كذلك ، تجد شابين صحيحين لا ينجبان ، لأن الله عطَّل الأسباب ، الأسباب موجودة ، لكن الله عطَّلها ، يشهد لنا أنه لا إله إلا هو ، وقد تنجب السيدة مريم من دون زوج ، ألغاها ، ومِن خلال إلغاء الأسباب أو تعطيلها يشهد أنه لا إله إلا الله ، لذلك قالوا : " عرفت الله من نقض العزائم " ، قد يأخذ الإنسان بكل الأسباب ولا ينجح ، وربما لا يأخذ بها وينجح ، فما شاء الله عزَّ وجل كان ، وما لم يشأ لم يكن .
تحطمت طائرة ، وأحد ركابها لم يقيد نفسه بحزام الأمان ، رأى نفسه طليقاً ، وانشق جسم الطائرة جنب مقعده ، فقفز على الأرض ، أما كل الركاب فكانوا مقيدين بأجهزة الأمان ، فيمكن لواحد أن ينزل من ارتفاع أربعين ألف قدم دون أن يصاب بأذى ، نزل فوق جبال الألب ، غابات كثيفة مغطاة بخمسة أمتار ثلج ، أغصان الأشجار كانت كالنوابض ، فنزل واقفاً . وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهنّ أمان
* * *
وطائرة أخرى في طريقها من جدة إلى باكستان ، أصاب إحدى النوافذ خلل فانخلعت ، الطائرة المضغوطة ثمانية أمثال ، امرأةٌ باكستانية في حجرها طفلان صغيران ، فخرجا من النافذة ، بحكم قوة الضغط ـ ضغط الهواء داخل الطائرة ـ فوقعا في البحر ، فنسبة المئة بالمليون أنهما ماتا ، طفلان رضيعان صغيران ، بعد خمسة أيام تأتيها رسالة من شركة الطيران أن تعالَي إلى دبي ، فظنت أن تأتي لتأخذ التعويض ، فإذا بها أمام ابنيها ، ما الذي حدث ؟ سقطا أمام صياد ، فأنقذهما ، ووضعهما في القارب ، وأخذهما إلى أقرب مستشفى ، ما معنى : لا إله إلا الله ؟ وأنت بأعلى درجة من الغنى تفلس ، وأنت فقير تغتني ، وأنت قوي تضعف ، أنت ضعيف تقوى ، من إلغاء السبب أو تعطيله .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ ﴾
الله عزَّ وجل يشهد أنه لا إله إلا الله ؛ عن طريق تعطيل الأسباب ، أو إلغائها ، أما المؤمن فيمشي في طريق ، عن يمينه وادٍ سحيق ، وعن شماله وادٍ سحيق ، الوادي اليميني واد الشرك ، هناك من يأخذ بالأسباب ، ويعتمد عليها ، وينسى الله ، وأحياناً يؤلِّهها كالأجانب ، وهناك من لا يأخذ بها ، فيعصي الله كأهل الشرق ، الشرق كله : سمِ بالله وكل ، لكن التفاحة غير نظيفة ، ولم نغسلها ، النبي قال : (( من انهمك في أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه )) .
[ البيهقي في السنن الكبرى ، والطبراني في المعجم الكبير عن سلمان ]
هناك توكل ساذج ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ - خذ بالأسباب - فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
[ أبو داود وأحمد ]
المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله
المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، كما فعل النبي في الهجرة ؛ اختار خبيرًا مشركًا ، فغلَّب الخبرة على الولاء ، وكلف إنسانًا يأتيه بالأخبار ، وإنسانًا يمحو الآثار ، وإنسانًا يأتيه بالطعام ، وسار مساحلاً عكس الاتجاه المتوقع ، واختبأ في غار ثور ، أخذ بكل الأسباب ، وكأنها كل شيء ، فلما وصلوا إلى الغار توكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، هذا هو الإيمان ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، فالله يشهد لنا .. ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾
( سورة البقرة : من الآية 249 )
تكون أمة قوية جداً تأخذ بكل الأسباب فتنهزم ، والمؤمنون الصادقون وهم قلةٌ ضعاف ينتصرون ، معنى ذلك أن الله شهد لنا أنه لا إله إلا هو ، الأمر بيدي ، أما الكفار فيؤلِّهون الأسباب ، والمؤمنون المقصرون يلغون الأسباب ، توكُّل ساذج ، أما الكمال فأن تأخذ بها وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
مثلاً : لو ترجمنا هذا الكلام إلى واقع ، عندك مركبة ، وعندك سفر ، تجري لها مراجعة تامة ، الزيت ، والوقود ، والكهرباء ، والتوصيلات ، والأطر كلها كاملة ، ثم تقول : يا رب احفظني ، أنت الحافظ ، يا رب سلمني ، أنت المُسَلِّم ، أخذ بالأسباب ، وتوكل على الله ، طالب يجتهد ، ويقول : يا رب اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ، تاجر يجتهد ، ويقول : يا رب اجبر هذه البضاعة ، المزارع يزرع حبةً في الأرض ، ثم يتوكل على الله ، هذه الترجمة .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
3 ـ أهل العلم ينبغي أن تكون فحوى دعوتهم إظهار كلام الله :
وهذه إشارة إلى أن أهل العلم ينبغي أن تكون فحوى دعوتهم إظهار كلام الله ، أما أن يقول لك واحد : إن الله عزَّ وجل يفعل ما يشاء ، نحن في ملكه ، هذا كلام جيد ، لكنه يأتي بمثل غير مقبول ، أنه نجار ، وعنده لوحان من الخشب ، جعل لوحًا بابًا لقصر ، والثاني بابًا لمرحاض ، ألك عنده شيء ؟ إن الله ما قال هذا ، بل قال :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
( سورة الزلزلة )
الله عزَّ وجل عنده عدل مطلق ، وقد قال : ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 132 )
العشوائية لا تقبل في أفعال الله ، والعبثية لا تقبل في أفعال الله ، لذلك الإيمان الدقيق كما قال الله عزَّ وجل : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
قال الله عزَّ وجل : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا ﴾
( سورة الشمس )
ليس معنى هذا أنه خلق فيها الفجور ، معنى هذا أنه برمجها برمجةً ، وجبلها جِبِلَّةً ، وفطرها فطرةً ، إذا فجرت تعلم أنها فجرت .. ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:05
المشاركة 11
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
سورة أل عمران 00تفسير الآيات 15 - 18
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخامسة عشرة ، وهي بعد أن قال الله عزَّ وجل :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
قال الله عزَّ وجل : ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ
1 ـ لا تساوي الدنيا شيئا أمام الآخرة :
لو أن الدنيا حازها الإنسان من كل أطرافها ؛ مالٌ وفير ، وامرأةٌ جميلة ، ومركبٌ رائع ، وبستانٌ جميل ، ومزرعةٌ فارهة ، لو أن الإنسان حاز الدنيا بحذافيرها ، ووضعها في كفة ، ثم وضع الآخرة في كفةٍ ثانية ، لا يمكن أن تقابل الدنيا مع الآخرة ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر )) .
[ ورد في الأثر ]
اذهب إلى البحر المتوسط ، واركب قارباً ، وأخرج إبرةً ، واغمسها في ماء البحر ، ثم انظر بم ترجع ؟ هل نقص ماء البحر ؟ أثر الماء الذي علق على الإبرة كم يساوي بالنسبة إلى البحر ؟ هذا ما تساويه الدنيا بالنسبة للآخرة .
لو تصورنا أن إنساناً حاز الدنيا بحذافيرها ، كل شيء على أكمل وجه ، ووازنا هذا بالآخرة لم تكن بشيء ، لذلك : " ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنة بشر " . و .. " كل نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " . ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
والحديث الذي تعرفونه جميعاً ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .
[ الترمذي وابن ماجه ]
جناح بعوضة ، وليس من مخلوقٍ أهون على البشر من بعوضة ، تقف على يدك فتقتلها ، هل تشعر بالذنب أنك قاتل مثلاً ؟ أو ارتكبت ذنبا ؟ لا ، وأنت في أعلى تألُّقك تقتل البعوضة ، ولا تشعر بشيء ، فكيف بجناحها ؟! (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .
[ الترمذي وابن ماجه ]
2 ـ الدنيا تنتهي بالموت :
المعنى أنه لا يليق بكرم الله أن يعطيك عطاءً محدوداً ينتهي بالموت ، والدنيا مهما كانت عريضة فإنها تنتهي بالموت ، لو أنك ملكت البلاد والعباد لمات الإنسان ، لو كنت أغنى إنسان تموت ، لو كنت أصح إنسان فالموت ينهي صحتك ، والموت ينهي كل شيء ، ينهي غنى الغنى ، وفقر الفقير، وقوة القوي ، وضعف الضعيف ، وصحة الصحيح ، ومرض المريض ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، فما دام هذا العطاء ينتهي بالموت فلا يليق بالله عزَّ وجل ، وليس عطاء ، من هنا أعطى الله عزَّ وجل الدنيا لمن لا يحب ؛ أعطاها لأعدائه ، ألم يعطِ قارون المال الوفير ؟ ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 76 )
ألم يعطِ فرعون المُلك ، وهو لا يحبه ؟ إذاً : إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
3 ـ العاقل مَن عمل للآخرة :
خير من الدنيا ، مَن هم العقلاء ؟ الذين عملوا للآخرة ، مَن هم ضعاف العقول ؟ الذين اكتفوا بالدنيا .. ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 38 )
أتعجبكم سنوات معدودة كلها مشكلات ؟ لا يوجد إنسان لم تصبه مشكلة ، أحياناً مرض ، أحياناً زوجة متعبة ، أحياناً ابن عاق ، أحياناً بنت لم يخطبها أحد ، وهذه مشكلة كبيرة ، أحياناً دخل قليل ، لو أن الأمور كلها جاءت كما يريد ، لكن مع التقدم في العمر تأتي متاعب في الصحة ، ضعف بصر ، انحناء ظهر ، ألم بالمفاصل ، خلل بالأجهزة ، فالحياة مفعمة بالمشكلات ، هكذا أرادها الله عزَّ وجل .. " أوحى ربك على الدنيا أن تشددي وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " .
طبيعة الدنيا متعبة ، ومهما راقت فلا تستقيم لإنسان ، وهذا الواقع أمامكم ، إن كان دخله كبيراً ، أولاده متعبون ، أولاده أتقياء ، دخله لا يكفيهم ، أولاده أتقياء ، ودخله جيد ، ولكن زوجته ليست طيبةً ، زوجته جيدة ، وهو يعاني من مشكلة في عمله ، لا يعاني من مشكلة في عمله ، ويعاني من مشكلة في صحته ، كأن الدنيا دار التواء لا دار استواء ، منزل ترح لا منزل فرح ، والمهم أن الله عزَّ وجل يأمرنا أو ينصحنا أن نهتم بالآخرة .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾
أنا حَبَّبت إليكم النساء ، والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسَوَّمة ، والأنعام ، والحرث .. ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
4 ـ لذة الدنيا متناقصة منقطعة :
كلمة (متاع) يعني لذة عابرة ، أكل أحدهم طعامًا نفيسًا ، بعد دقائق انتهت الطعام ، وانتهى الأثر ، ما له أثر مستقبلي أبداً ، الدنيا كلها متاع ، أي لذة طارئة ، لذةٌ مؤقتة ، لذةٌ لا تستمر ، بل إن الحقيقة الصارخة أن شيئاً في الدنيا مهما عظم لا يمكن أن يقدم لك لذةً مستمرَّة ، إلا متناقصة ، كل شيء تقتنيه تعجب به أول الأمر ، وبعد حين تألفه ، وكأنك لم تقتنِه ، شاءت حكمة الله أن يجعل لذّات الدنيا متناقصة لا متعالية أبداً .
بين اللذة والسعادة :
إنه يمكن أن نفرق بين لذةٍ وسعادة ، اللذة حسية تأتيك من الخارج ؛ لذة مال ، طعام ، زوجة ، مسكن ، دفئ ، تبريد ، أجهزة ، لا تأتيك إلا من الخارج ، مركبة ، وهي ذات أثر حسي محض ، وليس أثر نفسي ، وهي متناقصة ، وقد تعقبها كآبة ، وقد تعقبها النار إلى أبد الآبدين ، هذه هي اللذة .
أما السعادة ؛ فأولاً تنبع من الداخل ، أنت ليس بحاجة ، " ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة " ، تنبع من الداخل ، لا تحتاج إلى مال ، هي معك دائماً ، بستانك في صدرك .. ﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28) ﴾
( سورة الرعد )
متعاظمة غير متدنية ، تعقبها جنةٌ إلى أبد الآبدين ، هذا فرقٌ كبير بين اللذة والسعادة ، اللذة طابعها حسي ، أما السعادة فطابعها نفسي ، فربنا عزَّ وجل زين .. ﴿ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
قال : ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
الله عزَّ وجل في آية أخرى يقول : ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
( سورة النساء : من الآية 77 )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ﴾
شددتم إليها .. ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38) ﴾
( سورة التوبة )
متاع الغرور ، الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .. ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص : من الآية 61 )
لذلك الأنبياء العظام سعادتهم بربِّهم ، أما التافهون فسعادتهم بالطعام والشراب ، والنساء ، والبيوت ، والنُزُهات ، وما إلى ذلك .
هذه الجنة ليست لكل الناس ، إن الله يعطي الدنيا لمَن يحب ولمَن لا يحب ، أما الجنة فمقيَّدة بالأتقياء .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
(اتقى) يعني اتقى أن يعصيه ، اتقى أن يغضبه ، اتقى أن يسخطه ، طبَّق المنهج الإلهي ، انصاع لأمر الله ..
﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ ﴾
ليست جنة ، بل جنات ، لأنها كلها متنامية ومتنوعة ، حور عين ، ولدان مخلَّدون ، جنان تجري من تحتها الأنهار ، فيها لبن لم يتغيَّر طعمه ، وعسل مصفَّى ، فيها ماء نقي عذب كالزلال ، غير آسن ، في أنهار من خمر غير خمر الدنيا .. ﴿ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴾
( سورة محمد : من الآية 15 )
هذا عطاؤه ، وفيها شيء آخر ( وزيادة ) نظرٌ إلى وجه الله الكريم ، وقد يغيب المؤمن خمسين ألف سنة من نشوة النظرة ، وهناك أكبر من النظر ( رضوانٌ من الله أكبر ) ، فهذه الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها النظر إلى الله الكريم ، وفيها رضوانٌ من الله أكبر .. ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
لا يستطيع أن يدَّعي أحدٌ أن عمله يؤهله للجنة ، لكن الله عزَّ وجل بصير بعمل كل إنسان ، العمل الذي يؤهل للجنة لا يمكن أن يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار
هؤلاء أهل الجنة ما صفاتهم ؟ قال :
﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
صفات أهل الجنة :

1 ـ يدعون ربهم : يَقُولُونَ رَبَّنَا

أول شيء أنهم يدعون الله دائماً ، والدعاء هو العبادة ، في الحديث الصحيح عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ )) .
[ الترمذي وابن ماجه ]
وإذا قال الله عزَّ وجل : ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23) ﴾
( سورة المعارج )
دائماً يدعو الله ؛ إن دخل بيته يدعو ، وإن خرج يدعو ، وإن جلس إلى الطعام يدعو ، وإن انتهى من الطعام يدعو ، وإن دخل إلى الخلاء يدعو ، وإن خرج يدعو ، وإن واجه عدواً يدعو ، وإن خرج من البيت إلى عمله يدعو ، فدعاؤه مستمر ، وقد علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام من خلال أذكاره المأثورة كيف ندعو الله في كل أحوالنا . ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ﴾
2 ـ يؤمنون بالله وحده :
بك يا رب ، آمنا بك موجوداً ، آمنا بك واحداً ، آمنا بك كاملاً ، آمنا أنك الخالق ، آمنا أنك الرب، آمنا أنك المسيِّر ، آمنا بأسمائك الحسنى ، وصفاتك الفضلى ، آمنا بكل ما ذكرته لنا ..
﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ﴾
3 ـ يستغفرون ربهم :
اغفر لنا ، طلب المغفرة ، المغفرة شيء دقيق جداً ، الله عزَّ وجل أمر النبي أن يستغفر لذنبه ، لكن ماذا فعل النبي ؟ وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) .
[ الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد ]
وفي بعض أدعية النبي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ، وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا )) .
[ الترمذي ]
فما من إنسان إلا ويأتيه خاطر يزعجه ، قد يقصر قليلاً ، فشأن العبد أن يخطئ ، وشأن الله أن يغفر ، لكنه يخطئ لا عن قصدٍ ، ولا في شيءٍ صارخ ، ولكن عن خطأ ، عن نسيانٍ ، عن تقصيرٍ ، عن غلبةٍ أحياناً ، فهذا الخطأ يغفر بالدعاء .. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُم ْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾
( سورة نوح )
إخواننا الكرام ، هي بشارة ، ما دمت مستقيماً على أمر الله فأنت في رعاية الله ، وأنت في حفظه ، وأنت في نصره ، وأنت في تأييده ، لكن لو زلَّت القدم ، لو أخطأت ، لو غلبتك نفسك في ساعة ضعف ، ما دمت مستغفراً فأنت في بحبوحةٍ أخرى ، أنت في بحبوحتين ، أنت في أمنين ، أنت في مدتين ، بحبوحة الطاعة ، وبحبوحة الاستغفار .. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُم ْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12) ﴾
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً )) .
[ البخاري ]
وفي رواية الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ )) .
ليس معنى هذا أنه يرتكب مئة ذنب ، مستحيل ، لكن قد يكون ذنب النبي من نوع فوق مستوى البشر جميعاً ، بعضهم قال : النبي يرى رؤيا ، يرى شيئاً من عظمة الله ، وفي رؤيا ثانية يرى الله أعظم مما كان يراه ، فيستحيي برؤيته السابقة ، أنت إنسان ، أمامك غني توقعت معه مليون ، وهو معه مئة مليون ، توقعك ، أو رؤيتك إلى حجمه المالي الذي هو أقلّ من واقعه بكثير ، تشعر أنك ما أعطيته حقه ، فالله عزَّ وجل قال : ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
( سورة غافر : من الآية 55 )
وقال النبي الكريم : (( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ )) .
فما دمت قد عودت نفسك أن تستغفر فأنت في بحبوحة ، وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّ .. (( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) .
(الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد)
أما هذا الذي يدعي العصمة ، وهو ليس نبياً ، هذا تجاوز للحدود ، وهذا خروجٌ عن عقيدة أهل السنة والجماعة ، فسيدنا يوسف ماذا قال ، وهو نبيٌ كريم ؟ قال : ﴿ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33) ﴾
( سورة يوسف )
وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) .
[ مسلم ، الترمذي ، أحمد ]
الشعور بالذنب دليل على صحة القلب:
إياكم ، ثم إياكم ، ثم إياكم أن تفهموا هذا الحديث ، أن تسرع بالذنب ، هذا الحديث لا يمكن أن يكون هذا معناه ، لكن معناه لو لم تشعروا بذنوبكم فأنتم هالكون عند الله .
إنسان ارتكب خطأ ، ارتاب ، كذب ، سخر ، ابتسم ابتسامة ساخرة ، دون أن يشعر بشيء ؟ معنى هذا أنه ميت ، لو أنه مؤمن لتألم أشد الألم ، إحساسك بذنبك علامة حياة قلبك ، وعدم إحساسك بذنبك علامة موت قلبك ،
(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ـ أي لو لم تشعروا بذنوبكم ، معنى ذلك أنكم أمواتٌ غير أحياء ـ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) .
مثلاً : أنت في سهرة انسقت بالحديث ، وتكلمت في إنسان ، اغتبته وهو مسلم ، تأتي إلى البيت لا تنام الليل ، كيف اغتبته ؟ هذا مسلم ، هو أخطأ ، الغيبة : أن تذكر أخاك بما يكره ، ولو كان الذي ذكرته حقيقةً ، تتألم ، في اليوم الثاني تأخذ له هديةً وتستسمحه ، معنى هذا أن قلبك حي ، ما دمت شعرت بذنبك ، واستغفرت الله منه ، ما دمت قد آلمك ذنبك .
من هو المؤمن ؟ هو الذي تسره حسنته ، وتسوءه سيئته ، يفرح لحسنةٍ أصابها ، ويألم أشد الألم لذنبٍ ارتكبه ، فهؤلاء الذين يستحقون الجنَّات ، والنظر إلى وجه الله الكريم ، ويستحقون رضوان الله عزَّ وجل ، وهو أكبر ما في الجنة ، يقولون : ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
كلما علا مقامك عند الله تحاسب نفسك أشد الحساب :
للتوضيح فقط : وعاء له سطح ، أو له قعر مثقَّب ، لو كان قُطر الثقب فرضاً عشرة سنتيمترات ، تضع فيه برتقال فينزل ، أما البطيخ فلا ينزل ، لأن الثقب عشرة سنتيمترات ، لو كان قطره خمسة سنتيمترات ، تضع جوزًا ينزل ، أما البرتقال فلا ينزل ، فكل واحد له مستوى في الاستقامة ، الأنبياء يبدو أن القعر أصم مغلق ، أما كل واحد يمكن أن يتساهل بكلمة ، هذا يتساهل بنظرة ، هبط مستواه ، فكلما رفعت مستوى استقامتك كنت أقرب إلى الله عزَّ وجل ، وكلما علا مقامك عند الله تحاسب نفسك أشد الحساب ، سيدنا الصديق ماذا فعل مع إنسان اتهم ابنته بالزنا ـ السيدة عائشة ـ ؟ منع عنه المساعدات ، فعاتبه الله فقال :
﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
( سورة النور : من الآية 22 )
عاتبه الله ، وبكى الصديق وقال : " بلى أحب أن يغفر الله لي " ماذا فعل ؟ منع مساعدةً عن إنسانٍ اتهم ابنته ظلماً بالزنا ، فكلما ارتقى مقامك عند الله تحاسب نفسك أدق الحساب ، وقد وصف الله عزَّ وجل المؤمنين فقال : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(33)وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34) ﴾
( سورة فصلت )
دقق : كلما ارتقى إيمانك حاسبت نفسك أشد الحساب ، حتى إنهم قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين .
