×

من أحكام الاعتكاف

محاضرة قيمة للدكتور عبدالعزيز الريس بعنوان (من أحكام الاعتكاف) ذكر جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بالاعتكاف ، حري بمن رام إصابة سنة الاعتكاف أن يطالعها
صورة '2-max.net' الرمزية
قديمة 07 - 07 - 2013, 12:53
المشاركة 1
محاضرة قيمة للدكتور عبدالعزيز الريس
بعنوان (من أحكام الاعتكاف)
ذكر جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بالاعتكاف ، حري بمن رام إصابة سنة الاعتكاف أن يطالعها .
من عناصرها :
1- حكم الاعتكاف ، وحقيقة الاعتكاف .*
2- الحكمة من الاعتكاف .
3- شروط الاعتكاف .
4- الاعتكاف في الغرف التابعة للمسجد
5- الخروج لرحبة المسجد.*
6-الاشتراط في الاعتكاف.*
7- مدة الاعتكاف.*
8- مبطلات الاعتكاف.*
9- وقت دخول المعتكَف .
10- متى يخرج من المعتكَف؟
ومسائل أخرى .






من أحكام الاعتكاف
*
*
*
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد
فهذا تفريغ لدرس (من أحكام الاعتكاف) الذي ألقيته قبل يومين بمكة – شرفها الله – جزى الله الذي فرغه ونسقه خيراً، وقد راجعته على عجالة *وأصله درس مسموع موجود في موقع الإسلام العتيق
من أحكام الاعتكاف - شبكة الإسلام العتيق
*
اسأل الله أن ينفع به ويتقبله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
د. عبد العزيز بن ريس الريس
20 / 9 / 1433 هـ
*
*
*
*
*
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد :
ففي اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك من عام ثلاث وثلاثين وأربع مئة وألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي مدينة مكة - أعزها الله بالتوحيد والسنة- ، ألتقيكم في درس مختصر بعنوان ( من أحكام الاعتكاف ) .
*
[ حكم الاعتكاف ]
إن الاعتكاف سنة قام بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وداوم عليها أزواجه بعده ، كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان إذا دخل العشر اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما توفاه الله اعتكف أزواجه من بعده". فهي سنة محبوبة إلى الله سبحانه .
والاعتكاف ليس واجبا بإجماع أهل العلم، كما ذكره ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم والقرطبي والنووي وابن عبد البر وغيرهم من أهل العلم ، وإنما هو مستحب .
*
[ الحكمة من الاعتكاف ]
والحكمة من الاعتكاف خلو القلب إلا من الله سبحانه، وعدم انشغال القلب إلا بالله، وأن لا يتعلق بغيره سبحانه ، هذه من أعظم حِكم الاعتكاف ، وكان اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر لفضيلتها ، ولأن فيها ليلة القدر ، فكان يعتكف حتى يدرك هذه العشر ليلا ونهارا ، بقلب عاكف على الله وحده ، لذا تكلم الإمام ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد على سنة الاعتكاف وبين أن حقيقة الاعتكاف اعتكاف القلب ، وليس اعتكاف البدن فحسب ، ثم بين أن اعتكاف البطالين هو اعتكاف البدن ، الذين يجعلون أوقات وأماكن الاعتكاف للقيل والقال والأكل والشرب .
لذا يا إخواني في ظني أن سنة الاعتكاف مهجورة ، وأعني به الاعتكاف الحقيقي ، الذي هو اعتكاف القلب لله سبحانه وتعالى ، هذه السنة والله أعلم مهجورة ، كثر الذين يعتكفون بأبدانهم ، لكن قل الذين يعتكفون حقيقة بقلوبهم ، فلا يقبلون إلا على الله ، ولا ينشغلون إلا بالله سبحانه وتعالى ، وصارت كثير من مجامع الاعتكاف مجامعَ تعارف وقيل وقال وأكل وشرب ، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعاملنا برحمته وهو أرحم الراحمين .
*
*
*
*
[ شروط الاعتكاف ]
وإن للاعتكاف شروطا ذكرها أهل العلم ،وهي:
الشرط الأول : الإسلام فلا يصح الاعتكاف من الكافر لقوله تعالى { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } .
الشرط الثاني : العقل .
الشرط الثالث : التمييز .
الشرط الرابع : النية .
وهذه الشروط يكثر ذكرها في كثير من العبادات ، ويكثر ذكر الفقهاء لها ولأدلتها ، وأدلتها معروفة .