سيدنا إبراهيم ماذا فعل ؟ قال لابنه : ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
( سورة الصافات : من الآية 102)
أُمر أن يذبح ابنه ، وقف الابن موقفًا لا يصدق .. ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102) ﴾
إن الله لم يكلف المؤمنين أن يذبحوا أبناءهم ، فعلى كلٍ ؛ قضية الاستقامة قضية دقيقة جداً ، هذه ترقى حينما ترقى ، وتسمو حينما تسمو .. ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
4 ـ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
هؤلاء الذين آمنوا ، والذين طلبوا المغفرة من الله عزَّ وجل ، وطلبوا الوقاية من النار ..
﴿ الصَّابِرِينَ ﴾
5 ـ الصَّابِرِينَ
شأنهم الصبر في الدنيا ، يصبرون على قضاء الله وقدره ، ويصبرون عن الشهوة ، ويصبرون على الطاعة ، يعني طاعة ، وشهوة ، وقضاء .. ﴿ وَالْقَانِتِينَ ﴾
6 ـ 7 ـ الصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ
المنقطعين لله عزَّ وجل ، متفرغين له ، نحن في رمضان فهناك صيامٌ عن الطعام ، والشراب ، والنساء ، هذا صيام العامَّة ، وهناك صيامٌ عن المعاصي والآثام ، وهذا صيام المؤمنين ، وهناك صيامٌ عما سوى الله ..
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) ﴾
( سورة المؤمنون )
أي ما سوى الله ، هؤلاء .. ﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ ﴾
الصادق ؛ هناك صدق الأقوال ، وصدق الأفعال ، فصدق الأقوال أن تأتي أقوالك كما تعتقد ، أنت صادق ، أما صدق الأفعال فأن تأتي أفعالك كما تقول ، تقول شيئاً ، وتفعل شيئاً ، فهذا كذب ونفاق ، تعتقد شيئاً ، وتقول شيئاً فهذا نفاق اعتقادي ، أما الصدق القولي فأن تقول ما تعتقد ، والفعلي أن تفعل ما تقول ، هؤلاء صادقون ، أعمالهم تأتي مصدقةٌ لأقوالهم .. ﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ ﴾
8 ـ الْمُنْفِقِينَ
ينفقون مما آتاهم الله ، آتاهم مالاً ينفقون منه ، آتاهم علماً ينفقون منه ، آتاهم جاهاً ينفقون منه ، آتاهم خبرةً ينفقون منها ..
﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾
9 ـ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ
قال العلماء : وقت السحر وقت الاستجابة ، واستدلوا من قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف :
﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾
( سورة يوسف : من الآية 98 )
أيْ في الوقت المناسب ، وقت السحر وقت قبول المغفرة ، لذلك ورد في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ )) .
[ البخاري ومسلم واللفظ له ]
نحن في هذا الوقت ـ وقت السحر ـ لنا دعوةً مستجابة ، وأنا والله أنصح كل إخواني : لك عند الله حاجة ، تخاف من عدو ، تخشى من مرضٍ عضال ، عندك مشكلة في البيت ، لك زوجة تنحرف عن سواء السبيل ، لك أولادٌ ليسوا على ما تتمنى ، صلِ صلاة قيام الليل ، واسأل الله عزَّ وجل في السجود أن يعطيك ما تسأله إيَّاه ، هذا مما يقوي عقيدتك بالله .
﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْط
1 ـ الأسباب وحدها لا تخلق النتائج :
الله عزَّ وجل هو وحده الفعال ، كيف يشهد لنا أنه لا إله إلا هو ؟ الفعل كله بيده ، الله خلق أسبابا ، وخلق نتائج ، نحن لقصور فهمنا نظن أن الأسباب وحدها تخلق النتائج ، لا ، الأسباب تترافق مع النتائج ، لكن الأسباب وحدها لا تكفي لخلق النتائج ، العلماء قالوا : عندها لا بها .
2 ـ كيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟

كيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟ يأتي إنسان ، ويأخذ بكل الأسباب ، فيفشل ، ويخفق ، يأتي إنسان آخر من دون أسباب يحقق النتيجة ، وأوضح مثل لذلك أنه إذا تزوج شابٌ صحيح الجسم بفتاةٍ صحيحة الجسم ، لابد أن ينجبا ، الأسباب كلها مؤمنة ، شاب صحيح الجسم ، كل أجهزته سليمة ، وشابة كذلك ، تجد شابين صحيحين لا ينجبان ، لأن الله عطَّل الأسباب ، الأسباب موجودة ، لكن الله عطَّلها ، يشهد لنا أنه لا إله إلا هو ، وقد تنجب السيدة مريم من دون زوج ، ألغاها ، ومِن خلال إلغاء الأسباب أو تعطيلها يشهد أنه لا إله إلا الله ، لذلك قالوا : " عرفت الله من نقض العزائم " ، قد يأخذ الإنسان بكل الأسباب ولا ينجح ، وربما لا يأخذ بها وينجح ، فما شاء الله عزَّ وجل كان ، وما لم يشأ لم يكن .
تحطمت طائرة ، وأحد ركابها لم يقيد نفسه بحزام الأمان ، رأى نفسه طليقاً ، وانشق جسم الطائرة جنب مقعده ، فقفز على الأرض ، أما كل الركاب فكانوا مقيدين بأجهزة الأمان ، فيمكن لواحد أن ينزل من ارتفاع أربعين ألف قدم دون أن يصاب بأذى ، نزل فوق جبال الألب ، غابات كثيفة مغطاة بخمسة أمتار ثلج ، أغصان الأشجار كانت كالنوابض ، فنزل واقفاً . وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهنّ أمان
* * *
وطائرة أخرى في طريقها من جدة إلى باكستان ، أصاب إحدى النوافذ خلل فانخلعت ، الطائرة المضغوطة ثمانية أمثال ، امرأةٌ باكستانية في حجرها طفلان صغيران ، فخرجا من النافذة ، بحكم قوة الضغط ـ ضغط الهواء داخل الطائرة ـ فوقعا في البحر ، فنسبة المئة بالمليون أنهما ماتا ، طفلان رضيعان صغيران ، بعد خمسة أيام تأتيها رسالة من شركة الطيران أن تعالَي إلى دبي ، فظنت أن تأتي لتأخذ التعويض ، فإذا بها أمام ابنيها ، ما الذي حدث ؟ سقطا أمام صياد ، فأنقذهما ، ووضعهما في القارب ، وأخذهما إلى أقرب مستشفى ، ما معنى : لا إله إلا الله ؟ وأنت بأعلى درجة من الغنى تفلس ، وأنت فقير تغتني ، وأنت قوي تضعف ، أنت ضعيف تقوى ، من إلغاء السبب أو تعطيله .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ ﴾
الله عزَّ وجل يشهد أنه لا إله إلا الله ؛ عن طريق تعطيل الأسباب ، أو إلغائها ، أما المؤمن فيمشي في طريق ، عن يمينه وادٍ سحيق ، وعن شماله وادٍ سحيق ، الوادي اليميني واد الشرك ، هناك من يأخذ بالأسباب ، ويعتمد عليها ، وينسى الله ، وأحياناً يؤلِّهها كالأجانب ، وهناك من لا يأخذ بها ، فيعصي الله كأهل الشرق ، الشرق كله : سمِ بالله وكل ، لكن التفاحة غير نظيفة ، ولم نغسلها ، النبي قال : (( من انهمك في أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه )) .
[ البيهقي في السنن الكبرى ، والطبراني في المعجم الكبير عن سلمان ]
هناك توكل ساذج ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ - خذ بالأسباب - فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
[ أبو داود وأحمد ]
المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله
المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، كما فعل النبي في الهجرة ؛ اختار خبيرًا مشركًا ، فغلَّب الخبرة على الولاء ، وكلف إنسانًا يأتيه بالأخبار ، وإنسانًا يمحو الآثار ، وإنسانًا يأتيه بالطعام ، وسار مساحلاً عكس الاتجاه المتوقع ، واختبأ في غار ثور ، أخذ بكل الأسباب ، وكأنها كل شيء ، فلما وصلوا إلى الغار توكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، هذا هو الإيمان ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، فالله يشهد لنا .. ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾
( سورة البقرة : من الآية 249 )
تكون أمة قوية جداً تأخذ بكل الأسباب فتنهزم ، والمؤمنون الصادقون وهم قلةٌ ضعاف ينتصرون ، معنى ذلك أن الله شهد لنا أنه لا إله إلا هو ، الأمر بيدي ، أما الكفار فيؤلِّهون الأسباب ، والمؤمنون المقصرون يلغون الأسباب ، توكُّل ساذج ، أما الكمال فأن تأخذ بها وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
مثلاً : لو ترجمنا هذا الكلام إلى واقع ، عندك مركبة ، وعندك سفر ، تجري لها مراجعة تامة ، الزيت ، والوقود ، والكهرباء ، والتوصيلات ، والأطر كلها كاملة ، ثم تقول : يا رب احفظني ، أنت الحافظ ، يا رب سلمني ، أنت المُسَلِّم ، أخذ بالأسباب ، وتوكل على الله ، طالب يجتهد ، ويقول : يا رب اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ، تاجر يجتهد ، ويقول : يا رب اجبر هذه البضاعة ، المزارع يزرع حبةً في الأرض ، ثم يتوكل على الله ، هذه الترجمة .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
3 ـ أهل العلم ينبغي أن تكون فحوى دعوتهم إظهار كلام الله :
وهذه إشارة إلى أن أهل العلم ينبغي أن تكون فحوى دعوتهم إظهار كلام الله ، أما أن يقول لك واحد : إن الله عزَّ وجل يفعل ما يشاء ، نحن في ملكه ، هذا كلام جيد ، لكنه يأتي بمثل غير مقبول ، أنه نجار ، وعنده لوحان من الخشب ، جعل لوحًا بابًا لقصر ، والثاني بابًا لمرحاض ، ألك عنده شيء ؟ إن الله ما قال هذا ، بل قال :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
( سورة الزلزلة )
الله عزَّ وجل عنده عدل مطلق ، وقد قال : ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 132 )
العشوائية لا تقبل في أفعال الله ، والعبثية لا تقبل في أفعال الله ، لذلك الإيمان الدقيق كما قال الله عزَّ وجل : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
قال الله عزَّ وجل : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا ﴾
( سورة الشمس )
ليس معنى هذا أنه خلق فيها الفجور ، معنى هذا أنه برمجها برمجةً ، وجبلها جِبِلَّةً ، وفطرها فطرةً ، إذا فجرت تعلم أنها فجرت .. ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:07
المشاركة 12
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
ورة أل عمران 003 - تفسير الآيتان 18 - 19

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثامنة عشرَة ، مررت عليها مراً سريعاً في الدرس الماضي ، ونظراً لأهميتها الشديدة سأخصها ببعض التفصيلات .
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
كلكم يعلم أيها الإخوة ، أنه حينما تدعى لأداء شهادة ، تنطق بلسانك أنني رأيت كذا وكذا ، وهذا شيء واضح وضوح الشمس ، ولكن كيف تفهم قوله تعالى :
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
الإنسان تراه بعينك ، وتسمع صوته بأذنك ، وتسمع شهادته . كيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟
ولكن كيف يشهد الله لك أنه لا إله إلا الله ؟ أو كيف يشهد لك أن هذا الكلام كلامه ، القرآن كلامه ؟ هذا سؤال دقيق ، وكيف يشهد لك أن الأمر كله بيده ، وأنه الفعال لما يريد ، وأن بيده ملكوت السماوات والأرض ، وأنه إليه يرجع الأمر كله ، وأنه في السماء إلهٌ وفي الأرض إله ، وأنه ما من ورقة تسقط إلا هو يعلمها ، كيف يشهد لك أن كل الكون بدقائقه ، بجزئياته ، بتفصيلاته بيده ، هناك قصص قصَّها علينا في القرآن الكريم ..
امرأة تضع فلذة كبدها في صندوق ، وتلقيه في اليم ، في النهر ، ما الذي يسيِّر هذا الصندوق سيراً معيناً إلى أن يصل إلى شرفة ، أو إلى مدخل قصر على النيل ؟ وأي غصن اعترض هذا الصندوق ، فوقف عند شاطئ هذا القصر ، وأيَّة امرأة شعرت بدافع أن تقف على شاطئ النهر ؟ إنها امرأة فرعون ، وكيف ألقي في قلبها حب هذا الغلام الصغير ؟ وكيف امتنعت المراضع أن ترضعه تحريم امتناع .. ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾
( سورة القصص : من الآية 12 )
إذاً : دقائق الحياة ؛ حركة المياه ، حركة الصندوق ، تحرك إنسان ، محبته في قلب إنسان ، هذا كله بيد الله ، ففي قصص القرآن إشارةٌ إلى أن الأمر بيد الله ، قصة سيدنا يوسف فيها تفاصيل ، ولكن الله يشهد فضلاً عن قرآنه ، وفضلاً عن كتابه أنه لا إله إلا هو ، كيف يشهد ؟ الأسباب الكونية بين الأخذ بها وتأليهها :
نحن أَلِفنا أنّ لكل نتيجة سبباً ، وأن لكل سبب نتيجة ، وتوهمنا لضعف إيماننا أن هذا السبب خارق النتيجة ، والذي آمن بالأسباب ، واعتمد عليها ، ونسي الله عز وجل فقد أشرك ، والذي لم يأخذ بها فقد عصى ، وأنا أقول دائماً : الإيمان الكامل أن تأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، من السهل جداً أن تأخذ بالأسباب كما فعل الغربيون ، لكن مع الأخذ بالأسباب الدقيق منزلق خطير أن تؤلِّهها ، وأن تعتمد عليها ، وأن تراها كل شيء ، وأن تستغني بأخذها عن الله .
والفريق الآخر عندنا في الشرق لا يأخذون بالأسباب ، تواكلاً على الله ، وجهلاً بحقيقة الكون ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
[ أبو داود ، وأحمد ]
(( عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ))
ـ أي عليك بالتعقل ، وأن تأخذ بالأسباب ـ (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ))
ـ فأن تستسلم ، ألا تتحرك ، أن تنسحب ، أن تندب حظك ، أن تقول انتهينا كمسلمين ، لا ، هذا ليس من الدين ، هذا تواكل ، ولكن الله يلوم على العجز ـ (( فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
إذاً : الأخذ بالأسباب ، والاعتماد عليها شرك ، وعدم الأخذ بها معصية ، لكن الكمال أن تأخذ بها ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، أما إذا توهَّمها الإنسان أنها كل شيء ، فلابد أن يؤدبه الله عز وجل ، كيف يؤدبه ؟ يؤدبه ، ويشهد له أن الله هو وحده الفعَّال ، وأنه وحده المتصرف ، وأن الأخذ بالأسباب لا يقدم ولا يؤخر ، يعطل هذه الأسباب .
أوضح مثل : فتاةٌ شابة تتزوج بشاب ، ولا ينجبان ، الأسباب كلها موجودة ، الله عز وجل شاء أن يجعل هذا الزواج عقيماً ، مع أن الأسباب متوافرة ، أو أن يسمح لامرأةٍ لم تقترن بزوج وهي طاهرة عفيفة أن تنجب مولوداً ، كالسيدة مريم العذراء .
فإما أن يبطل الله هذه الأسباب ، أو أن يلغي وجودها ، بهذه الطريقة يشهد الله لعباده أنه لا إله إلا هو ، فأكبر قوة في العالم ، أو ثاني أكبر قوة في العالم تداعت من الداخل بلا حرب ، وبلا هجوم نووي ، وبلا بأسلحة ذرية ، تداعت من الداخل ، وقد قال بعضهم : " عرفت الله من نقض العزائم " ، قد تأخذ بالأسباب كلها ، ولا تنجح ، وقد تضطر إلى ألا تأخذ بها لسبب قاهر ، فتأتي النتائج طيبة ، وكأنك أخذت بالأسباب ، فمن خلال تعطيل هذه الأسباب أو إلغائها يشهد الله لك أن الأمر بيده وحده . لا ينفع مع الله شيء :
فقد يسعدك ، وأنت لا تملك من الدنيا وشيئاً ، وقد يشقى الإنسان ، ومعه كل أسباب الدنيا ؛ معه المال الوفير ، ومعه الصحة ، ومعه الزوجة ، ومعه البيت المريح ، والمركبة الفارهة ، وهو أشقى الناس ، وقد يسعدك ، وأنت في السجن .
أحياناً المؤمن إذا دخل السجن يقول لك : والله اقتربت من الله قرباً غير معقول ، والله ارتقى إيماني ، وارتقت صلواتي ، وارتقت تلاوتي إلى درجة لا تصدَّق ، قد يرحمك وأنت في أصعب وضع ، وقد يحجبك عنه ، وأنت في أقوى وضع.
إذاً : تعطيل الأسباب أو إلغائها شهادة الله لك أن الأمر بيده وحده ، في ظرف صعب جداً قد يرزقك الله رزقاً طيباً ، وفي ظروف مواتية جداً قد تحرم من الرزق ، وفي بالنهاية يجب أن تؤمن أن الأمر كله بيد الله ، ومن الممكن أن يسقط إنسان من ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم من طائرة وينزل سالماً ، الأمر بيد الله عز وجل ..
فإذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
إذا كان الله معك فمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فمَن معك ؟ إذا كان الله معك يسخر لك أعداءك ليخدمونك ، وإذا كان الله عليك يسمح لأقرب الناس إليك أن يتطاول عليك .
يا أيها الإخوة الكرام ... ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
قد يرزق الله إنساناً ضعيف التفكير رزقاً وفيراً ، وقد يحرم إنساناً ذكياً جداً الرزق ، يتضعضع أمام غني ، وقد ورد في بعض الحكم من الشرق : أن يا رب ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول ، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ .
الله عز وجل يرفع إنسانا ، فتصبح كل الخبرات بيده ، كل العقول بخدمته ، وأحياناً يكون بأعلى درجة من الفهم مسخر لخدمة إنسان ، كل طاقته وكل إمكاناته وكل ذكائه وكل شهاداته العليا ، وكل اختصاصه النادر لخدمة إنسان ليس في مستوى علمه ، " اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول ، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ " ، هذه حكمة من شرق أسيا قالها أحد الفلاسفة .
فحينما يشهد الله لك أن الأمر بيده ، الأمر أمره ، النبي الكريم أخذ كل الأسباب من دون استثناء ، ووصلوا إلى الغار ، هو أخذها لئلا يصلوا ، ذهب مُشَرِّقاً ، واختبأ في غار ثور ، ومحا الآثار ، وجاء بالأخبار ، وجيء له بالزاد ، واختار خبيرًا بالطرقات مشركًا ، أخذ بكل الأسباب ، لكنه اعتمد على الله ، فلما وصلوا إليه ، وقعت عين المطاردين على عين أبي بكر ، قال : لقد رأونا ، قال يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى : ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ( 198) ﴾
( سورة الأعراف )
أي سبب صغير جداً ؛ خيوط عنكبوت أنقذت هذه الدعوة ، ومن عظمة الله عز وجل أنه يفعل الشيء العظيم بالسبب الصغير ، وقد يدمِّر إنساناً بسبب صغير جداً ، بكلمة ، بغفلة ، فمع الله لا توجد غفلة ، لا يوجد مع الله تاجر ذكي ، ولا يوجد قوي ، ولا يوجد حكيم ، إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لب لبه ، يا رب لا ينفع ذا الجد منك الجد ، صاحب الحظ ، والذكاء ، والتألُّق هذا إن لم يكن مستقيماً على أمر الله ، يجعل الله تدميره في تدبيره ، يفكر ، يفكر ، يجمع ، يطرح ، يقسِّم ، ثم يدمَّر بتدبيره ، يأتي إنسان سليم الطوية ، بريء ، طاهر ، الله عز وجل يحفظه مما يحفظ به عباده الصالحين ، فكلمة : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
كل أفعال الله عز وجل في الأرض تشهد لك أنه هو الفعَّال ، هو الفعال ، هو إله في الأرض ، كما هو إله في السماء : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾
( سورة يونس : من الآية 24 )
لا سبيل للنجاة إلى برضا الله :
ترون أنتم ، أحياناً زلزالاً يكلف ثلاثين مليارًا ، وإعصارًا يكلف ما جمعه هذا البلد من دول متخلِّفة خلال عشر سنوات ، إنه إعصار واحد ، الأمر بيده ، لا سبيل إلا أن نرضيه ، وإلا أن نكون طائعين له .
أحياناً تاجر يظن نفسه أنه ذكي ، يغش ، الذي جمَّعه في سنوات يدفعه في ساعة واحدة ، الله يورطه في مخالفة كبيرة جداً ، والغرامة تفوق طاقة احتماله ، فيدفع مئات الملايين في ساعة واحدة ، مع الله لا يوجد ذكي ، مع الله لا يوجد حكيم ، مع الله لا يوجد قوي ، لا ينجيك منه إلا أن تطيعه ، في حالة واحدة : يا رب لا ملجأ منك إلا إليك ، إلا أن تكون في طاعته ، والمعصية مع الذكاء لا تجدي ، المعصية مع الخبرة لا تجدي ، المعصية مع القوة لا تجدي .
كان رجل يهودي يعد من أغنى أغنياء العالم ، كان يقرض الحكومة البريطانية قرضًا ، خزائنه ، أمواله في غرفة لها باب محكم ، دخل مرة غرفة خزائنه ، وأغلق عليه الباب خطأً ، ومن عادته أن يسافر من حين إلى آخر ، ويفاجئ أهله بأسفاره ، فلم يسألوا عنه ، وقد ظنوا أنه مسافر ، ومات في غرفة خزائنه ، جرح يده ، وكتب على الحائط : أغنى رجل في العالم يموت جوعاً وعطشاً ..
كالعيسُ في الصحراء يقتلها الظما والماء من فوق ظهورها محمول
* * *
أنا لا أذكر هذا منتقداً أبداً : طبيب في أمريكا ، روَّج قضية الجري لسلامة القلب ، فكان يجري في اليوم ساعتين ، وهو يؤكِّد بمقالات ، وبلقاءات ، وبندوات أن صحة القلب في الجري ، وهذا كلام صحيح ، وأنا لا أنقده أبداً ، إلا أنه نسي الله ، واعتمد على الجري وحده ، فمات وهو يجري في مقتبل العمر ، وهو طبيب قلب .
قد تجد أحياناً بعض المتخصصين في أعلى مستوى يؤخذون باختصاصهم ، لأنهم اعتمدوا عليه ، ونسوا الله عز وجل ، والذي يعتمد على ذكائه يخفق ، والذي يعتمد على ماله يفتقر ، والذي يعتمد على مَن حوله وينسى الله عز وجل يقلبون له ظهر المجن ، لا تعتمد إلا على الله ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي )) .
[ البخاري ]
لا تعتمد لا على زوجة ، ولا على ولد ، ولا على صديق ، ولا على صحة ، ولا على مال ، من أدعية النبي الرائعة الثابتة ما ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ )) .
[ مسلم ]
فجأةً ، بثوان معدودة تنقلب من شخص متألق إلى شخص مهمل ، فخثرة من الدم لا يزيد حجمها على رأس دبوس ، لو تجمدت في إحدى شرايين الدماغ لفقدت الحس والحركة .
والله كنت في العيد أزور بعض الأشخاص ، أعرفه إنساناً متألقاً ، ذكياً ، حكيماً ، أنا لا أعلم أنه مريض ، استقبلنا ، وبدأ يتكلم كلامًا غير معقول أبداً ، سألت ابنه فقال لي : والله عنده خثرة بالدماغ ، أين ذكاؤه ؟ أين عقله ؟ أين حكمته ؟ أين استقباله ؟ وأين ترحيبه بالناس ؟؟! يتكلم كلامًا غير معقول إطلاقاً ، كلام ليس له معنى ، أحضر وثائق ، وأتى بصور ، وتكلم كلامًا غير معقول ، أنا استحييت والله من زيارته ، فكل شخصيتك ، وقوة شخصيتك منوطة بسيولة الدم في دماغك ، وكل شخصيتك منوطة بقطر الشريان التاجي ، هذا أخطر شريان بالإنسان ، وكل شخصيتك منوطة بنمو الخلايا ، فإذا تفلَّتت انتهى كل شيء .
والله مرة كنت عند مريض ، جاءه اتصال هاتفي ، هاتف قديم صوته عالٍ جداً سمعت الطرف الآخر عن بعد ، قال له : أي مكان بالعالم نأخذه ، وأي مبلغ ؟ فقال الطبيب له : لا أمل ، والمرض بالدرجة الخامسة ، لا تغلب نفسك ، وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له ، فالأمر بيد الله عز وجل ، الدين كله توحيد ، ألا ترى مع الله أحداً ، فالله عز وجل يشهد لك ، تأخذ بالأسباب كلها ، ولا تنجح ، وربما لا تأخذ بها اضطراراً ، ليس تهاوناً ، وربما لا تأخذ بها اضطراراً فتنجح ، عرفت الله من نقض العزائم ، وهذا الشيء يحتاج الأمر إلى من يتفهمه .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْط
مَن هم أولو العلم ؟
عند بعض المفسرين آراء لطيفة حول أولي العلم ، مَن هم ؟ بعضهم قال : الأنبياء عليهم السلام ، لأن مقام النبوة مقام علم ، ومقام الرسالة مقام علم وتبليغ معاً ، وقال بعضهم : هم المؤمنون ، لأنه ما من مؤمن إلا وعنده الحقيقة .. ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 83 )
يكفي العلم شرفا أن الله قرن أهله باسمه :
على كلٍ هناك ملمح لطيف ، هذا يسعدنا جميعاً ، قال : لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته ..
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
لو كان في خلقه جميعاً أحدٌ أشرف ممَّن طلب العلم ، وممن تعلم العلم ، وممَّن علَّم العلم لقرنه الله مع اسمه ، من هؤلاء الذين قرنوا مع اسم الله ؟ هم الذين طلبوا العلم ، فطلبكم للعلم شرف كبير ، ومنحة عظيمة ، وهو عطاء الأنبياء .. ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾
( سورة يوسف : من الآية 22 )
ولكن الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب .. ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 76 )
أعطى الملك لمن لا يحب ، أعطاه لفرعون ، أعطى المال لمن لا يحب ، أعطاه لقارون ، أما العلم والحكمة فما أعطاهما الله إلا لمن يحب ، قال : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22) ﴾
( سورة يوسف: من الآية 22 )
فإذا سمح الله لك أن تطلب العلم ، وإذا سمح الله لك أن تصغي إلى أهل العلم ، وإذا سمح الله لك أن تعلِّم العلم ، وإذا سمح الله لك أن تخدم أهل العلم ، وإذا سمح الله لك أن تكون في خدمة العلم ، فهذا وسام شرف كبير ، وهذا أعظم عطاءٍ إلهي .
الآن الله عز وجل يأمر نبيه ، قال له : ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي ﴾
( سورة طه : من الآية 114 )
ما هو الشيء الثمين العظيم الذي أراده الله لعباده المؤمنين ؟ قال : ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾
( سورة طه )
لم يقل : زدني مالاً ، يا رب زدني جاهاً ، يا رب زدني ذريةً ، لا ، لا .. ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾
( سورة طه )
لمجرد أنك طلبت العلم ، وأنك تحضر مجالس العلم ، وأنه يسمح لك من حين لآخر كي تعلِّم العلم فهذا وسام شرف كبير ، ويقول عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )) .
[ الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وأحمد عن أبي الدرداء ]
والعلماء أمناء الله على خلقه ، والعلماء يحبهم أهل السماء ، ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة ، واسأل نفسك : ماذا أقامك ؟ الله قد يقيم إنسانًا بعمل لا يرضيه ، طبعاً باختياره ، قد يبنى عمله على ابتزاز أموال الناس ، أو على إدخال الخوف إلى قلوبه ، وقد يكون عملك تعليم العلم ، وقد يكون عملك إنفاق المال في سبيل الله ، وقد يكون عملك بناء المساجد .
ذات مرة افتتح مسجداً في ريف دمشق ، وقد حضرت افتتاحه ، وكان إلى جانبي مسؤول الأوقاف ، قلت له : اشكر الله عز وجل على أن الله أقامك في افتتاح المساجد ، وتعيين الخُطَباء ، فهناك من يفتتح الملاهي ، ويعلِّم الراقصات ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .
ما مهمتك في الحياة ؟ هل مهمتك العطاء أم الأخذ ؟ إشاعة الأمن في الناس أم إشاعة الخوف ؟ إكرام الناس بالمال أم ابتزاز أموالهم ؟ أنت تابع لمَن ؟ تابع لخالق السماوات والأرض ، أم تابع لجهة أرضية تأتمر بأمرها ، وأنت أداة بيدها ؟ وكلما عرفت قيمة نفسك أبيت أن تكون لأحد إلا أن تكون لله الواحد القهار ، شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس . ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
اشهد يا طالب العلم للناس بعدالة الله :
ملمح ثان : إن كنت من أهل العلم حقيقةً ، إن كنت من طلاَّب العلم حقيقة فاشهد للخلق بعدالة الله ، وهناك دعوات إلى الله غير معقولة ، يقول لك : نحن ملك الله - فعلاً نحن ملكه - يفعل بنا ما يشاء ، يضعنا في النار ، أم في الجنة ، هكذا ، ولا يحق لنا أن نعترض ؟! هذه ليست دعوة لله عز وجل ، هذه دعوة منفرة ، يأتون بمثال : نجار عنده لوحان من خشب ، وضع أحد الألواح بابَ قصر ، والثاني باب مرحاض ، ألك عنده شيء ؟ لا ، أما لو كان اللوح الرديء وضعه باب مرحاض ، واللوح النظيف باب قصر فهذا عمل حكيم ، فهنا من أجل أن يؤكدوا أن الله يملك كل شيء ، قد لا ينتبهون ، فيصفون الله بالظلم ، الله عز وجل قال :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه( 8) ﴾
( سورة الزلزلة )
﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ( 17) ﴾
( سورة سبأ )
آيات كثيرة تؤكد عدالة الله عز وجل .. ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ﴾
(سورة لقمان : من الآية 16 )
إذاً : حينما اقترن اسم العلماء مع اسم الله الأعظم .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
طالب العلم المتواضع شريف عند الله والناس :
ليس هناك على وجه الأرض أشرف من طلب العالم ، من طالب العلم ، والملائكة تضع أجنحتها لطلاَّب العلم رضاً بما يصنعون .
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
إذاً طالب العلم يبيِّن عدالة الله ، طالب العلم يبيِّن فضل الله ، أيها الإخوة ، والله أنا أستحيي أن أقول : أنا عالم ، أقول : طالب علم ، كن أديباً مع الله ، أكبر علماء الأرض طلاَّب علم ، لا تقل : عالم ، لأن الله عز وجل قال : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا( 85) ﴾
( سورة الإسراء )
ذات مرة شاب داعٍ إلى الله عز وجل ، يبدو أنه ألقى دروساً في بغداد ، وتحلق الناس حوله ، وأقبلوا عليه إقبالاً شديداً ، بعض من يعلم في العلم من التقليديين امتلأ صدره غيظًا منه ، فجاء إلى مجلسه كي يسفهه ، فحضر الدرس ، وفي نهاية الدرس وقف ، وقال :
ـ يا هذا ، هذا الذي تقوله ما سمعناه ، من أين جئت به ؟ هذا ليس علمًا .
ـ قال له : يا سيدي ، وهل حصَّلت العلم كله ؟ سؤال محرج ، إذا قال له : نعم خالف الآية : ﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 255)
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا( 85) ﴾
( سورة الإسراء )
ـ قال له : كلا والله .
ـ قال : كم حصلت منه ؟
ـ قال له : شطره .
ـ قال : هذا الذي قلته في هذا الدرس من الشطر الذي لا تعرفه .
فالإنسان ليكن متواضعًا ، لا تقل : أنا أعلم ، قل : أنا أعلم بفضل الله ، لذلك يظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، لمجرد أن تقول : أنا أطلب العلم فأنت عالم ، ولا ضير عليك أن تقول : لا أدري ، وهذا وسام شرف آخر ، النبي الكريم سئل أسئلة كثيرة قال : لا أدري ، حتى يأتي الوحي ، فجاء الوحي فأجاب ، وهو قمة العلم في الأرض كلها .
على كلٍ أكبر شرف تحوزه أن تطلب العلم ، أن تطلب العلم النافع ، هناك علم ممتع ، وهناك علم ممتع نافع ، وهناك علم ممتع نافع مسعد ، إنه معرفة الله ، ممتع نافع مسعد ، قد تقرأ في النعي : أن هذا من أعلم علماء الأرض في هذا الموضوع ، مات ، وانتهى ، أما إذا كان يعرف الله فعلمه ينفعه بعد الموت ، أما إذا كان غافلاً عن الله ، وكان متفوقاً في العلم فعلمه ينفعه في الحياة الدنيا ، أما إذا عرف الله عز وجل فينفعه علمه في دنياه وفي أخراه ، فدقق في هذا .
هناك علم ممتع ، لو قرأت قصيدة في الأدب الجاهلي لوجدتها ممتعة ، هناك علم ممتعٌ نافع ، معك اختصاص نادر ، دخلك فلكي ، هذا علم ممتع نافع ، وهناك علم ممتع نافع مسعد في الدنيا والآخرة ، وهو أن تعرف الله ، لبعض علماء القلوب كلمة : " إنه حيث ما وردت كلمة العلم في القرآن فإنما تعني العلم بالله " . ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
أيها الإخوة ... شيء آخر ، يقول الله عز وجل : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
1 ـ لابد من الدعوة إلى الإسلام أن تكون صحيحة :

ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ، ولكن اسمعوا هذه الحقيقة : مَن دعي إلى الإسلام بدعوة هزيلة ، دعوة سطحية ، دعوة غير متماسكة ، دعوة متناقضة ، مَن دعي إلى الإسلام من خلال داعية لا يطبق ما يقول ، ولا تجد مصداقية فيما يقول ، من دعي إلى الإسلام بمضمون غير علمي ، وبأسلوب غير تربوي ، وبتناقض بين القول والعمل ، هذا المدعو إلى الإسلام بهذه الطريقة ليس مبلَّغاً عند الله ، لأنه رُكِّب في أعماقنا أن الله عظيم ، وينبغي أن يكونه دينه عظيمًا ، ينبغي أن يكون شرعه عظيماً ، حتى أدى الأمر ببعض العلماء إلى أن يقول : " الشريعة عدل كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، مصلحة كلها ، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة ، من العدل إلى الجور ، من الحكمة إلى خلافها ، ليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل " . ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾
2 ـ الإسلام دين الأنبياء جميعا :
والذي يلفت النظر أنك إذا قرأت آيات القرآن تفاجأ أن كل الأنبياء على الإطلاق وصفوا بأنهم مسلمون ، إذاً : هو دين واحد عند الله عز وجل ، وهو أن تعرفه ، وأن تستسلم له ، وهذا منطوق قوله تعالى :
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون ِ(25) ﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 62 )
كلهم سواء .. ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) ﴾
( سورة البقرة : من الآية 62 )
3 ـ الإسلام استقامة :
اضغط كل المعلومات عن الأديان بكلمتين : أن تعرف الله ، وأن تطيعه ، أن توحِّده وأن تعبده ، إن وحَّدته وعبدته حققت الهدف من وجودك ، فالدين المقبول عند الله أن تستسلم له ، أن تنصاع له ، أن تطيعه ، أما هناك من يعجب بالإسلام ، يقول لك : مفكر إسلامي ، ليس مستقيماً ؛ لا في بيته ، ولا في عمله ، ولا في علاقاته ، ولكنه مفكر إسلامي ، هذا شيء يخالف منطوق هذه الآية : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾
فأنت ممكن أن تعجب بطبيب ، أو بمهندس ، أو بعالم آثار ، أو بمؤرخ ، أو بفلكي ، ولا يعنيك أمر استقامته في سلوكه ، ولا تربط بين علمه ولا سلوكه إطلاقاً ، إلا رجل الدين لا يمكن أن تستمع إليه ، ولا أن تصغِي له إلا إذا كان مطبقاً لما يقول ، فإن الدين عند الله أن تكون مطيعاً له ، أما مفكر إسلامي لا يصلي ، مفكر إسلامي يلتقي مع الكاسيات العاريات ، ويملأ عينه من محاسنهن ، يقول لك : مفكر إسلامي ، له خلفية إسلامية ، نزعة إسلامية ، أرضية إسلامية ، منطلقاته إسلامية ، عواطفه إسلامية ، اهتماماته إسلامية ، ولكنه في النهاية ليس مسلما ، فإن الدين عند الله الإسلام ، العبرة أن تطيع الله ، أن يرى هذا في كلامك ، في حركاتك ، في سكناتك ، في بيتك ، في عملك ، في مشيك في الطريق ؛ أتغض البصر عن محارم الله ؟ أم تملأ عينيك من الحرام ؟ هذا الإسلامي .
بالمعنى اللغوي إن الدين عند الله أن تكون مطيعاً لله ، هذا التدين الحقيقي ، أما في آخر الزمان فيصير التدين تقاليد وعادات ، وفلكلورًا ، وثقافة ، وعلمًا ، مظاهر ، استعراضًا ، يقول لك مثلاً : الآثار الإسلامية شيء جميل ، مكتبة إسلامية ، الزخرفة الإسلامية ، الخط العربي الإسلامي ، الخط الزخرفي الإسلامي ، كله صحيح ، لكن نريد إسلاماً ، نريد كما كان الصحابة ، كانوا يعرفون الله ويطيعونه ، فهذه الأشياء مادية ، زخرفية ، نسميها حضارية ، سميها تراثية ، أما الإسلام فأن تطيع الله فقط .
والله ذات مرة التقيت مع شخص يحمل شهادات متنوعة ، وكلها دكتوراه ، وله مكانة عندي ، ثم قال لي : أنا لا أصلي ، سبحان الله كيف لا تصلي ؟!! هذا الذي خلق السماوات والأرض ألا يستحق أن تعبده ؟ أنت أكبر من ذلك ؟ حينما لا تعرف الله لست عند الله عاقلاً أساساً ، من هو المجنون ؟ النبي الكريم مشى في الطريق رأى مجنوناً ، فسأل أصحابه سؤال العارف قال :
ـ من هذا ؟
ـ قالوا : مجنون .
ـ قال : لا ، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله . بين الذكاء والعقل :
حينما وجدت هذه المعاني وجدت أنه لابد من التفريق بين الذكاء والعقل ، فما كل ذكي بعاقل ، فقد تجد إنسانًا قمة في العلم ، فكره قوي ، ومعلوماته غزيرة ، ومنطقه قوي ، ودر عليه علمه أموالاً فلكية ، ولكنه يشرب الخمر ، ولا يصلي ، فما كل ذكيٍ بعاقل ، ولكن كل عاقل ذكي ، العقل أن تعرف الله ، وأن تعرف سر وجودك ، وغاية وجودك ، هذا هو العقل ، وأما الذكاء فأن تتقن اختصاصاً ، أن تتقن اختصاصاً عالي المستوى ، هذا ذكاء ، ولحكمة بالغة بالغ أرادها الله جعل أحقر حيوان نشمئز جميعاً منه ، والله من اسمه نشمئز ، أذكى الحيوانات ، فهذا الذكي إن لم يكن تقياً فينبغي ألا يفخر بذكائه ، ذكاء شيطاني ، هؤلاء الغربيون والله عندهم ذكاء مذهل ، فقد جمعوا أموال الدنيا عندهم ، يعيشون حياةً تفوق حد الخيال ، ولكنهم لأنهم ما عرفوا الله ، وما عملوا لآخرتهم فهم واللهِ أغبياء جداً ، لأنهم سوف يدفعون الثمن باهظاً عند الموت ، هؤلاء الذين يقتلون الصغار في فلسطين ، يتوهَّمون أنهم أذكياء معهم أسلحة فتَّاكة ، أنت قوي على طفل ؟! أسلحة فتاكة على طفل ؟! هذا ذكاؤك ؟ الله عز وجل قال :
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 190 )
طفل مندفع ، ببندقية دقيقة الإصابة ترديه قتيلاً ، أنت مسيطر ، لابد أن تعرف الحقيقة : أنه لابد من يوم يدفع الإنسان ثمن أعماله كلها مهما كان كبيراً ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 94 )
تأتي الله وحدك ، لا معك أحد ؛ لا نصير ، لا جماعة ، لا أتباع ، وحدك ، وتحاسب عن أعمالك كلها ، فهناك قصة أنا أرويها لكم ، طريفة للموعظة ، رجل من أغنياء مصر الكبار ، وافته المنية ، وأولاده من شدة محبتهم له خافوا عليه من أول ليلة يوضع في قبره ، القبر مخيف ، واحد ينتقل من بيت ثمنه خمسون مليونًا إلى قبر ، لا يوجد قبر بخمس نجوم أساساً ، ولا قبر فيه بلاط ، كله تراب مُمَدَّد ، أنت حينما تشيع ميتاً ينبغي أن تكون متعظاً ، هذا الذي يوضع في القبر البارحة كان بغرفة نوم ثمنها ثمانمئة ألف ، كان عطاءه من أرقى أنواع الصوف ، وغرفة نومه كانت ثمانية بخمسة ، كبيرة ، ومطبخ ، وعرفة استقبال ، وبيت فخم ، وسيارتان أو ثلاث ، أين هو الآن ؟ في قبر الصغير .
طلبوا من رجل فقير جداً أن ينام مع ميت أول ليلة ، أعطوه عشرة جنيهات فطار عقله ، فقبِل ـ هي قصة رمزية ليست حقيقية ـ جاء الملكان فرأوا شخصين في القبر ، فقالوا : هذا شيء جديد علينا ، يبدو أن الحي خاف ، فتحرك ، قال له : الثاني حي ، وليس بميت ، تعال نبدأ به ، من شدة فقره كان يلبس كيس خيش ، فيه فتحة لرأسه ، وفتحتان ليديه ، وربطه بحبل ، لا يوجد أفقر من هذا ، أن تلبس كيساً من الخيش ، سألوه عن الحبل من أين جاء به ؟ قال لهم : الحبل أخذته من بستان ، كيف دخلت للبستان ؟ فارتبك ، فضربوه ، كيف دخل البستان ؟ الحبل كيف أخذه ، ما زال موضوعا ثانيًا ، وهو كيس الخيش ، فخرج من القبر مذعورًا ، قال لهم : نسأل الله أن يعين أباكم . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( 93) ﴾
( سورة الحجر )
اصطاد أحدهم عصفورًا لغير مأكلة ، والموسم صيد ، ذهب الصياد إلى صحراء معه سيارته ، رأى عصفورًا ، فقال : هذا العصفور يأتي يوم القيامة له دوي كدوي النحل ، يقول : يا رب سله لم قتلني ؟ والله ستحاسب عن عصفور ، وعن هرة حبستها ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ )) .
[ متفق عليه ]
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( 93) ﴾
( سورة الحجر )
مَن هو الذكي ؟ قبل أن يفعل شيئاً يهيِّئ جواباً لله عز وجل ، كيف ينجو من حساب الله ؟ هذا المؤمن ، لذلك إن الدين عند الله الإسلام ، التدين الصحيح أن تخضع لله ؛ في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في إطلاق بصرك ، في استخدام أذنك ، في استخدام حركاتك وسكناتك .
اليوم ذكرت في الخطبة : ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ﴾
( سورة غافر : من الآية 19 )
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور
أعجبني شرح بعض العلماء قال : إنسان في مجتمع ، مرت امرأة ، له مكانة ، غض بصره حفاظاً على مكانته عند هؤلاء ، ثم نظر إليهم ، فإذا هم غير منتبهين له ، فاسترق نظرةً إليها ، فلما رآهم انتبهوا غض بصره عنها ، هو يغض بصره حفاظاً على مكانته ، وإيهاماً لمن حوله أنه ورع ، فإذا شعر أنه غير مراقب ملأ عينيه من محاسنها ..
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ﴾
( سورة غافر : من الآية 19 )
تحاسب إلى هذا المستوى ، هذا الحق ، هذه نصوص ، أما تقول الأستاذ زودها ، هذا موضوع ثان ، أنا أنقل لكم ما في الكتاب والسنة ، أنقل لكم كلام خالق الأكوان .. ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور : من الآية 30 )
تقول لي : لا أقدر ، أقول لك : أنت ترد كلام الله ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾
( سورة البقرة : من الآية 286 )
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم
فهناك اختلاف طبيعي ، أساسه نقص المعلومات ، وهناك اختلاف قذر أساسه الحسد ، والغيرة ، والتنازع على المصالح والرئاسات ، وهناك خلاف ممدوح ، خلاف التنافس ، خلاف التنافس محمود ، وخلاف البغي والعدوان مرذول ، والخلاف الطبيعي معذور ، فعندنا خلاف معذور صاحبه ، وخلاف قذر ، وخلاف محمود ، قال تعالى :
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ( 26 ) ﴾
( سورة المطففين )
والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:08
المشاركة 13
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
ورة أل عمران 003 - تفسير الآيتان 18 - 19

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثامنة عشرَة ، مررت عليها مراً سريعاً في الدرس الماضي ، ونظراً لأهميتها الشديدة سأخصها ببعض التفصيلات .
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
كلكم يعلم أيها الإخوة ، أنه حينما تدعى لأداء شهادة ، تنطق بلسانك أنني رأيت كذا وكذا ، وهذا شيء واضح وضوح الشمس ، ولكن كيف تفهم قوله تعالى :
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
الإنسان تراه بعينك ، وتسمع صوته بأذنك ، وتسمع شهادته . كيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟
ولكن كيف يشهد الله لك أنه لا إله إلا الله ؟ أو كيف يشهد لك أن هذا الكلام كلامه ، القرآن كلامه ؟ هذا سؤال دقيق ، وكيف يشهد لك أن الأمر كله بيده ، وأنه الفعال لما يريد ، وأن بيده ملكوت السماوات والأرض ، وأنه إليه يرجع الأمر كله ، وأنه في السماء إلهٌ وفي الأرض إله ، وأنه ما من ورقة تسقط إلا هو يعلمها ، كيف يشهد لك أن كل الكون بدقائقه ، بجزئياته ، بتفصيلاته بيده ، هناك قصص قصَّها علينا في القرآن الكريم ..
امرأة تضع فلذة كبدها في صندوق ، وتلقيه في اليم ، في النهر ، ما الذي يسيِّر هذا الصندوق سيراً معيناً إلى أن يصل إلى شرفة ، أو إلى مدخل قصر على النيل ؟ وأي غصن اعترض هذا الصندوق ، فوقف عند شاطئ هذا القصر ، وأيَّة امرأة شعرت بدافع أن تقف على شاطئ النهر ؟ إنها امرأة فرعون ، وكيف ألقي في قلبها حب هذا الغلام الصغير ؟ وكيف امتنعت المراضع أن ترضعه تحريم امتناع .. ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾
( سورة القصص : من الآية 12 )
إذاً : دقائق الحياة ؛ حركة المياه ، حركة الصندوق ، تحرك إنسان ، محبته في قلب إنسان ، هذا كله بيد الله ، ففي قصص القرآن إشارةٌ إلى أن الأمر بيد الله ، قصة سيدنا يوسف فيها تفاصيل ، ولكن الله يشهد فضلاً عن قرآنه ، وفضلاً عن كتابه أنه لا إله إلا هو ، كيف يشهد ؟ الأسباب الكونية بين الأخذ بها وتأليهها :
نحن أَلِفنا أنّ لكل نتيجة سبباً ، وأن لكل سبب نتيجة ، وتوهمنا لضعف إيماننا أن هذا السبب خارق النتيجة ، والذي آمن بالأسباب ، واعتمد عليها ، ونسي الله عز وجل فقد أشرك ، والذي لم يأخذ بها فقد عصى ، وأنا أقول دائماً : الإيمان الكامل أن تأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، من السهل جداً أن تأخذ بالأسباب كما فعل الغربيون ، لكن مع الأخذ بالأسباب الدقيق منزلق خطير أن تؤلِّهها ، وأن تعتمد عليها ، وأن تراها كل شيء ، وأن تستغني بأخذها عن الله .
والفريق الآخر عندنا في الشرق لا يأخذون بالأسباب ، تواكلاً على الله ، وجهلاً بحقيقة الكون ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
[ أبو داود ، وأحمد ]
(( عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ))
ـ أي عليك بالتعقل ، وأن تأخذ بالأسباب ـ (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ))
ـ فأن تستسلم ، ألا تتحرك ، أن تنسحب ، أن تندب حظك ، أن تقول انتهينا كمسلمين ، لا ، هذا ليس من الدين ، هذا تواكل ، ولكن الله يلوم على العجز ـ (( فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
إذاً : الأخذ بالأسباب ، والاعتماد عليها شرك ، وعدم الأخذ بها معصية ، لكن الكمال أن تأخذ بها ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، أما إذا توهَّمها الإنسان أنها كل شيء ، فلابد أن يؤدبه الله عز وجل ، كيف يؤدبه ؟ يؤدبه ، ويشهد له أن الله هو وحده الفعَّال ، وأنه وحده المتصرف ، وأن الأخذ بالأسباب لا يقدم ولا يؤخر ، يعطل هذه الأسباب .
أوضح مثل : فتاةٌ شابة تتزوج بشاب ، ولا ينجبان ، الأسباب كلها موجودة ، الله عز وجل شاء أن يجعل هذا الزواج عقيماً ، مع أن الأسباب متوافرة ، أو أن يسمح لامرأةٍ لم تقترن بزوج وهي طاهرة عفيفة أن تنجب مولوداً ، كالسيدة مريم العذراء .
فإما أن يبطل الله هذه الأسباب ، أو أن يلغي وجودها ، بهذه الطريقة يشهد الله لعباده أنه لا إله إلا هو ، فأكبر قوة في العالم ، أو ثاني أكبر قوة في العالم تداعت من الداخل بلا حرب ، وبلا هجوم نووي ، وبلا بأسلحة ذرية ، تداعت من الداخل ، وقد قال بعضهم : " عرفت الله من نقض العزائم " ، قد تأخذ بالأسباب كلها ، ولا تنجح ، وقد تضطر إلى ألا تأخذ بها لسبب قاهر ، فتأتي النتائج طيبة ، وكأنك أخذت بالأسباب ، فمن خلال تعطيل هذه الأسباب أو إلغائها يشهد الله لك أن الأمر بيده وحده . لا ينفع مع الله شيء :
فقد يسعدك ، وأنت لا تملك من الدنيا وشيئاً ، وقد يشقى الإنسان ، ومعه كل أسباب الدنيا ؛ معه المال الوفير ، ومعه الصحة ، ومعه الزوجة ، ومعه البيت المريح ، والمركبة الفارهة ، وهو أشقى الناس ، وقد يسعدك ، وأنت في السجن .
أحياناً المؤمن إذا دخل السجن يقول لك : والله اقتربت من الله قرباً غير معقول ، والله ارتقى إيماني ، وارتقت صلواتي ، وارتقت تلاوتي إلى درجة لا تصدَّق ، قد يرحمك وأنت في أصعب وضع ، وقد يحجبك عنه ، وأنت في أقوى وضع.
إذاً : تعطيل الأسباب أو إلغائها شهادة الله لك أن الأمر بيده وحده ، في ظرف صعب جداً قد يرزقك الله رزقاً طيباً ، وفي ظروف مواتية جداً قد تحرم من الرزق ، وفي بالنهاية يجب أن تؤمن أن الأمر كله بيد الله ، ومن الممكن أن يسقط إنسان من ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم من طائرة وينزل سالماً ، الأمر بيد الله عز وجل ..
فإذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
إذا كان الله معك فمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فمَن معك ؟ إذا كان الله معك يسخر لك أعداءك ليخدمونك ، وإذا كان الله عليك يسمح لأقرب الناس إليك أن يتطاول عليك .
يا أيها الإخوة الكرام ... ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
قد يرزق الله إنساناً ضعيف التفكير رزقاً وفيراً ، وقد يحرم إنساناً ذكياً جداً الرزق ، يتضعضع أمام غني ، وقد ورد في بعض الحكم من الشرق : أن يا رب ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول ، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ .
الله عز وجل يرفع إنسانا ، فتصبح كل الخبرات بيده ، كل العقول بخدمته ، وأحياناً يكون بأعلى درجة من الفهم مسخر لخدمة إنسان ، كل طاقته وكل إمكاناته وكل ذكائه وكل شهاداته العليا ، وكل اختصاصه النادر لخدمة إنسان ليس في مستوى علمه ، " اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول ، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ " ، هذه حكمة من شرق أسيا قالها أحد الفلاسفة .
فحينما يشهد الله لك أن الأمر بيده ، الأمر أمره ، النبي الكريم أخذ كل الأسباب من دون استثناء ، ووصلوا إلى الغار ، هو أخذها لئلا يصلوا ، ذهب مُشَرِّقاً ، واختبأ في غار ثور ، ومحا الآثار ، وجاء بالأخبار ، وجيء له بالزاد ، واختار خبيرًا بالطرقات مشركًا ، أخذ بكل الأسباب ، لكنه اعتمد على الله ، فلما وصلوا إليه ، وقعت عين المطاردين على عين أبي بكر ، قال : لقد رأونا ، قال يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى : ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ( 198) ﴾
( سورة الأعراف )
أي سبب صغير جداً ؛ خيوط عنكبوت أنقذت هذه الدعوة ، ومن عظمة الله عز وجل أنه يفعل الشيء العظيم بالسبب الصغير ، وقد يدمِّر إنساناً بسبب صغير جداً ، بكلمة ، بغفلة ، فمع الله لا توجد غفلة ، لا يوجد مع الله تاجر ذكي ، ولا يوجد قوي ، ولا يوجد حكيم ، إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لب لبه ، يا رب لا ينفع ذا الجد منك الجد ، صاحب الحظ ، والذكاء ، والتألُّق هذا إن لم يكن مستقيماً على أمر الله ، يجعل الله تدميره في تدبيره ، يفكر ، يفكر ، يجمع ، يطرح ، يقسِّم ، ثم يدمَّر بتدبيره ، يأتي إنسان سليم الطوية ، بريء ، طاهر ، الله عز وجل يحفظه مما يحفظ به عباده الصالحين ، فكلمة : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
كل أفعال الله عز وجل في الأرض تشهد لك أنه هو الفعَّال ، هو الفعال ، هو إله في الأرض ، كما هو إله في السماء : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾
( سورة يونس : من الآية 24 )
لا سبيل للنجاة إلى برضا الله :
ترون أنتم ، أحياناً زلزالاً يكلف ثلاثين مليارًا ، وإعصارًا يكلف ما جمعه هذا البلد من دول متخلِّفة خلال عشر سنوات ، إنه إعصار واحد ، الأمر بيده ، لا سبيل إلا أن نرضيه ، وإلا أن نكون طائعين له .
أحياناً تاجر يظن نفسه أنه ذكي ، يغش ، الذي جمَّعه في سنوات يدفعه في ساعة واحدة ، الله يورطه في مخالفة كبيرة جداً ، والغرامة تفوق طاقة احتماله ، فيدفع مئات الملايين في ساعة واحدة ، مع الله لا يوجد ذكي ، مع الله لا يوجد حكيم ، مع الله لا يوجد قوي ، لا ينجيك منه إلا أن تطيعه ، في حالة واحدة : يا رب لا ملجأ منك إلا إليك ، إلا أن تكون في طاعته ، والمعصية مع الذكاء لا تجدي ، المعصية مع الخبرة لا تجدي ، المعصية مع القوة لا تجدي .
كان رجل يهودي يعد من أغنى أغنياء العالم ، كان يقرض الحكومة البريطانية قرضًا ، خزائنه ، أمواله في غرفة لها باب محكم ، دخل مرة غرفة خزائنه ، وأغلق عليه الباب خطأً ، ومن عادته أن يسافر من حين إلى آخر ، ويفاجئ أهله بأسفاره ، فلم يسألوا عنه ، وقد ظنوا أنه مسافر ، ومات في غرفة خزائنه ، جرح يده ، وكتب على الحائط : أغنى رجل في العالم يموت جوعاً وعطشاً ..
كالعيسُ في الصحراء يقتلها الظما والماء من فوق ظهورها محمول
* * *
أنا لا أذكر هذا منتقداً أبداً : طبيب في أمريكا ، روَّج قضية الجري لسلامة القلب ، فكان يجري في اليوم ساعتين ، وهو يؤكِّد بمقالات ، وبلقاءات ، وبندوات أن صحة القلب في الجري ، وهذا كلام صحيح ، وأنا لا أنقده أبداً ، إلا أنه نسي الله ، واعتمد على الجري وحده ، فمات وهو يجري في مقتبل العمر ، وهو طبيب قلب .
قد تجد أحياناً بعض المتخصصين في أعلى مستوى يؤخذون باختصاصهم ، لأنهم اعتمدوا عليه ، ونسوا الله عز وجل ، والذي يعتمد على ذكائه يخفق ، والذي يعتمد على ماله يفتقر ، والذي يعتمد على مَن حوله وينسى الله عز وجل يقلبون له ظهر المجن ، لا تعتمد إلا على الله ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي )) .
[ البخاري ]
لا تعتمد لا على زوجة ، ولا على ولد ، ولا على صديق ، ولا على صحة ، ولا على مال ، من أدعية النبي الرائعة الثابتة ما ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ )) .
[ مسلم ]
فجأةً ، بثوان معدودة تنقلب من شخص متألق إلى شخص مهمل ، فخثرة من الدم لا يزيد حجمها على رأس دبوس ، لو تجمدت في إحدى شرايين الدماغ لفقدت الحس والحركة .
والله كنت في العيد أزور بعض الأشخاص ، أعرفه إنساناً متألقاً ، ذكياً ، حكيماً ، أنا لا أعلم أنه مريض ، استقبلنا ، وبدأ يتكلم كلامًا غير معقول أبداً ، سألت ابنه فقال لي : والله عنده خثرة بالدماغ ، أين ذكاؤه ؟ أين عقله ؟ أين حكمته ؟ أين استقباله ؟ وأين ترحيبه بالناس ؟؟! يتكلم كلامًا غير معقول إطلاقاً ، كلام ليس له معنى ، أحضر وثائق ، وأتى بصور ، وتكلم كلامًا غير معقول ، أنا استحييت والله من زيارته ، فكل شخصيتك ، وقوة شخصيتك منوطة بسيولة الدم في دماغك ، وكل شخصيتك منوطة بقطر الشريان التاجي ، هذا أخطر شريان بالإنسان ، وكل شخصيتك منوطة بنمو الخلايا ، فإذا تفلَّتت انتهى كل شيء .
والله مرة كنت عند مريض ، جاءه اتصال هاتفي ، هاتف قديم صوته عالٍ جداً سمعت الطرف الآخر عن بعد ، قال له : أي مكان بالعالم نأخذه ، وأي مبلغ ؟ فقال الطبيب له : لا أمل ، والمرض بالدرجة الخامسة ، لا تغلب نفسك ، وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له ، فالأمر بيد الله عز وجل ، الدين كله توحيد ، ألا ترى مع الله أحداً ، فالله عز وجل يشهد لك ، تأخذ بالأسباب كلها ، ولا تنجح ، وربما لا تأخذ بها اضطراراً ، ليس تهاوناً ، وربما لا تأخذ بها اضطراراً فتنجح ، عرفت الله من نقض العزائم ، وهذا الشيء يحتاج الأمر إلى من يتفهمه .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْط
مَن هم أولو العلم ؟
عند بعض المفسرين آراء لطيفة حول أولي العلم ، مَن هم ؟ بعضهم قال : الأنبياء عليهم السلام ، لأن مقام النبوة مقام علم ، ومقام الرسالة مقام علم وتبليغ معاً ، وقال بعضهم : هم المؤمنون ، لأنه ما من مؤمن إلا وعنده الحقيقة .. ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 83 )
يكفي العلم شرفا أن الله قرن أهله باسمه :
على كلٍ هناك ملمح لطيف ، هذا يسعدنا جميعاً ، قال : لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته ..
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
لو كان في خلقه جميعاً أحدٌ أشرف ممَّن طلب العلم ، وممن تعلم العلم ، وممَّن علَّم العلم لقرنه الله مع اسمه ، من هؤلاء الذين قرنوا مع اسم الله ؟ هم الذين طلبوا العلم ، فطلبكم للعلم شرف كبير ، ومنحة عظيمة ، وهو عطاء الأنبياء .. ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾
( سورة يوسف : من الآية 22 )
ولكن الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب .. ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
( سورة القصص : من الآية 76 )
أعطى الملك لمن لا يحب ، أعطاه لفرعون ، أعطى المال لمن لا يحب ، أعطاه لقارون ، أما العلم والحكمة فما أعطاهما الله إلا لمن يحب ، قال : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22) ﴾
( سورة يوسف: من الآية 22 )
فإذا سمح الله لك أن تطلب العلم ، وإذا سمح الله لك أن تصغي إلى أهل العلم ، وإذا سمح الله لك أن تعلِّم العلم ، وإذا سمح الله لك أن تخدم أهل العلم ، وإذا سمح الله لك أن تكون في خدمة العلم ، فهذا وسام شرف كبير ، وهذا أعظم عطاءٍ إلهي .
الآن الله عز وجل يأمر نبيه ، قال له : ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي ﴾
( سورة طه : من الآية 114 )
ما هو الشيء الثمين العظيم الذي أراده الله لعباده المؤمنين ؟ قال : ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾
( سورة طه )
لم يقل : زدني مالاً ، يا رب زدني جاهاً ، يا رب زدني ذريةً ، لا ، لا .. ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾
( سورة طه )
لمجرد أنك طلبت العلم ، وأنك تحضر مجالس العلم ، وأنه يسمح لك من حين لآخر كي تعلِّم العلم فهذا وسام شرف كبير ، ويقول عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )) .
[ الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وأحمد عن أبي الدرداء ]
والعلماء أمناء الله على خلقه ، والعلماء يحبهم أهل السماء ، ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة ، واسأل نفسك : ماذا أقامك ؟ الله قد يقيم إنسانًا بعمل لا يرضيه ، طبعاً باختياره ، قد يبنى عمله على ابتزاز أموال الناس ، أو على إدخال الخوف إلى قلوبه ، وقد يكون عملك تعليم العلم ، وقد يكون عملك إنفاق المال في سبيل الله ، وقد يكون عملك بناء المساجد .
ذات مرة افتتح مسجداً في ريف دمشق ، وقد حضرت افتتاحه ، وكان إلى جانبي مسؤول الأوقاف ، قلت له : اشكر الله عز وجل على أن الله أقامك في افتتاح المساجد ، وتعيين الخُطَباء ، فهناك من يفتتح الملاهي ، ويعلِّم الراقصات ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .
ما مهمتك في الحياة ؟ هل مهمتك العطاء أم الأخذ ؟ إشاعة الأمن في الناس أم إشاعة الخوف ؟ إكرام الناس بالمال أم ابتزاز أموالهم ؟ أنت تابع لمَن ؟ تابع لخالق السماوات والأرض ، أم تابع لجهة أرضية تأتمر بأمرها ، وأنت أداة بيدها ؟ وكلما عرفت قيمة نفسك أبيت أن تكون لأحد إلا أن تكون لله الواحد القهار ، شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس . ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
اشهد يا طالب العلم للناس بعدالة الله :
ملمح ثان : إن كنت من أهل العلم حقيقةً ، إن كنت من طلاَّب العلم حقيقة فاشهد للخلق بعدالة الله ، وهناك دعوات إلى الله غير معقولة ، يقول لك : نحن ملك الله - فعلاً نحن ملكه - يفعل بنا ما يشاء ، يضعنا في النار ، أم في الجنة ، هكذا ، ولا يحق لنا أن نعترض ؟! هذه ليست دعوة لله عز وجل ، هذه دعوة منفرة ، يأتون بمثال : نجار عنده لوحان من خشب ، وضع أحد الألواح بابَ قصر ، والثاني باب مرحاض ، ألك عنده شيء ؟ لا ، أما لو كان اللوح الرديء وضعه باب مرحاض ، واللوح النظيف باب قصر فهذا عمل حكيم ، فهنا من أجل أن يؤكدوا أن الله يملك كل شيء ، قد لا ينتبهون ، فيصفون الله بالظلم ، الله عز وجل قال :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه( 8) ﴾
( سورة الزلزلة )
﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ( 17) ﴾
( سورة سبأ )
آيات كثيرة تؤكد عدالة الله عز وجل .. ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ﴾
(سورة لقمان : من الآية 16 )
إذاً : حينما اقترن اسم العلماء مع اسم الله الأعظم .. ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
طالب العلم المتواضع شريف عند الله والناس :
ليس هناك على وجه الأرض أشرف من طلب العالم ، من طالب العلم ، والملائكة تضع أجنحتها لطلاَّب العلم رضاً بما يصنعون .
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
إذاً طالب العلم يبيِّن عدالة الله ، طالب العلم يبيِّن فضل الله ، أيها الإخوة ، والله أنا أستحيي أن أقول : أنا عالم ، أقول : طالب علم ، كن أديباً مع الله ، أكبر علماء الأرض طلاَّب علم ، لا تقل : عالم ، لأن الله عز وجل قال : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا( 85) ﴾
( سورة الإسراء )
ذات مرة شاب داعٍ إلى الله عز وجل ، يبدو أنه ألقى دروساً في بغداد ، وتحلق الناس حوله ، وأقبلوا عليه إقبالاً شديداً ، بعض من يعلم في العلم من التقليديين امتلأ صدره غيظًا منه ، فجاء إلى مجلسه كي يسفهه ، فحضر الدرس ، وفي نهاية الدرس وقف ، وقال :
ـ يا هذا ، هذا الذي تقوله ما سمعناه ، من أين جئت به ؟ هذا ليس علمًا .
ـ قال له : يا سيدي ، وهل حصَّلت العلم كله ؟ سؤال محرج ، إذا قال له : نعم خالف الآية : ﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 255)
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا( 85) ﴾
( سورة الإسراء )
ـ قال له : كلا والله .
ـ قال : كم حصلت منه ؟
ـ قال له : شطره .
ـ قال : هذا الذي قلته في هذا الدرس من الشطر الذي لا تعرفه .
فالإنسان ليكن متواضعًا ، لا تقل : أنا أعلم ، قل : أنا أعلم بفضل الله ، لذلك يظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، لمجرد أن تقول : أنا أطلب العلم فأنت عالم ، ولا ضير عليك أن تقول : لا أدري ، وهذا وسام شرف آخر ، النبي الكريم سئل أسئلة كثيرة قال : لا أدري ، حتى يأتي الوحي ، فجاء الوحي فأجاب ، وهو قمة العلم في الأرض كلها .
على كلٍ أكبر شرف تحوزه أن تطلب العلم ، أن تطلب العلم النافع ، هناك علم ممتع ، وهناك علم ممتع نافع ، وهناك علم ممتع نافع مسعد ، إنه معرفة الله ، ممتع نافع مسعد ، قد تقرأ في النعي : أن هذا من أعلم علماء الأرض في هذا الموضوع ، مات ، وانتهى ، أما إذا كان يعرف الله فعلمه ينفعه بعد الموت ، أما إذا كان غافلاً عن الله ، وكان متفوقاً في العلم فعلمه ينفعه في الحياة الدنيا ، أما إذا عرف الله عز وجل فينفعه علمه في دنياه وفي أخراه ، فدقق في هذا .
هناك علم ممتع ، لو قرأت قصيدة في الأدب الجاهلي لوجدتها ممتعة ، هناك علم ممتعٌ نافع ، معك اختصاص نادر ، دخلك فلكي ، هذا علم ممتع نافع ، وهناك علم ممتع نافع مسعد في الدنيا والآخرة ، وهو أن تعرف الله ، لبعض علماء القلوب كلمة : " إنه حيث ما وردت كلمة العلم في القرآن فإنما تعني العلم بالله " . ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
أيها الإخوة ... شيء آخر ، يقول الله عز وجل : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
1 ـ لابد من الدعوة إلى الإسلام أن تكون صحيحة :

ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ، ولكن اسمعوا هذه الحقيقة : مَن دعي إلى الإسلام بدعوة هزيلة ، دعوة سطحية ، دعوة غير متماسكة ، دعوة متناقضة ، مَن دعي إلى الإسلام من خلال داعية لا يطبق ما يقول ، ولا تجد مصداقية فيما يقول ، من دعي إلى الإسلام بمضمون غير علمي ، وبأسلوب غير تربوي ، وبتناقض بين القول والعمل ، هذا المدعو إلى الإسلام بهذه الطريقة ليس مبلَّغاً عند الله ، لأنه رُكِّب في أعماقنا أن الله عظيم ، وينبغي أن يكونه دينه عظيمًا ، ينبغي أن يكون شرعه عظيماً ، حتى أدى الأمر ببعض العلماء إلى أن يقول : " الشريعة عدل كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، مصلحة كلها ، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة ، من العدل إلى الجور ، من الحكمة إلى خلافها ، ليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل " . ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾
2 ـ الإسلام دين الأنبياء جميعا :
والذي يلفت النظر أنك إذا قرأت آيات القرآن تفاجأ أن كل الأنبياء على الإطلاق وصفوا بأنهم مسلمون ، إذاً : هو دين واحد عند الله عز وجل ، وهو أن تعرفه ، وأن تستسلم له ، وهذا منطوق قوله تعالى :
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون ِ(25) ﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 62 )
كلهم سواء .. ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) ﴾
( سورة البقرة : من الآية 62 )
3 ـ الإسلام استقامة :
اضغط كل المعلومات عن الأديان بكلمتين : أن تعرف الله ، وأن تطيعه ، أن توحِّده وأن تعبده ، إن وحَّدته وعبدته حققت الهدف من وجودك ، فالدين المقبول عند الله أن تستسلم له ، أن تنصاع له ، أن تطيعه ، أما هناك من يعجب بالإسلام ، يقول لك : مفكر إسلامي ، ليس مستقيماً ؛ لا في بيته ، ولا في عمله ، ولا في علاقاته ، ولكنه مفكر إسلامي ، هذا شيء يخالف منطوق هذه الآية : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾
فأنت ممكن أن تعجب بطبيب ، أو بمهندس ، أو بعالم آثار ، أو بمؤرخ ، أو بفلكي ، ولا يعنيك أمر استقامته في سلوكه ، ولا تربط بين علمه ولا سلوكه إطلاقاً ، إلا رجل الدين لا يمكن أن تستمع إليه ، ولا أن تصغِي له إلا إذا كان مطبقاً لما يقول ، فإن الدين عند الله أن تكون مطيعاً له ، أما مفكر إسلامي لا يصلي ، مفكر إسلامي يلتقي مع الكاسيات العاريات ، ويملأ عينه من محاسنهن ، يقول لك : مفكر إسلامي ، له خلفية إسلامية ، نزعة إسلامية ، أرضية إسلامية ، منطلقاته إسلامية ، عواطفه إسلامية ، اهتماماته إسلامية ، ولكنه في النهاية ليس مسلما ، فإن الدين عند الله الإسلام ، العبرة أن تطيع الله ، أن يرى هذا في كلامك ، في حركاتك ، في سكناتك ، في بيتك ، في عملك ، في مشيك في الطريق ؛ أتغض البصر عن محارم الله ؟ أم تملأ عينيك من الحرام ؟ هذا الإسلامي .
بالمعنى اللغوي إن الدين عند الله أن تكون مطيعاً لله ، هذا التدين الحقيقي ، أما في آخر الزمان فيصير التدين تقاليد وعادات ، وفلكلورًا ، وثقافة ، وعلمًا ، مظاهر ، استعراضًا ، يقول لك مثلاً : الآثار الإسلامية شيء جميل ، مكتبة إسلامية ، الزخرفة الإسلامية ، الخط العربي الإسلامي ، الخط الزخرفي الإسلامي ، كله صحيح ، لكن نريد إسلاماً ، نريد كما كان الصحابة ، كانوا يعرفون الله ويطيعونه ، فهذه الأشياء مادية ، زخرفية ، نسميها حضارية ، سميها تراثية ، أما الإسلام فأن تطيع الله فقط .
والله ذات مرة التقيت مع شخص يحمل شهادات متنوعة ، وكلها دكتوراه ، وله مكانة عندي ، ثم قال لي : أنا لا أصلي ، سبحان الله كيف لا تصلي ؟!! هذا الذي خلق السماوات والأرض ألا يستحق أن تعبده ؟ أنت أكبر من ذلك ؟ حينما لا تعرف الله لست عند الله عاقلاً أساساً ، من هو المجنون ؟ النبي الكريم مشى في الطريق رأى مجنوناً ، فسأل أصحابه سؤال العارف قال :
ـ من هذا ؟
ـ قالوا : مجنون .
ـ قال : لا ، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله . بين الذكاء والعقل :
حينما وجدت هذه المعاني وجدت أنه لابد من التفريق بين الذكاء والعقل ، فما كل ذكي بعاقل ، فقد تجد إنسانًا قمة في العلم ، فكره قوي ، ومعلوماته غزيرة ، ومنطقه قوي ، ودر عليه علمه أموالاً فلكية ، ولكنه يشرب الخمر ، ولا يصلي ، فما كل ذكيٍ بعاقل ، ولكن كل عاقل ذكي ، العقل أن تعرف الله ، وأن تعرف سر وجودك ، وغاية وجودك ، هذا هو العقل ، وأما الذكاء فأن تتقن اختصاصاً ، أن تتقن اختصاصاً عالي المستوى ، هذا ذكاء ، ولحكمة بالغة بالغ أرادها الله جعل أحقر حيوان نشمئز جميعاً منه ، والله من اسمه نشمئز ، أذكى الحيوانات ، فهذا الذكي إن لم يكن تقياً فينبغي ألا يفخر بذكائه ، ذكاء شيطاني ، هؤلاء الغربيون والله عندهم ذكاء مذهل ، فقد جمعوا أموال الدنيا عندهم ، يعيشون حياةً تفوق حد الخيال ، ولكنهم لأنهم ما عرفوا الله ، وما عملوا لآخرتهم فهم واللهِ أغبياء جداً ، لأنهم سوف يدفعون الثمن باهظاً عند الموت ، هؤلاء الذين يقتلون الصغار في فلسطين ، يتوهَّمون أنهم أذكياء معهم أسلحة فتَّاكة ، أنت قوي على طفل ؟! أسلحة فتاكة على طفل ؟! هذا ذكاؤك ؟ الله عز وجل قال :
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 190 )
طفل مندفع ، ببندقية دقيقة الإصابة ترديه قتيلاً ، أنت مسيطر ، لابد أن تعرف الحقيقة : أنه لابد من يوم يدفع الإنسان ثمن أعماله كلها مهما كان كبيراً ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 94 )
تأتي الله وحدك ، لا معك أحد ؛ لا نصير ، لا جماعة ، لا أتباع ، وحدك ، وتحاسب عن أعمالك كلها ، فهناك قصة أنا أرويها لكم ، طريفة للموعظة ، رجل من أغنياء مصر الكبار ، وافته المنية ، وأولاده من شدة محبتهم له خافوا عليه من أول ليلة يوضع في قبره ، القبر مخيف ، واحد ينتقل من بيت ثمنه خمسون مليونًا إلى قبر ، لا يوجد قبر بخمس نجوم أساساً ، ولا قبر فيه بلاط ، كله تراب مُمَدَّد ، أنت حينما تشيع ميتاً ينبغي أن تكون متعظاً ، هذا الذي يوضع في القبر البارحة كان بغرفة نوم ثمنها ثمانمئة ألف ، كان عطاءه من أرقى أنواع الصوف ، وغرفة نومه كانت ثمانية بخمسة ، كبيرة ، ومطبخ ، وعرفة استقبال ، وبيت فخم ، وسيارتان أو ثلاث ، أين هو الآن ؟ في قبر الصغير .
طلبوا من رجل فقير جداً أن ينام مع ميت أول ليلة ، أعطوه عشرة جنيهات فطار عقله ، فقبِل ـ هي قصة رمزية ليست حقيقية ـ جاء الملكان فرأوا شخصين في القبر ، فقالوا : هذا شيء جديد علينا ، يبدو أن الحي خاف ، فتحرك ، قال له : الثاني حي ، وليس بميت ، تعال نبدأ به ، من شدة فقره كان يلبس كيس خيش ، فيه فتحة لرأسه ، وفتحتان ليديه ، وربطه بحبل ، لا يوجد أفقر من هذا ، أن تلبس كيساً من الخيش ، سألوه عن الحبل من أين جاء به ؟ قال لهم : الحبل أخذته من بستان ، كيف دخلت للبستان ؟ فارتبك ، فضربوه ، كيف دخل البستان ؟ الحبل كيف أخذه ، ما زال موضوعا ثانيًا ، وهو كيس الخيش ، فخرج من القبر مذعورًا ، قال لهم : نسأل الله أن يعين أباكم . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( 93) ﴾
( سورة الحجر )
اصطاد أحدهم عصفورًا لغير مأكلة ، والموسم صيد ، ذهب الصياد إلى صحراء معه سيارته ، رأى عصفورًا ، فقال : هذا العصفور يأتي يوم القيامة له دوي كدوي النحل ، يقول : يا رب سله لم قتلني ؟ والله ستحاسب عن عصفور ، وعن هرة حبستها ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ )) .
[ متفق عليه ]
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( 93) ﴾
( سورة الحجر )
مَن هو الذكي ؟ قبل أن يفعل شيئاً يهيِّئ جواباً لله عز وجل ، كيف ينجو من حساب الله ؟ هذا المؤمن ، لذلك إن الدين عند الله الإسلام ، التدين الصحيح أن تخضع لله ؛ في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في إطلاق بصرك ، في استخدام أذنك ، في استخدام حركاتك وسكناتك .
اليوم ذكرت في الخطبة : ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ﴾
( سورة غافر : من الآية 19 )
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور
أعجبني شرح بعض العلماء قال : إنسان في مجتمع ، مرت امرأة ، له مكانة ، غض بصره حفاظاً على مكانته عند هؤلاء ، ثم نظر إليهم ، فإذا هم غير منتبهين له ، فاسترق نظرةً إليها ، فلما رآهم انتبهوا غض بصره عنها ، هو يغض بصره حفاظاً على مكانته ، وإيهاماً لمن حوله أنه ورع ، فإذا شعر أنه غير مراقب ملأ عينيه من محاسنها ..
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ﴾
( سورة غافر : من الآية 19 )
تحاسب إلى هذا المستوى ، هذا الحق ، هذه نصوص ، أما تقول الأستاذ زودها ، هذا موضوع ثان ، أنا أنقل لكم ما في الكتاب والسنة ، أنقل لكم كلام خالق الأكوان .. ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور : من الآية 30 )
تقول لي : لا أقدر ، أقول لك : أنت ترد كلام الله ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾
( سورة البقرة : من الآية 286 )
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم
فهناك اختلاف طبيعي ، أساسه نقص المعلومات ، وهناك اختلاف قذر أساسه الحسد ، والغيرة ، والتنازع على المصالح والرئاسات ، وهناك خلاف ممدوح ، خلاف التنافس ، خلاف التنافس محمود ، وخلاف البغي والعدوان مرذول ، والخلاف الطبيعي معذور ، فعندنا خلاف معذور صاحبه ، وخلاف قذر ، وخلاف محمود ، قال تعالى :
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ( 26 ) ﴾
( سورة المطففين )
والحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:09
المشاركة 14
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
التفسير المطول - سورة أل عمران ): تفسير الآيات 20 - 25
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية العشرين ، وهي قوله تعالى :
﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ
1 ـ وجه الله :
( وجهي) أي ذاتي ، وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى :
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
وجه ربك أي ذاته العَليَّة .
ومن أجمل ما قاله المفسرون في تفسير قوله تعالى : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
فكل عمل يعمله ابن آدم إلى زوال إلا عملٌ واحدٌ ابتغى به وجه الله ، هذا الذي يبقى إلى أبد الآبدين ، وهذا الذي يسعده إلى أبد الآبدين ، وهذا الذي يلقى جزاءه في يوم الدين .
إذاً : ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ ﴾
2 ـ فَإِنْ حَاجُّوكَ

الإنسان يستعمل عقله لتغطية انحرافاته :
الإنسان أوتي جدلاً ؛ لأنه أوتي فكراً ، هذا الفكر خلقه الله ليكون أداة معرفته ، قد يستغل لغير ما خُلق له ، قد يستغله الإنسان ليغطِّي انحرافاته ، لذلك الجدل في القرآن مذموم ، وفي السنة أيضاً مذموم ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ))
[ الترمذي ابن ماجه ، أحمد ]
حينما يفكر الإنسان ليبرر ، يفكر ليغطي سلوكه المنحرف ، ليسبغ على سلوكه المنحرف مبررات ، ومسوِّغات معقولة ، إنه يستخدم فكره لغير ما خلق له .
لذلك مرةً جاءني شابٌ وقال لي : أنا ملحد ، قلت له : والله إن كان إلحادك عن منفعةٍ تنتفع بها فلست مستعداً أن أجلس معك ولا دقيقة ، أما إن كان إلحادك عن قناعةٍ بريئةٍ فأنا أجلس معك ، فأقسم لي بالله إنه عن قناعةٍ ، ولا عن انتفاعٍ ، والمنتفع بكفره لن يؤمن .
كنت أضرب مثلاً لعله طريفٌ ، أن إنساناً عنده دابة يعمل عليها ، فلما ماتت بنى عليها بناءً ، وأعطى اسماً لوليٍ من عقله ، من اختراعه ، وجاءه الناس بالهدايا ، والإكرامات ، وعاش في بحبوحةٍ ما بعدها بحبوحة ، هل هناك قوة في الأرض يمكن أن تقنعه أن الذي دفن هنا حمار ؟ أو دابة ؟ لا ، مستحيل ، هو دفنه بيده ، قناعته بأن هذا المدفون دابة أشد من قناعة الذي يجادله ، ولكن هذا الدخل الكبير الذي جاءه بسبب هذه الخدعة ، هذه لن تجعله يقرُّ بالواقع ، هو منتفعٌ بهذا الافتراء ، فالإنسان حينما ينتفع بكذبٍ ، أو بنفاقٍ ، أو له مصلحة هذا لا يناقش ، والأولى ألا تناقشه ، وإلا فلست على علمٍ ، ولست على وعيٍ إطلاقاً ، المنتفع بكفره لا يناقش ، المنتفع بنفاقه لا يناقش ، المنتفع بفكرةٍ معينة ، بطرحٍ معين ، برأيٍ معين ، بمذهبٍ معين ، المنتفع لا يناقش ، لأنه استخدم عقله لغير ما خلق له .
لذلك كلمة الجدل أينما وردت في القرآن ليست ممدوحةً ، بل هي مذمومة : (( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ))
[ الترمذي ابن ماجه ، أحمد ]
والمسلمون حينما تخلفوا عن تطبيق منهج ربهم دخلوا في متاهاتٍ فيما بينهم ، وأوتوا الجدل ، وجُعل بأسهم بينهم ، ويأتون بجزئيَّات الدين ويكبِّرونها ، ويجعلونها أصلاً في الدين ، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا خالفهم أحدٌ في رأيهم ، هذا أيضاً من حب الدنيا .
فلذلك : ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
3 ـ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّه
إنّ حقيقة هذا الدين أن تطيع الله ، حقيقة هذا الدين يغلب عليها الطابع العملي ، طابع التديُّن عملي ، وليس كما يقولون : نظري ، نظرياً هناك أناسٌ كثيرون لهم اهتمامات إسلامية ، لهم ثقافة إسلامية ، يجادلون ، يحاورون ، يناقشون ، ينحازون ، وأحياناً يفعلون المُنكرات من أجل إثبات رأيهم أو اتجاههم ، والله عزَّ وجل يقول :
﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ ﴾
أسلمت ذاتي له ، وخضعت لأمره ، وانصعت لأمره ، وأنا مطبقٌ لأمره . ﴿ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
4 ـ وَمَنْ اتَّبَعَنِ
إذاً : على أي شيء كان النبي وأصحابه ؟ كما ورد في بعض الأحاديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً ، قَالُوا : وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ))
[ الترمذي ]
لذلك أكبر تهمة توجه للمنحرفين عقدياً وسلوكياً أن تقول لهم : أنتم لستم على ما كان عليه النبي وأصحابه .
أول خطبةٍ خطبها الصديق رضي الله عنه قال فيها : << إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> ، أنا متبع ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجة من الرقي يقول : ﴿ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
ثلاث نصائح تكتب على ظفر : اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع ، انفق باعتدال ، لا تسرف ، والمترفون في القرآن الكريم في ثماني مواضع هم كفار : ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة المؤمنون : من الآية 33 )
فاتبع لا تتبع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع . إذا عم النقاش غير الموضوعي فعليك بكتاب الله وسنة رسوله :
أيها الإخوة ، مرة ثانية : هناك عقل صريح ، هذا أداة معرفة الله ، وهناك عقلٌ تبريري ، هذا أداة لتغطية الانحراف ، وما كلُّ فكرٍ تقرأه فكرا صريحا ، قد يكون فكراً تبريرياً ، قد يكون فكراً لتغطية انحرافٍ شديد ، الإنسان منطقي في الأساس ، حتى لو ارتكب جرائم يفلسف هذه الجرائم ، ويجعلها مبررة ، حتى لو أكل أموال الناس بالباطل ، يفلسف هذا الانحراف ، حتى لو كان زير نساءٍ ، له كلامٌ مزينٌ يقوله ، فالعبرة ما جاء به الوحي ، فهناك مقولات لا تنتهي ، هناك طروحات لا تنتهي ، هناك آراء لا تنتهي ، العبرة أن تصطفي من كل هذه المقولات ما جاء به الوحي ، لأنه من عند الله ، ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، القاعدة الثابتة التي لا تتزحزح ، ولا تتزلزل الكتاب والسنة ، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنة رسوله ، هذا منهج ، هذا صراط مستقيم ، هذا حبل الله المتين ، هذه سنة النبيين ، إذا انتشر الجدال ، وعمَّ النقاش السفسطائي ، إذا فشا الحوار غير موضوعي فقل :
﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
فعندنا نقل ، وهو الدين ، وعندنا عقل ، العقل له دورٌ في التأكُّد من صحة النقل قبل أن نقرأ النقل ، وله دورٌ في فهم النقل بعد أن نقرأ النقل ، له دورٌ قبل النقل في التأكد من صحته ، ودورٌ بعد النقل في فهمه ، لكن لن يكون العقل حَكَمَاً على النقل ، لأن العقل قد يخطئ ، وقد يصيب ، وقد يبالغ ، وقد يرتبط بواقع معيِّن ، فكما أن أجدادنا لو قاموا من قبورهم ، ورأوا ما فعله الإنسان من إنجازات لم يصدقوها ، لأن عقولهم وقتها مرتبطة بواقعٍ معين ، لكن حينما يرَوْنَ أن هذه الأشياء المستحيلة أصبحت واقعاً ، إذا أنكروها ما كانوا على صواب ، إذاً : العقل مرتبط بالواقع ، أما النقل فمرتبط بخالق الأكوان بشكلٍ أو بآخر ..
﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ
الأميون هم مشركو العرب :
الأميين هنا أي مشركي العرب ؛ لا دين لهم ، هم على فطرةٍ فيها سذاجة ..
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
( سورة الزمر : من آية " 3 " )
ففي الجزيرة كان هناك مشركون ، وكان هناك أهل كتاب .. ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾
معنى : أَأَسْلَمْتُمْ
المعنى الأول :
أيها الإخوة ... أأسلمتم ، أي أسلِموا ، يعني ألم تسلموا بعد ؟! أأسلمتم ، أي أسلموا ، وماذا تنتظرون ؟ هذا المعنى الأول .
المعنى الثاني :
هو تهديد ، أأسلمتم أم لم تسلموا ؟
أول معنى تقرير ، وفيه معنى الإنشاء ـ الأمر ـ وفيه معنى الاستفهام التقريري ، ألم تسلموا بعد ؟ وفيه معنى الطلب ، أسلموا ، ومعنى التهديد أأسلمتم ، أم لم تسلموا ؟.. ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
1 ـ مهمة الأنبياء التبليغُ والقدوةُ :
الإنسان مخيَّر ، ومهمة الأنبياء تنتهي بالتبليغ ليس غير ، هناك مهمَّتان كبيرتان للنبي الكريم ؛ إحداهما مهمة التبليغ ، وثانيتهما مهمة القدوة ، ولعل مهمة القدوة أخطر ، وأبلغ من مهمة التبليغ ، فأيّ إنسان أوتي فصاحةً ، وبياناً ، وذاكرةً ، وفهماً ، وحفظاً يُبَلِّغ ، لكن الذي يؤثر ، هناك مَن يقنعك ، وهناك من يحملك على اتخاذ موقفٍ معين ، الذي يقنعك فصيحٌ بليغٌ عالم ، أما الذي يحملك على أن تقف موقفاً إيجابياً من الدين فهو القدوة ، لذلك نحن في حاجةٍ ماسةٍ إلى قدوةٍ صالحة .
كيف قيل : إن النبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي ، نحن في حاجةٍ إلى مسلمٍ يتحرَّك أمامنا ، مسلم صادق ، أمين ، عفيف ، طاهر ، منصف ، متواضع ، رحيم ، هذا أبلغ كما كنت أقول لكم دائماً : حالُ واحدٍ في ألف أبلغُ من قول ألفٍ في واحد ، قول ألف رجلٍ فصيحٍ في واحد ربما لا يؤثرون ، وحال إنسانٍ مخلصٍ ، متصلٍ بالله ، وحال واحدٍ أبلغ من قول ألف .
إذاً:
﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا ﴾
لذلك ما كل ذكيٍ بعاقل ، قد تكون متفوِّقاً في اختصاصٍ نادر ، ويدرُّ لك هذا الاختصاص أرباحاً طائلة ، وأنت عند الله لست بعالم ، ولست بعاقل ، مَن هو العاقل ؟ الذي عرف الحقائق الكُبرى ؛ الذي عرف الله عزَّ وجل ، وعرف حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان ، وعرف مهمة الإنسان في الأرض ، وسر وجوده وغاية وجوده ، فإذا عرف ذلك ، وطبق ما عرف ، صار حكيماً ، فالذي يؤتى الحكمة أن تعرف ، وأن تعمل وفق ما عرفت ، فقد أوتي خيراً كثيرا .. ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا ﴾
2 ـ إما هدى وإما ضلال :
ليس هناك إثنينية ، الحق واحد ، فإن لم تكن على الحق ـ لا سمح الله ولا قدر ـ فأنت على الباطل ، إن لم تستجب لله فأنت تتبع الهوى ، أبداً ، لك عقلٌ صافٍ يأمرك أن تؤمن بالله وأن تطيعه ، ولك نزواتٌ ، وشهواتٌ ، وغرائز تأمرك أن تشبعها بأيَّة طريقة ، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل حتماً ، وليس هناك خطٌ ثالث ، فهما خطَّان لا ثالث لهما ؛ أن تكون متبعاً للحق ، وأتباع الحق متوادُّون ، متحابون ، متناصحون ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةً متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششةً متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم ))
[ البيهقي في شعب الإيمان ]
(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا ))
[ أحمد عن ابن عمر ]
لو كنا جميعاً على الحق لكان بيننا من الود والحب الشيء الذي لا يوصف ، وهكذا كان أصحاب النبي رضوان الله تعالى عنهم أجمعين ، كانوا على مودةٍ فيما بينهم ، وكان بأسهم على غيرهم ، أما المسلمون حينما أصابوا ذنوباً كثيرة صار بأسهم بينهم ، وصار دينهم الجَدَل .
الإسلام والله بسيط أيها الإخوة ، الإسلام بسيط جداً ، وينبغي أن نبسِّطه ، هو هواء ينبغي أن نستنشقه دائماً ، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء ، استنشاق الهواء ليس فيه تعقيد ، ولا فاتورة ، ولا عداد ، أينما ذهبت فهناك هواء تستشنقه ، لذلك الدين حاجتنا إليه أساسية جداً ، الإنسان خُلِقَ ضعيفاً ، خلق هلوعاً ، خلق عجولاً ، ما الذي يلغي ضعفه ؟ اتصاله بالله .. ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّين ﴾
( سورة المعارج )
ما الذي يلغي ضعفه ؟ أن يستعين بالله .. وما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقارِ إليك فقري أدفع
* * *
أنت قويٌ بالله ، أنت عالمٌ بالله ، أنت حكيمٌ بالله ، أنت غنيٌ بالله .
أيها الإخوة : ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
3 ـ من الإسلام التسليم بأحكام الله كلها من غير نقاش :
جميل جداً أن تعلل ، وأن تبيِّن ، وأن توضح ، والأجمل من ذلك أن تتبع ، والمؤمن الصادق لا يعلِّق تطبيقه لأمرٍ من أوامر الله على فهمه ، أو على فهم حكمته ، هو عندئذٍ يعبد نفسه ، هو عندئذٍ لا يعبد ربه ، متى يعبد ربَّه ؟ حينما يثبت له أن هذا أمر الله ، فيطبقه ، فهمه أو لم يفهمه ، اقتنع به ، أو لم يقتنع به ، أحب ذلك ، أو لم يحب ، لأن في اعتقاده أن علة كل أمر أنه أمر .
مرة كنت في جلسة ، نشب جدلٌ طويل بين التعدد ، وعدم التعدد ، الذي يتحدَّث عن التعدد هو تعدد ، يعني تزوج عدة زوجات ، ويقول : هو الأصل ، والذي بقي على زوجة واحدة يقول : لا التوحُّد هو الأصل ، واختلفوا ، قلت كلمةً ، قلت : أنا مرةً سمعت سؤالاً موجهاً إلى أستاذة في الجامعة في مصر عن التعدد ، أجابت إجابةً لم أر إجابةً أكثر وضوحاً وأصوليةً منها ، قالت : كيف لي أن أدلي برأي في التعدد ، وقد سمح الله به ؟ ما دام قد سمح الله به فلا معنى أن أدلي برأيٍ في التعدد .
فالإنسان يجب أن يوطن نفسه على أن يرى أن هذا أمر الله ، انتهى الأمر ، لا يمكن أن يخضع أمراً إلهياً للمناقشة العقلية ، يفكر فيه بعقله ليكتشف إيجابيَّاته فقط ، ليكتشف حكمته ، أما أن يضعه على بساط البحث ليقبله أو ليرفضه ، معاذ الله ، عندئذٍ ليس مؤمنٍ ..
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب : من الآية 36 )
4 ـ تطبيق أحكام الله لابد أن تكو ابتغاء مرضاته :
بالمناسبة ، هناك معنى دقيق جداً ، أنت حينما تكتشف أن هذا الشيء لصالحك تفعله وتضعف درجة العبادة فيه ، وحينما ترى شيئاً يتضارب مع مصالحك ، وتضع قدمك فوق مصالحك ، وتطبق هذا الشيء ابتغاء مرضاة الله ، يرتفع هنا مستوى العبادة في هذا الشيء ، إذاً : دائماً مستوى التعبد يرتفع وينخفض بحسب ما إذا كان هذا الشيء واضحاً جداً أنه لصالحك ، والإنسان إذا قام ونظف أسنانه قبل أن ينام ، هل يشعر أنه يضحي في سبيل الله ؟ لا والله ، هو يصون أسنانه ، لأنه واضح جداً أن صيانة الأسنان لمصلحة الإنسان ، إذاً : إذا قام إلى هذا العمل لا يشعر أنه يعبد الله ، مع أن تنظيف الأسنان من السنة ، لكن درجة التعبد في هذا العمل ضعيفة ، والمصلحة تغلب عليها ، أما حينما يقال لنبيٍ كريم وهو أبو الأنبياء : اذبح ابنك ، وابنه نبيٌ مثله ، وبلغ معه السعي ، وهو فتىً في ريعان الشباب ، ولا يعلم من هو الابن إلا الأب ، فيقول :
﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102) ﴾
( سورة الصافات )
هنا تنتفي المصلحة ، وينتفي المنطق ، فأنت حينما تقبل على تنفيذ أمرٍ تعارض مع مصلحتك ، فآثرت طاعة الله على مصلحتك ، أنت ارتقيت إلى أعلى مستوى في العبودية لله ، فإن فعلت هذا انصياعاً لله ، وامتثالاً لأمره دون أن تكشف حكمته ، الآن ، يكافئك الله على هذا الانصياع ، وعلى هذا التعبُّد أن يكشف لك حكمته ، فتجمع بين مرتبة العلم وبين مرتبة العبادة ، هذا شيءٌ دقيقٌ جداً ، المؤمن لا يعلق أبداً على تطبيق أمرٍ إلهي فهمه لهذا الأمر ، لا يجعل فهمه ، وفهم حكمته ، وتعليله عقبةً أمام التطبيق ، ينطلق من قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب : من الآية 36 )
ولكن يكافئه الله أنه يكشف له ـ كما قيل ـ : " مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " ، يكشف الله له حكمة هذا الأمر فيغدو عابداً عالماً في وقتٍ واحد .
لكن أنا لا أقبل أبداً أن تضع الأمر الإلهي على بساط البحث ، فإذا قبله عقلك طبقته ، وإلا تقول : ما قنعت بهذا الأمر، هذا ليس سلوك المؤمن إطلاقاً .. ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
أنت مع إنسان من جنسك ، لكنه عالم في الطب ، يقول لك : دع الملح ، ربما لا تجد حاجة إلى أن تسأله : لماذا ؟ يقول لك : هكذا قال الطبيب ، أنت لاحظ نفسك مع الخبراء الذين تستأجر خبرتهم ، تنفذ تعليماتهم بدقةٍ بالغةٍ مثيرةٍ للدهشة ، لأنك تعتقد بأنهم خبراء ، لكن مَن هو أخبر الخبراء ؟ قال تعالى : ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) ﴾
( سورة فاطر )
اليوم في خطبة الجمعة ذكرت أن قول النبي الكريم : (( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ، من غض بصره أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ))
[مستدرك الحاكم عن حذيفة ، والطبراني في الكبير ]
لكن النبي قال : (( سهمٌ مسموم من سهام إبليس )) ، فقد يفهم الإنسان أنه تضطرب حياته الاجتماعية والنفسية ، ولكن ثبت أخيراً ببحثٍ علميٍ أجري في البلاد العربية والإسلامية الشقيقة ، ودام هذا البحث عشرين عاماً ، أن الإنسان حينما يُتْبِع النظرة النظرة تجري في دمه هرمونات جنسية ، هذه الهرمونات تبدل نبض القلب ، وتبدل ضغط الدم ، وتبدل وضع البروستات ـ هذه الغدة ـ وتقبض الشُرَيْنات المتوسطة والصغيرة ، وتوسِّع الأوردة المحيطية ، وتبدِّل في كيمياء الدم ، وهناك آثار لا تنتهي في الجهاز الهضمي ، وفي جهاز القلب والدوران ، وفي الجلد ، كيف أن الغدد الدهنية والعرقية تتسع فوهاتها ، فالنتيجة بحث طويل ، تبيَّن أن النظرة إلى المرأة الأجنبية التي لا تحل لك ، إذا أتبعتها نظرةً ونظرةً ، فكأن هناك سمومًا تجري في دمك دون أن تدري ، ولها أثرٌ في القلب والأوعية ، وفي الجلد ، وفي بعض الغدد ، وما إلى ذلك ، فهذا كلام النبي ليس من عنده .. ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾
( سورة النجم )
﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
أنت بلِّغ ، وعلى الله الباقي ، أنت إن بلَّغت أديت الذي عليك ، وبقي الذي لك .
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ
1 ـ معنى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ
سؤال جدلي : فلو أنهم قتلوا النبيين بحق أعليهم وزر ؟ هذا مرفوض ، هذا السؤال ، لأن هذا ليس قيداً احترازياً ـ كما يقول علما الأصول ـ هذا قيد وصفي ، يعني أنّ أيَّ قتلٍ للنبي هو بغير الحق ، ليس قيداً احترازياً ، إنما هو قيدٌ وصفي ، ومن شأن قتل الأنبياء أن يكون بغير الحق ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾
2 ـ الكفر بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية :
وآيات الله كما تعلمون ، آيات الله الكونية الدالة على عظمته ، وآيات الله القرآنية الدالة على علمه ، وآيات الله الفعلية الدالة على حكمته ، فحينما يكفر الإنسان بها أي لا يعبأ بها ، ولا يتخذها وسيلةً لمعرفة الله عزَّ وجل ، وبالمقابل هذا الذي أمره ونهاه ، وهذا الذي أعطاه منهجاً ، يتوهَّم أن هذا المنهج سيحدُّ من حركته ، ويلغي حريته في الحركة ، مثل هذا الإنسان ، كما قال الله عزَّ وجل ، يكفر بآيات الله ويقتل النبيين بغير بحق ، بل ..
﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
لا أَحَدَ أشقى ممّن يقف ضد الحق :
فلا أرى أن في الأرض أشقى ممن يقف ضدَّ الحق ، ممن يقف معادياً لأهل الحق ، ممن يكون في خندقٍ مضادٍ لخندق المؤمنين ، هذا أشقى إنسان على الإطلاق أن تكون مناهضاً للحق وأهله ، أن تكون عدواً للمؤمنين ، أن تكون عدواً لوحي السماء ، هؤلاء أشقى الناس على الإطلاق ، وأذَكِّر بقوله تعالى :
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4) ﴾
( سورة التحريم )
هما امرأتان ؛ حفصة وعائشة ، لهما شأنٌ مع رسول الله ، فالردُّ كان : ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ ﴾
في حياتنا المادية أيعقل أن امرأتين انتقدتا النظام يستنفر الجيش كله ، والقوى الجوية كلها ، والقوى البحرية كلها ، والقوى البرية كلها ، وكل أفراد الشرطة ؟ غير معقول ، فما معنى الآية ؟ قال الله عزَّ وجل : إن أردت أن تكون عدواً للحق ، مناهضاً له ، فاعلم مَن هو الطرف الآخر ، الطرف الآخر هو الله ، ورسوله ، وجبريل ، والملائكة ، وصالح المؤمنين .
إذاً : أشقى إنسان على الإطلاق هو الذي يناهض الحق وأهله ، هو الذي يعادي الله ورسوله ، هو الذي يؤذي المؤمنين ، هو الذي يبني مجده على أنقاضهم ، هذا إنسان من أشقى البشر .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
يقول عليه الصلاة والسلام : (( بئس القوم قومٌ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، بئس القوم قومٌ لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، بئس القوم قومٌ يمشي المؤمن بينهم بالتقيَّة ))
[ فيض القدير عن ابن مسعود ]
بئس هؤلاء ، بئس القوم قومٌ خافهم المؤمن ، بئس القوم قومٌ مشى بهم المؤمن بالتقية ، يخاف أن يعلن إيمانه ، بئس القوم قومٌ يقتلون المؤمنين ، يقتلون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين
1 ـ المسلم بعمله الصالح :
مَن أنت ؟ أنت عملك الصالح ، بعملك الصالح تسلم وتسعد وترقى ، فإن كان عملك سيِّئاً أنت أشقى الناس ، هكذا :
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾
2 ـ هكذا يحبط العمل :
أي أن عملهم صار شريراً ، طابعه الشَر ، أو عملهم مقبول ، لكن نواياهم ليست سليمة ، أنت قد تكون بعمل ظاهره مقبول ، لكن النوايا دنيوية ، النوايا شهوانية ، النوايا مكاسب ، فحينما تكون النية سيئةً يُحْبَط العمل ، أو حينما يكون العمل سيئاً لا قيمة لنيته ، فشرطان كلٌ منهما لازمٌ غير كافٍ ؛ ينبغي أن يكون عملك صواباً ، وفق منهج رسول الله ، وينبغي أن يكون عملك خالصاً لوجه الله ، فإن فعلت هذا وذاك ، كان الله معيناً لك..
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴾
عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ ابن ماجه ]
3 ـ أخطر شيءٍ أن تكتشف أنك لست مفلحاً في الدنيا والآخرة :
أخطر شيءٍ أن تكتشف أنك لست مفلحاً في الدنيا والآخرة ، الدنيا تنتهي ، والموت ينهي كل شيء ، ينهي قوة القوي ، وينهي غنى الغني ، وينهي وسامة الوسيم ، وينهي صحة الصحيح ، وينهي مرض المريض ، والآخرة عُمْلَتها الرائجة العمل الصالح الخالص لوجه الله ، فإن كان لك عمل صالح ليس لوجه الله ، حبط العمل ، وإن كان عملك ـ لا سمح الله ـ سيئاً ولو أن نيته صالحة لا قيمة له عند الله ، فلا تنسوا هذه الحقيقة : أن يكون خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في الأرض ، وخليفة رسوله ، وخليفة كتابه ))
[ من الجامع لأحكام القرآن عن الحسن ]
وسأل النبي رجل من أصحابه قال : يا رسول الله مَن خير الناس ؟ قال : (( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم لله ، وأوصلهم لرحمه ))
[ من تخريج أحاديث الإحياء عن درة بنت أبي لهب ]
﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 67 )
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 67 )
أيها الإخوة الكرام ... في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾
4 ـ ينبغي تغيير المنكر بمراتبه وضوابطه الشرعية :
هناك حقيقةٌ ينبغي أن تكون واضحةً لديكم ؛ أنت حينما ترى منكراً ينبغي أن تقوِّمه ؛ بيدك إن كنت أميراً ، وبلسانك إن كنت عالماً ، وبقلبك إن كنت ضعيفاً ، فتقويم المنكر باليد من أولى خصائص الأمراء ، وتقويم المنكر باللسان من أولى خصائص العلماء ، وتقويم المنكر بالقلب من صفات الضعفاء ، هذه ناحية .
الناحية الثانية : إذا كنت قادراً على أن تقوِّم المنكر بيدك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بلسانك ، وإن كنت قادراً على أن تقوِّمه بلسانك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بقلبك ، هذه مراتب أيضاً ، وحينما لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر يعمُّنا البلاء ، وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 25 )
والله عزَّ وجل لم يكن ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها ـ قال : مصلحون ، ولم يقل : صالحون ـ الصالح الذي لا يأمر ولا ينهى يهلك ، أما المصلح فهذا الذي ينجو من عذاب الله .
وقال عليه الصلاة والسلام : (( لا يحل لمؤمنٍ أن يذل نفسه ، قالوا : يا رسول الله ، وما إذلال نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يقوم له ))
[ من الجامع لأحكام القرآن عن أبي هريرة ]
أنت لست مكلفاً أن تأمر بمعروفٍ ، أو أن تنهى عن منكرٍ ، وتأتيك مصيبةٌ بعدها لا قِبَل لك بتحمُّلها ، هذا ما كلفك الشرع به ، إن نتج عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تُنكره ففي هذه الحالة يقرر علماء الفقه أنه ليس عليك أن تنكر هذا المنكر ، لأنك لا تتحمل نتائج ما تنكر .
ورد حديث عن أنس بن مالك قال : قيل : يا رسول الله ، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : (( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ، قلنا : يا رسول الله ، وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : المُلك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في أراذلكم ))
[ ورد في الأثر ]
إذا كان العلم في الفُسَّاق ، كإنسان يحمل شهادات عليا ، لكنه فاسق ، فعندئذٍ كما قال عليه الصلاة والسلام : (( ... بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))
[ الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]
وإذا كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تنكره ، عندئذٍ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
وقد ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ، بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
ومن علامات آخر الزمان أن ترتفع النخوة من رؤوس الرجال ، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء ، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء ، فلا رحمة في قلوب الأمراء ، ولا حياء في وجوه النساء ، ولا نخوة في رؤوس الرجال .
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
1 ـ سبب نزول هذه الآية :
ورد في أسباب نزول هذه الآية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المِدْراس على جماعةٍ من يهودٍ فدعاهم إلى الله ، فقال نعيم بن عمرو :
ـ على أي دينٍ أنت يا محمد ؟
ـ فقال النبي : إني على ملة إبراهيم .
ـ فقالا : إن إبراهيم كان يهودياً .
ـ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم .
فأبيا عليه ، فنزلت هذه الآية :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
هؤلاء اليهود الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، والذين يرفضون أن يحتكموا إلى الكتاب ، ما الذي حملهم على ذلك ؟ قال : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾
2 ـ مشابهة المسلمين لليهود في بعض أقوالهم وأفعالهم :
وهؤلاء الذين قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم سيشفع لنا ، ولو فعلنا ما فعلنا ، هذا المرض نفسه ، أنت إما أن تتعلق بالحقائق ، وإما أن تتعلق بالأماني ، والله عزَّ وجل يقول :
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾
( سورة النساء : من الآية 123 )
فاليهود قالوا : ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾
والمسلمون قالوا : نحن أمة محمدٍ مرحومة ، إذاً افعلوا ما تشاؤون ، هذه فِرْيَةٌ ما أنزل الله بها من سلطان ، هذه مقولةٌ قلناها نحن ، لكن الله عزَّ وجل يقول : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19) ﴾
( سورة الزمر )
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ : (( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا ))
[ مسلم ]
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون
1 ـ يخترعون عقائد زائغة ثم يصدقونها :
هم يفترون ما يشاؤون ، ثم يصدِّقون ما يفترون ، شيء مضحك ، إنسان اخترع شيئا ، ثم صدَّقه ، هو اخترع مجموعة عقائد زائغة زائفة فاسدة ، ثم تعلق بها واتخذها حجة ، واطمأن إلى مصيره المستقبلي .
هناك مثل سأضربه لكم : طالب أوهمه زميله الكسول أن المدرس يعطي السؤال قبل يومين من الامتحان مقابل هدية معينة ، فهذا الطالب استراح ، عامٌ بأكمله لم يدرس فيه كلمة ، على أمل أنه قبل الامتحان يذهب إلى المدرس ، ويقدم له هدية ، فيعطيه السؤال ، ما الذي غره في هذا المدرس ؟ كلام صديقه الكسول ، ثم اكتشف فجأةً أن المدرس نزيه جداً وطرده من البيت ، وخسر العام كله .
هذا المثل البسيط لو كبَّرناه ؛ أوهمك رجل أن الله غفور رحيم ، الله لا يدقق ، الله غفور رحيم ، كل أمة محمد مرحومة ، " حط رأسك بين الرؤوس وقل : يا قطاع الرؤوس " ، لا يصير شيء ، ضعها برقبتي ، هذا كلام العوام ، فكيف إذا فوجئت أنك سوف تحاسب عن كل شيء ؛ عن كل بسمة ، وعن كل قرش أكلته حراماً ، وعن كل كلمة لم تكن صواباً ، وعن كل حركة لم تبتغِ به وجه الله ..
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾
( سورة الحجر )
لكن ماذا تفعل بقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
( سورة الزلزلة )
ماذا تفعل بقوله تعالى : ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) ﴾
( سورة الأنبياء )
2 ـ ما الغرور ؟
ماذا تفعل ؟ فيا أيها الإخوة ما الغرور ؟ أن تتوهم عن الله أشياء ليست صحيحة ، هو منزهٌ عنها ، أما الجواب الصاعق :
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
أين الأماني ؟ أين الأحلام ؟ أين التوهُّمات ؟ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
إذاً : معنى قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
3 ـ صحّح اعتقادك إن لم يكن صحيحا :
لذلك أيها الإخوة الكرام ، يا أيها المؤمنون امسحوا عقائدكم ، اعملوا جردًا ، فأية عقيدة لا توافق الكتاب والسنة انبذوها ، وإلا هي مدمرة ، لأن كل خطأ بالاعتقاد يقابله خطأ في السلوك ، لابد من أن تتفحَّص ما ترسَّب في نفسك خلال هذا العمر ، هل هناك عقيدة غير صحيحة ؟ هل هناك غرور معيَّن ؟ هل هناك اغترار بالله ؟ هل هناك حديث موضوع تظنُّه صحيحاً ؟ هل هناك وهم تظنه حقيقةً ؟ لأن هنا مشكلة ..
﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45) ﴾
( سورة الطور )
هناك صعق ، فهم اعتقدوا أنه .. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
كيف يكون حالهم ؟ أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة ، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادَّعوها في الدنيا ؟ وجوزوا بما كسبوا من كفرهم واجترائهم على الله عزَّ وجل ليوم ..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
اخرج من الدنيا وليس لأحدٍ عليك مظلمة في مال وعرض ودمٍ :
تلك الحقيقة المرة فابحث عنها ، وأعرض عن الوهم المريح ، والحساب دقيق ، والله عزَّ وجل عادل ، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
(( كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا ، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ ، فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ : هَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ ، قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[ البخاري ، والنسائي ، وأحمد ]
يغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين ، فتقول لي أنا : أحج وأعود كيوم ولدتني أمي ، أقول لك : لا ، هذا فهم ساذج ، في الحج لا يغفر إلا ما كان بينك وبين الله ، ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة ، تقول لي : أنا صمت رمضان إيماناً واحتساباً ، أقول لك : صيامك لرمضان يغفر لك ما كان بينك وبين الله ، وما كان بينك وبين الناس لا يغفر إلاوالحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
قديمة 22 - 10 - 2014, 22:10
المشاركة 15
صورة 'سيد خليل' الرمزية
سيد خليل
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 16 - 10 - 2012
رقم العضوية : 166016
الدولة : مصر
العمر: 33
المشاركات: 959
افتراضي رد : تفسير سورة أل عمران كامل
التفسير المطول - سورة أل عمران ): تفسير الآيات 20 - 25
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية العشرين ، وهي قوله تعالى :
﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ
1 ـ وجه الله :
( وجهي) أي ذاتي ، وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى :
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
وجه ربك أي ذاته العَليَّة .
ومن أجمل ما قاله المفسرون في تفسير قوله تعالى : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
فكل عمل يعمله ابن آدم إلى زوال إلا عملٌ واحدٌ ابتغى به وجه الله ، هذا الذي يبقى إلى أبد الآبدين ، وهذا الذي يسعده إلى أبد الآبدين ، وهذا الذي يلقى جزاءه في يوم الدين .
إذاً : ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ ﴾
2 ـ فَإِنْ حَاجُّوكَ

الإنسان يستعمل عقله لتغطية انحرافاته :
الإنسان أوتي جدلاً ؛ لأنه أوتي فكراً ، هذا الفكر خلقه الله ليكون أداة معرفته ، قد يستغل لغير ما خُلق له ، قد يستغله الإنسان ليغطِّي انحرافاته ، لذلك الجدل في القرآن مذموم ، وفي السنة أيضاً مذموم ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ))
[ الترمذي ابن ماجه ، أحمد ]
حينما يفكر الإنسان ليبرر ، يفكر ليغطي سلوكه المنحرف ، ليسبغ على سلوكه المنحرف مبررات ، ومسوِّغات معقولة ، إنه يستخدم فكره لغير ما خلق له .
لذلك مرةً جاءني شابٌ وقال لي : أنا ملحد ، قلت له : والله إن كان إلحادك عن منفعةٍ تنتفع بها فلست مستعداً أن أجلس معك ولا دقيقة ، أما إن كان إلحادك عن قناعةٍ بريئةٍ فأنا أجلس معك ، فأقسم لي بالله إنه عن قناعةٍ ، ولا عن انتفاعٍ ، والمنتفع بكفره لن يؤمن .
كنت أضرب مثلاً لعله طريفٌ ، أن إنساناً عنده دابة يعمل عليها ، فلما ماتت بنى عليها بناءً ، وأعطى اسماً لوليٍ من عقله ، من اختراعه ، وجاءه الناس بالهدايا ، والإكرامات ، وعاش في بحبوحةٍ ما بعدها بحبوحة ، هل هناك قوة في الأرض يمكن أن تقنعه أن الذي دفن هنا حمار ؟ أو دابة ؟ لا ، مستحيل ، هو دفنه بيده ، قناعته بأن هذا المدفون دابة أشد من قناعة الذي يجادله ، ولكن هذا الدخل الكبير الذي جاءه بسبب هذه الخدعة ، هذه لن تجعله يقرُّ بالواقع ، هو منتفعٌ بهذا الافتراء ، فالإنسان حينما ينتفع بكذبٍ ، أو بنفاقٍ ، أو له مصلحة هذا لا يناقش ، والأولى ألا تناقشه ، وإلا فلست على علمٍ ، ولست على وعيٍ إطلاقاً ، المنتفع بكفره لا يناقش ، المنتفع بنفاقه لا يناقش ، المنتفع بفكرةٍ معينة ، بطرحٍ معين ، برأيٍ معين ، بمذهبٍ معين ، المنتفع لا يناقش ، لأنه استخدم عقله لغير ما خلق له .
لذلك كلمة الجدل أينما وردت في القرآن ليست ممدوحةً ، بل هي مذمومة : (( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ))
[ الترمذي ابن ماجه ، أحمد ]
والمسلمون حينما تخلفوا عن تطبيق منهج ربهم دخلوا في متاهاتٍ فيما بينهم ، وأوتوا الجدل ، وجُعل بأسهم بينهم ، ويأتون بجزئيَّات الدين ويكبِّرونها ، ويجعلونها أصلاً في الدين ، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا خالفهم أحدٌ في رأيهم ، هذا أيضاً من حب الدنيا .
فلذلك : ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
3 ـ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّه
إنّ حقيقة هذا الدين أن تطيع الله ، حقيقة هذا الدين يغلب عليها الطابع العملي ، طابع التديُّن عملي ، وليس كما يقولون : نظري ، نظرياً هناك أناسٌ كثيرون لهم اهتمامات إسلامية ، لهم ثقافة إسلامية ، يجادلون ، يحاورون ، يناقشون ، ينحازون ، وأحياناً يفعلون المُنكرات من أجل إثبات رأيهم أو اتجاههم ، والله عزَّ وجل يقول :
﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ ﴾
أسلمت ذاتي له ، وخضعت لأمره ، وانصعت لأمره ، وأنا مطبقٌ لأمره . ﴿ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
4 ـ وَمَنْ اتَّبَعَنِ
إذاً : على أي شيء كان النبي وأصحابه ؟ كما ورد في بعض الأحاديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً ، قَالُوا : وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ))
[ الترمذي ]
لذلك أكبر تهمة توجه للمنحرفين عقدياً وسلوكياً أن تقول لهم : أنتم لستم على ما كان عليه النبي وأصحابه .
أول خطبةٍ خطبها الصديق رضي الله عنه قال فيها : << إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> ، أنا متبع ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجة من الرقي يقول : ﴿ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
ثلاث نصائح تكتب على ظفر : اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع ، انفق باعتدال ، لا تسرف ، والمترفون في القرآن الكريم في ثماني مواضع هم كفار : ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة المؤمنون : من الآية 33 )
فاتبع لا تتبع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع . إذا عم النقاش غير الموضوعي فعليك بكتاب الله وسنة رسوله :
أيها الإخوة ، مرة ثانية : هناك عقل صريح ، هذا أداة معرفة الله ، وهناك عقلٌ تبريري ، هذا أداة لتغطية الانحراف ، وما كلُّ فكرٍ تقرأه فكرا صريحا ، قد يكون فكراً تبريرياً ، قد يكون فكراً لتغطية انحرافٍ شديد ، الإنسان منطقي في الأساس ، حتى لو ارتكب جرائم يفلسف هذه الجرائم ، ويجعلها مبررة ، حتى لو أكل أموال الناس بالباطل ، يفلسف هذا الانحراف ، حتى لو كان زير نساءٍ ، له كلامٌ مزينٌ يقوله ، فالعبرة ما جاء به الوحي ، فهناك مقولات لا تنتهي ، هناك طروحات لا تنتهي ، هناك آراء لا تنتهي ، العبرة أن تصطفي من كل هذه المقولات ما جاء به الوحي ، لأنه من عند الله ، ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، القاعدة الثابتة التي لا تتزحزح ، ولا تتزلزل الكتاب والسنة ، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنة رسوله ، هذا منهج ، هذا صراط مستقيم ، هذا حبل الله المتين ، هذه سنة النبيين ، إذا انتشر الجدال ، وعمَّ النقاش السفسطائي ، إذا فشا الحوار غير موضوعي فقل :
﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
فعندنا نقل ، وهو الدين ، وعندنا عقل ، العقل له دورٌ في التأكُّد من صحة النقل قبل أن نقرأ النقل ، وله دورٌ في فهم النقل بعد أن نقرأ النقل ، له دورٌ قبل النقل في التأكد من صحته ، ودورٌ بعد النقل في فهمه ، لكن لن يكون العقل حَكَمَاً على النقل ، لأن العقل قد يخطئ ، وقد يصيب ، وقد يبالغ ، وقد يرتبط بواقع معيِّن ، فكما أن أجدادنا لو قاموا من قبورهم ، ورأوا ما فعله الإنسان من إنجازات لم يصدقوها ، لأن عقولهم وقتها مرتبطة بواقعٍ معين ، لكن حينما يرَوْنَ أن هذه الأشياء المستحيلة أصبحت واقعاً ، إذا أنكروها ما كانوا على صواب ، إذاً : العقل مرتبط بالواقع ، أما النقل فمرتبط بخالق الأكوان بشكلٍ أو بآخر ..
﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ
الأميون هم مشركو العرب :
الأميين هنا أي مشركي العرب ؛ لا دين لهم ، هم على فطرةٍ فيها سذاجة ..
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
( سورة الزمر : من آية " 3 " )
ففي الجزيرة كان هناك مشركون ، وكان هناك أهل كتاب .. ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾
معنى : أَأَسْلَمْتُمْ
المعنى الأول :
أيها الإخوة ... أأسلمتم ، أي أسلِموا ، يعني ألم تسلموا بعد ؟! أأسلمتم ، أي أسلموا ، وماذا تنتظرون ؟ هذا المعنى الأول .
المعنى الثاني :
هو تهديد ، أأسلمتم أم لم تسلموا ؟
أول معنى تقرير ، وفيه معنى الإنشاء ـ الأمر ـ وفيه معنى الاستفهام التقريري ، ألم تسلموا بعد ؟ وفيه معنى الطلب ، أسلموا ، ومعنى التهديد أأسلمتم ، أم لم تسلموا ؟.. ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
1 ـ مهمة الأنبياء التبليغُ والقدوةُ :
الإنسان مخيَّر ، ومهمة الأنبياء تنتهي بالتبليغ ليس غير ، هناك مهمَّتان كبيرتان للنبي الكريم ؛ إحداهما مهمة التبليغ ، وثانيتهما مهمة القدوة ، ولعل مهمة القدوة أخطر ، وأبلغ من مهمة التبليغ ، فأيّ إنسان أوتي فصاحةً ، وبياناً ، وذاكرةً ، وفهماً ، وحفظاً يُبَلِّغ ، لكن الذي يؤثر ، هناك مَن يقنعك ، وهناك من يحملك على اتخاذ موقفٍ معين ، الذي يقنعك فصيحٌ بليغٌ عالم ، أما الذي يحملك على أن تقف موقفاً إيجابياً من الدين فهو القدوة ، لذلك نحن في حاجةٍ ماسةٍ إلى قدوةٍ صالحة .
كيف قيل : إن النبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي ، نحن في حاجةٍ إلى مسلمٍ يتحرَّك أمامنا ، مسلم صادق ، أمين ، عفيف ، طاهر ، منصف ، متواضع ، رحيم ، هذا أبلغ كما كنت أقول لكم دائماً : حالُ واحدٍ في ألف أبلغُ من قول ألفٍ في واحد ، قول ألف رجلٍ فصيحٍ في واحد ربما لا يؤثرون ، وحال إنسانٍ مخلصٍ ، متصلٍ بالله ، وحال واحدٍ أبلغ من قول ألف .
إذاً:
﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا ﴾
لذلك ما كل ذكيٍ بعاقل ، قد تكون متفوِّقاً في اختصاصٍ نادر ، ويدرُّ لك هذا الاختصاص أرباحاً طائلة ، وأنت عند الله لست بعالم ، ولست بعاقل ، مَن هو العاقل ؟ الذي عرف الحقائق الكُبرى ؛ الذي عرف الله عزَّ وجل ، وعرف حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان ، وعرف مهمة الإنسان في الأرض ، وسر وجوده وغاية وجوده ، فإذا عرف ذلك ، وطبق ما عرف ، صار حكيماً ، فالذي يؤتى الحكمة أن تعرف ، وأن تعمل وفق ما عرفت ، فقد أوتي خيراً كثيرا .. ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا ﴾
2 ـ إما هدى وإما ضلال :
ليس هناك إثنينية ، الحق واحد ، فإن لم تكن على الحق ـ لا سمح الله ولا قدر ـ فأنت على الباطل ، إن لم تستجب لله فأنت تتبع الهوى ، أبداً ، لك عقلٌ صافٍ يأمرك أن تؤمن بالله وأن تطيعه ، ولك نزواتٌ ، وشهواتٌ ، وغرائز تأمرك أن تشبعها بأيَّة طريقة ، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل حتماً ، وليس هناك خطٌ ثالث ، فهما خطَّان لا ثالث لهما ؛ أن تكون متبعاً للحق ، وأتباع الحق متوادُّون ، متحابون ، متناصحون ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةً متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششةً متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم ))
[ البيهقي في شعب الإيمان ]
(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا ))
[ أحمد عن ابن عمر ]
لو كنا جميعاً على الحق لكان بيننا من الود والحب الشيء الذي لا يوصف ، وهكذا كان أصحاب النبي رضوان الله تعالى عنهم أجمعين ، كانوا على مودةٍ فيما بينهم ، وكان بأسهم على غيرهم ، أما المسلمون حينما أصابوا ذنوباً كثيرة صار بأسهم بينهم ، وصار دينهم الجَدَل .
الإسلام والله بسيط أيها الإخوة ، الإسلام بسيط جداً ، وينبغي أن نبسِّطه ، هو هواء ينبغي أن نستنشقه دائماً ، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء ، استنشاق الهواء ليس فيه تعقيد ، ولا فاتورة ، ولا عداد ، أينما ذهبت فهناك هواء تستشنقه ، لذلك الدين حاجتنا إليه أساسية جداً ، الإنسان خُلِقَ ضعيفاً ، خلق هلوعاً ، خلق عجولاً ، ما الذي يلغي ضعفه ؟ اتصاله بالله .. ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّين ﴾
( سورة المعارج )
ما الذي يلغي ضعفه ؟ أن يستعين بالله .. وما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقارِ إليك فقري أدفع
* * *
أنت قويٌ بالله ، أنت عالمٌ بالله ، أنت حكيمٌ بالله ، أنت غنيٌ بالله .
أيها الإخوة : ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾
3 ـ من الإسلام التسليم بأحكام الله كلها من غير نقاش :
جميل جداً أن تعلل ، وأن تبيِّن ، وأن توضح ، والأجمل من ذلك أن تتبع ، والمؤمن الصادق لا يعلِّق تطبيقه لأمرٍ من أوامر الله على فهمه ، أو على فهم حكمته ، هو عندئذٍ يعبد نفسه ، هو عندئذٍ لا يعبد ربه ، متى يعبد ربَّه ؟ حينما يثبت له أن هذا أمر الله ، فيطبقه ، فهمه أو لم يفهمه ، اقتنع به ، أو لم يقتنع به ، أحب ذلك ، أو لم يحب ، لأن في اعتقاده أن علة كل أمر أنه أمر .
مرة كنت في جلسة ، نشب جدلٌ طويل بين التعدد ، وعدم التعدد ، الذي يتحدَّث عن التعدد هو تعدد ، يعني تزوج عدة زوجات ، ويقول : هو الأصل ، والذي بقي على زوجة واحدة يقول : لا التوحُّد هو الأصل ، واختلفوا ، قلت كلمةً ، قلت : أنا مرةً سمعت سؤالاً موجهاً إلى أستاذة في الجامعة في مصر عن التعدد ، أجابت إجابةً لم أر إجابةً أكثر وضوحاً وأصوليةً منها ، قالت : كيف لي أن أدلي برأي في التعدد ، وقد سمح الله به ؟ ما دام قد سمح الله به فلا معنى أن أدلي برأيٍ في التعدد .
فالإنسان يجب أن يوطن نفسه على أن يرى أن هذا أمر الله ، انتهى الأمر ، لا يمكن أن يخضع أمراً إلهياً للمناقشة العقلية ، يفكر فيه بعقله ليكتشف إيجابيَّاته فقط ، ليكتشف حكمته ، أما أن يضعه على بساط البحث ليقبله أو ليرفضه ، معاذ الله ، عندئذٍ ليس مؤمنٍ ..
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب : من الآية 36 )
4 ـ تطبيق أحكام الله لابد أن تكو ابتغاء مرضاته :
بالمناسبة ، هناك معنى دقيق جداً ، أنت حينما تكتشف أن هذا الشيء لصالحك تفعله وتضعف درجة العبادة فيه ، وحينما ترى شيئاً يتضارب مع مصالحك ، وتضع قدمك فوق مصالحك ، وتطبق هذا الشيء ابتغاء مرضاة الله ، يرتفع هنا مستوى العبادة في هذا الشيء ، إذاً : دائماً مستوى التعبد يرتفع وينخفض بحسب ما إذا كان هذا الشيء واضحاً جداً أنه لصالحك ، والإنسان إذا قام ونظف أسنانه قبل أن ينام ، هل يشعر أنه يضحي في سبيل الله ؟ لا والله ، هو يصون أسنانه ، لأنه واضح جداً أن صيانة الأسنان لمصلحة الإنسان ، إذاً : إذا قام إلى هذا العمل لا يشعر أنه يعبد الله ، مع أن تنظيف الأسنان من السنة ، لكن درجة التعبد في هذا العمل ضعيفة ، والمصلحة تغلب عليها ، أما حينما يقال لنبيٍ كريم وهو أبو الأنبياء : اذبح ابنك ، وابنه نبيٌ مثله ، وبلغ معه السعي ، وهو فتىً في ريعان الشباب ، ولا يعلم من هو الابن إلا الأب ، فيقول :
﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102) ﴾
( سورة الصافات )
هنا تنتفي المصلحة ، وينتفي المنطق ، فأنت حينما تقبل على تنفيذ أمرٍ تعارض مع مصلحتك ، فآثرت طاعة الله على مصلحتك ، أنت ارتقيت إلى أعلى مستوى في العبودية لله ، فإن فعلت هذا انصياعاً لله ، وامتثالاً لأمره دون أن تكشف حكمته ، الآن ، يكافئك الله على هذا الانصياع ، وعلى هذا التعبُّد أن يكشف لك حكمته ، فتجمع بين مرتبة العلم وبين مرتبة العبادة ، هذا شيءٌ دقيقٌ جداً ، المؤمن لا يعلق أبداً على تطبيق أمرٍ إلهي فهمه لهذا الأمر ، لا يجعل فهمه ، وفهم حكمته ، وتعليله عقبةً أمام التطبيق ، ينطلق من قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب : من الآية 36 )
ولكن يكافئه الله أنه يكشف له ـ كما قيل ـ : " مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " ، يكشف الله له حكمة هذا الأمر فيغدو عابداً عالماً في وقتٍ واحد .
لكن أنا لا أقبل أبداً أن تضع الأمر الإلهي على بساط البحث ، فإذا قبله عقلك طبقته ، وإلا تقول : ما قنعت بهذا الأمر، هذا ليس سلوك المؤمن إطلاقاً .. ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
أنت مع إنسان من جنسك ، لكنه عالم في الطب ، يقول لك : دع الملح ، ربما لا تجد حاجة إلى أن تسأله : لماذا ؟ يقول لك : هكذا قال الطبيب ، أنت لاحظ نفسك مع الخبراء الذين تستأجر خبرتهم ، تنفذ تعليماتهم بدقةٍ بالغةٍ مثيرةٍ للدهشة ، لأنك تعتقد بأنهم خبراء ، لكن مَن هو أخبر الخبراء ؟ قال تعالى : ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) ﴾
( سورة فاطر )
اليوم في خطبة الجمعة ذكرت أن قول النبي الكريم : (( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ، من غض بصره أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ))
[مستدرك الحاكم عن حذيفة ، والطبراني في الكبير ]
لكن النبي قال : (( سهمٌ مسموم من سهام إبليس )) ، فقد يفهم الإنسان أنه تضطرب حياته الاجتماعية والنفسية ، ولكن ثبت أخيراً ببحثٍ علميٍ أجري في البلاد العربية والإسلامية الشقيقة ، ودام هذا البحث عشرين عاماً ، أن الإنسان حينما يُتْبِع النظرة النظرة تجري في دمه هرمونات جنسية ، هذه الهرمونات تبدل نبض القلب ، وتبدل ضغط الدم ، وتبدل وضع البروستات ـ هذه الغدة ـ وتقبض الشُرَيْنات المتوسطة والصغيرة ، وتوسِّع الأوردة المحيطية ، وتبدِّل في كيمياء الدم ، وهناك آثار لا تنتهي في الجهاز الهضمي ، وفي جهاز القلب والدوران ، وفي الجلد ، كيف أن الغدد الدهنية والعرقية تتسع فوهاتها ، فالنتيجة بحث طويل ، تبيَّن أن النظرة إلى المرأة الأجنبية التي لا تحل لك ، إذا أتبعتها نظرةً ونظرةً ، فكأن هناك سمومًا تجري في دمك دون أن تدري ، ولها أثرٌ في القلب والأوعية ، وفي الجلد ، وفي بعض الغدد ، وما إلى ذلك ، فهذا كلام النبي ليس من عنده .. ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾
( سورة النجم )
﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
أنت بلِّغ ، وعلى الله الباقي ، أنت إن بلَّغت أديت الذي عليك ، وبقي الذي لك .
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ
1 ـ معنى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ
سؤال جدلي : فلو أنهم قتلوا النبيين بحق أعليهم وزر ؟ هذا مرفوض ، هذا السؤال ، لأن هذا ليس قيداً احترازياً ـ كما يقول علما الأصول ـ هذا قيد وصفي ، يعني أنّ أيَّ قتلٍ للنبي هو بغير الحق ، ليس قيداً احترازياً ، إنما هو قيدٌ وصفي ، ومن شأن قتل الأنبياء أن يكون بغير الحق ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾
2 ـ الكفر بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية :
وآيات الله كما تعلمون ، آيات الله الكونية الدالة على عظمته ، وآيات الله القرآنية الدالة على علمه ، وآيات الله الفعلية الدالة على حكمته ، فحينما يكفر الإنسان بها أي لا يعبأ بها ، ولا يتخذها وسيلةً لمعرفة الله عزَّ وجل ، وبالمقابل هذا الذي أمره ونهاه ، وهذا الذي أعطاه منهجاً ، يتوهَّم أن هذا المنهج سيحدُّ من حركته ، ويلغي حريته في الحركة ، مثل هذا الإنسان ، كما قال الله عزَّ وجل ، يكفر بآيات الله ويقتل النبيين بغير بحق ، بل ..
﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
لا أَحَدَ أشقى ممّن يقف ضد الحق :
فلا أرى أن في الأرض أشقى ممن يقف ضدَّ الحق ، ممن يقف معادياً لأهل الحق ، ممن يكون في خندقٍ مضادٍ لخندق المؤمنين ، هذا أشقى إنسان على الإطلاق أن تكون مناهضاً للحق وأهله ، أن تكون عدواً للمؤمنين ، أن تكون عدواً لوحي السماء ، هؤلاء أشقى الناس على الإطلاق ، وأذَكِّر بقوله تعالى :
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4) ﴾
( سورة التحريم )
هما امرأتان ؛ حفصة وعائشة ، لهما شأنٌ مع رسول الله ، فالردُّ كان : ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ ﴾
في حياتنا المادية أيعقل أن امرأتين انتقدتا النظام يستنفر الجيش كله ، والقوى الجوية كلها ، والقوى البحرية كلها ، والقوى البرية كلها ، وكل أفراد الشرطة ؟ غير معقول ، فما معنى الآية ؟ قال الله عزَّ وجل : إن أردت أن تكون عدواً للحق ، مناهضاً له ، فاعلم مَن هو الطرف الآخر ، الطرف الآخر هو الله ، ورسوله ، وجبريل ، والملائكة ، وصالح المؤمنين .
إذاً : أشقى إنسان على الإطلاق هو الذي يناهض الحق وأهله ، هو الذي يعادي الله ورسوله ، هو الذي يؤذي المؤمنين ، هو الذي يبني مجده على أنقاضهم ، هذا إنسان من أشقى البشر .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
يقول عليه الصلاة والسلام : (( بئس القوم قومٌ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، بئس القوم قومٌ لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، بئس القوم قومٌ يمشي المؤمن بينهم بالتقيَّة ))
[ فيض القدير عن ابن مسعود ]
بئس هؤلاء ، بئس القوم قومٌ خافهم المؤمن ، بئس القوم قومٌ مشى بهم المؤمن بالتقية ، يخاف أن يعلن إيمانه ، بئس القوم قومٌ يقتلون المؤمنين ، يقتلون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين
1 ـ المسلم بعمله الصالح :
مَن أنت ؟ أنت عملك الصالح ، بعملك الصالح تسلم وتسعد وترقى ، فإن كان عملك سيِّئاً أنت أشقى الناس ، هكذا :
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾
2 ـ هكذا يحبط العمل :
أي أن عملهم صار شريراً ، طابعه الشَر ، أو عملهم مقبول ، لكن نواياهم ليست سليمة ، أنت قد تكون بعمل ظاهره مقبول ، لكن النوايا دنيوية ، النوايا شهوانية ، النوايا مكاسب ، فحينما تكون النية سيئةً يُحْبَط العمل ، أو حينما يكون العمل سيئاً لا قيمة لنيته ، فشرطان كلٌ منهما لازمٌ غير كافٍ ؛ ينبغي أن يكون عملك صواباً ، وفق منهج رسول الله ، وينبغي أن يكون عملك خالصاً لوجه الله ، فإن فعلت هذا وذاك ، كان الله معيناً لك..
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴾
عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ ابن ماجه ]
3 ـ أخطر شيءٍ أن تكتشف أنك لست مفلحاً في الدنيا والآخرة :
أخطر شيءٍ أن تكتشف أنك لست مفلحاً في الدنيا والآخرة ، الدنيا تنتهي ، والموت ينهي كل شيء ، ينهي قوة القوي ، وينهي غنى الغني ، وينهي وسامة الوسيم ، وينهي صحة الصحيح ، وينهي مرض المريض ، والآخرة عُمْلَتها الرائجة العمل الصالح الخالص لوجه الله ، فإن كان لك عمل صالح ليس لوجه الله ، حبط العمل ، وإن كان عملك ـ لا سمح الله ـ سيئاً ولو أن نيته صالحة لا قيمة له عند الله ، فلا تنسوا هذه الحقيقة : أن يكون خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في الأرض ، وخليفة رسوله ، وخليفة كتابه ))
[ من الجامع لأحكام القرآن عن الحسن ]
وسأل النبي رجل من أصحابه قال : يا رسول الله مَن خير الناس ؟ قال : (( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم لله ، وأوصلهم لرحمه ))
[ من تخريج أحاديث الإحياء عن درة بنت أبي لهب ]
﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 67 )
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 67 )
أيها الإخوة الكرام ... في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾
4 ـ ينبغي تغيير المنكر بمراتبه وضوابطه الشرعية :
هناك حقيقةٌ ينبغي أن تكون واضحةً لديكم ؛ أنت حينما ترى منكراً ينبغي أن تقوِّمه ؛ بيدك إن كنت أميراً ، وبلسانك إن كنت عالماً ، وبقلبك إن كنت ضعيفاً ، فتقويم المنكر باليد من أولى خصائص الأمراء ، وتقويم المنكر باللسان من أولى خصائص العلماء ، وتقويم المنكر بالقلب من صفات الضعفاء ، هذه ناحية .
الناحية الثانية : إذا كنت قادراً على أن تقوِّم المنكر بيدك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بلسانك ، وإن كنت قادراً على أن تقوِّمه بلسانك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بقلبك ، هذه مراتب أيضاً ، وحينما لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر يعمُّنا البلاء ، وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 25 )
والله عزَّ وجل لم يكن ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها ـ قال : مصلحون ، ولم يقل : صالحون ـ الصالح الذي لا يأمر ولا ينهى يهلك ، أما المصلح فهذا الذي ينجو من عذاب الله .
وقال عليه الصلاة والسلام : (( لا يحل لمؤمنٍ أن يذل نفسه ، قالوا : يا رسول الله ، وما إذلال نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يقوم له ))
[ من الجامع لأحكام القرآن عن أبي هريرة ]
أنت لست مكلفاً أن تأمر بمعروفٍ ، أو أن تنهى عن منكرٍ ، وتأتيك مصيبةٌ بعدها لا قِبَل لك بتحمُّلها ، هذا ما كلفك الشرع به ، إن نتج عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تُنكره ففي هذه الحالة يقرر علماء الفقه أنه ليس عليك أن تنكر هذا المنكر ، لأنك لا تتحمل نتائج ما تنكر .
ورد حديث عن أنس بن مالك قال : قيل : يا رسول الله ، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : (( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ، قلنا : يا رسول الله ، وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : المُلك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في أراذلكم ))
[ ورد في الأثر ]
إذا كان العلم في الفُسَّاق ، كإنسان يحمل شهادات عليا ، لكنه فاسق ، فعندئذٍ كما قال عليه الصلاة والسلام : (( ... بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))
[ الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]
وإذا كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تنكره ، عندئذٍ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
وقد ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ، بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
ومن علامات آخر الزمان أن ترتفع النخوة من رؤوس الرجال ، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء ، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء ، فلا رحمة في قلوب الأمراء ، ولا حياء في وجوه النساء ، ولا نخوة في رؤوس الرجال .
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
1 ـ سبب نزول هذه الآية :
ورد في أسباب نزول هذه الآية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المِدْراس على جماعةٍ من يهودٍ فدعاهم إلى الله ، فقال نعيم بن عمرو :
ـ على أي دينٍ أنت يا محمد ؟
ـ فقال النبي : إني على ملة إبراهيم .
ـ فقالا : إن إبراهيم كان يهودياً .
ـ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم .
فأبيا عليه ، فنزلت هذه الآية :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
هؤلاء اليهود الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، والذين يرفضون أن يحتكموا إلى الكتاب ، ما الذي حملهم على ذلك ؟ قال : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾
2 ـ مشابهة المسلمين لليهود في بعض أقوالهم وأفعالهم :
وهؤلاء الذين قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم سيشفع لنا ، ولو فعلنا ما فعلنا ، هذا المرض نفسه ، أنت إما أن تتعلق بالحقائق ، وإما أن تتعلق بالأماني ، والله عزَّ وجل يقول :
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾
( سورة النساء : من الآية 123 )
فاليهود قالوا : ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾
والمسلمون قالوا : نحن أمة محمدٍ مرحومة ، إذاً افعلوا ما تشاؤون ، هذه فِرْيَةٌ ما أنزل الله بها من سلطان ، هذه مقولةٌ قلناها نحن ، لكن الله عزَّ وجل يقول : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19) ﴾
( سورة الزمر )
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ : (( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا ))
[ مسلم ]
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون
1 ـ يخترعون عقائد زائغة ثم يصدقونها :
هم يفترون ما يشاؤون ، ثم يصدِّقون ما يفترون ، شيء مضحك ، إنسان اخترع شيئا ، ثم صدَّقه ، هو اخترع مجموعة عقائد زائغة زائفة فاسدة ، ثم تعلق بها واتخذها حجة ، واطمأن إلى مصيره المستقبلي .
هناك مثل سأضربه لكم : طالب أوهمه زميله الكسول أن المدرس يعطي السؤال قبل يومين من الامتحان مقابل هدية معينة ، فهذا الطالب استراح ، عامٌ بأكمله لم يدرس فيه كلمة ، على أمل أنه قبل الامتحان يذهب إلى المدرس ، ويقدم له هدية ، فيعطيه السؤال ، ما الذي غره في هذا المدرس ؟ كلام صديقه الكسول ، ثم اكتشف فجأةً أن المدرس نزيه جداً وطرده من البيت ، وخسر العام كله .
هذا المثل البسيط لو كبَّرناه ؛ أوهمك رجل أن الله غفور رحيم ، الله لا يدقق ، الله غفور رحيم ، كل أمة محمد مرحومة ، " حط رأسك بين الرؤوس وقل : يا قطاع الرؤوس " ، لا يصير شيء ، ضعها برقبتي ، هذا كلام العوام ، فكيف إذا فوجئت أنك سوف تحاسب عن كل شيء ؛ عن كل بسمة ، وعن كل قرش أكلته حراماً ، وعن كل كلمة لم تكن صواباً ، وعن كل حركة لم تبتغِ به وجه الله ..
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾
( سورة الحجر )
لكن ماذا تفعل بقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
( سورة الزلزلة )
ماذا تفعل بقوله تعالى : ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) ﴾
( سورة الأنبياء )
2 ـ ما الغرور ؟
ماذا تفعل ؟ فيا أيها الإخوة ما الغرور ؟ أن تتوهم عن الله أشياء ليست صحيحة ، هو منزهٌ عنها ، أما الجواب الصاعق :
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
أين الأماني ؟ أين الأحلام ؟ أين التوهُّمات ؟ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
إذاً : معنى قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
3 ـ صحّح اعتقادك إن لم يكن صحيحا :
لذلك أيها الإخوة الكرام ، يا أيها المؤمنون امسحوا عقائدكم ، اعملوا جردًا ، فأية عقيدة لا توافق الكتاب والسنة انبذوها ، وإلا هي مدمرة ، لأن كل خطأ بالاعتقاد يقابله خطأ في السلوك ، لابد من أن تتفحَّص ما ترسَّب في نفسك خلال هذا العمر ، هل هناك عقيدة غير صحيحة ؟ هل هناك غرور معيَّن ؟ هل هناك اغترار بالله ؟ هل هناك حديث موضوع تظنُّه صحيحاً ؟ هل هناك وهم تظنه حقيقةً ؟ لأن هنا مشكلة ..
﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45) ﴾
( سورة الطور )
هناك صعق ، فهم اعتقدوا أنه .. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
كيف يكون حالهم ؟ أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة ، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادَّعوها في الدنيا ؟ وجوزوا بما كسبوا من كفرهم واجترائهم على الله عزَّ وجل ليوم ..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
اخرج من الدنيا وليس لأحدٍ عليك مظلمة في مال وعرض ودمٍ :
تلك الحقيقة المرة فابحث عنها ، وأعرض عن الوهم المريح ، والحساب دقيق ، والله عزَّ وجل عادل ، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
(( كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا ، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ ، فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ : هَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ ، قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[ البخاري ، والنسائي ، وأحمد ]
يغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين ، فتقول لي أنا : أحج وأعود كيوم ولدتني أمي ، أقول لك : لا ، هذا فهم ساذج ، في الحج لا يغفر إلا ما كان بينك وبين الله ، ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة ، تقول لي : أنا صمت رمضان إيماناً واحتساباً ، أقول لك : صيامك لرمضان يغفر لك ما كان بينك وبين الله ، وما كان بينك وبين الناس لا يغفر إلاوالحمد لله رب العالمين
منتديات اسلاميه وترفيهيه
ومواضيع متجدده
منتديات زهرة الصبار
وايضا اضف موقعك بالديل والتفعيل فورى
واكسب زوار وارشفه لموقعك
أضغط هنا للدليل
 
اضافة رد
 

مؤثر - القبر ماذا أعددت له يا صاحبي ؟ دعاء اليوم التاسع عشر من شهر رمضان - ادعية رمضانية

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق العرض


الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 02:36.
المعهد غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي معهد ترايدنت ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

جميع الحقوق محفوظة Traidnt 2019
  • 00966138651070
  • 00966138648289
  • 2051033691
Powered by vBulletin® Version 3.8.11 .Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.