لكن الشرط الخامس : عدم ما يوجب الغسل ، معنى هذا : لا يصح لامرأة أن تعتكف وهي حائض أو وهي نفساء ، لأن الحائض لا يجوز لها أن تمكث في المسجد ، وحقيقة الاعتكاف ملازمة للمسجد ، والذي يدل على حرمة مكوث الحائض في المسجد آثار الصحابة كابن عمر - رضي الله عنه - قال "ولا تقرب الحائض المسجد حتى تطهر" خرجه مالك في الموطأ بإسناد صحيح .
وأيضا على هذا إجماع أهل العلم كما حكى الإجماع ابن قدامة وغيره .
ومثل الحائض النفساء ؛ فإن الأصل في أحكام النفساء أنها أحكام الحائض بإجماع أهل العلم ، كما بين هذا ابن قدامة ، إلا إذا وجد دليل يستثني النفساء عن الحائض ؛ لذا الحائض والنفساء لا يصح لها أن تعتكف .
أما من عليه جنابة سواء كان رجلاً أو امرأة فمثل هؤلاء يصح لهم أن يعتكفوا بشرط أن يتوضؤوا ؛ لأنه على أصح أقوال أهل العلم كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - أنه يصح للجُنب أن يمكث في المسجد بشرط أن يتوضأ ، لما ثبت عند ابن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور وغيرهم عن زيد بن أسلم قال "كانوا يجلسون في المسجد إذا كانوا جنبا إذا توضؤوا " فدل هذا على أن الصحابة - رضي الله عنهم - يمكثون في المسجد إذا كانوا جنبا لكنهم متوضؤون ، أما إذا لم يتوضؤوا لم يصح للجنب أن يمكث في المسجد ، فعلى هذا يصح للجنب أن يعتكف بشرط أن يتوضأ ، ومتى ما تهيأ له ذهب واغتسل لرفع جنابته .
الشرط السادس : لا بد أن يكون الاعتكاف في المسجد ، ويدل لهذا قوله تعالى { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } فلابد للاعتكاف أن يكون في المسجد؛ لأن حقيقة الاعتكاف : لزوم المسجد بنية ، أي بنية الاعتكاف ، وقد ذكر أهل العلم أن الرجال لا يجوز لهم إلا أن يعتكفوا في المساجد، وهذا بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن قدامة وغيره من أهل العلم ، ويدل لذلك قوله تعالى { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد }
أما المرأة فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يصح للمرأة أن تعتكف إلا في المسجد ، نعم يصح للمرأة أن تعتكف والاعتكاف مستحب للمرأة إذا كان المكان آمنا وساترا ، لكن لا يصح للمرأة أن تعتكف إلا في المسجد ، خلافا لأبي حنيفة الذي ذهب إلى أنه يصح للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها ، والصواب ما ذهب إليه جماهير أهل العلم -كما هو قول مالك والشافعي وأحمد- أنه لا يصح للمرأة أن تعتكف إلا في المسجد ، وذكر ابن تيمية أثرا عن ابن عباس وجوَّد إسناده أنه قال "اعتكاف المرأة في بيتها بدعة " فدل هذا على أنه لا يصح للمرأة أن تعتكف في بيتها ، وإنما هي كالرجال لا يصح لها أن تعتكف إلا في المسجد .
*
[ المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف ]
لكن تنازع العلماء ما المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف ؟ فلو أن رجلا أقام مسجدا وأوقفه لله ؛ لأن ضابط المسجد ما أُوقف لله على أنه مسجد كما هو ظاهر كلام المذاهب الأربعة أن ضابط المسجد : ما بُني و أوقف لله ، فلو أن رجلا بنى مسجدا وأوقفه لله ، لكن لم تُصل فيه الجماعة لأي سبب كان، كأن يكون في مكان لا يوجد حوله من يصلي فيه أو لتوه بني أو لأي سبب كان، هل يصح الاعتكاف في هذا المسجد أو لا يصح ؟
تنازع العلماء في ضابط المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه على أقوال:
1- منهم من ذهب الى أنه يُعتكف في أي مسجد ولو لم يُصلى فيه، بما أنه مسجد، وتمسكوا بقوله تعالى( وأنتم عاكفون في المساجد) فقالوا: الألف واللام لاستغراق الجنس، تشمل المساجد جميعا ، وإلى هذا ذهب مالك وهو قول للشافعي -رحمه الله-.
2- ومنهم من قال: إنه خاص بالمسجد الذي تقام فيه الجمعة، والذي لا تقام فيه الجمعة لا يصح الاعتكاف فيه، وإلى هذا ذهب الشافعي -رحمه الله- في قول ، وهو ظاهر قول الزهري -رحمه الله-.
3- ومنهم من قال: يصح الاعتكاف في المسجد ولو لم تُصل فيه الجمعة، لكن بشرط أن تقام فيه الجماعة، وهذا قول الإمام أحمد -رحمه الله- ، وهو ظاهر قول أبي حنيفة -رحمه الله- . وهذا هو أصح الأقوال ، ويدل لذلك فتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كما أخرجه الإمام أحمد في مسائله ، وهو ثابت عنه وجوَّد إسناده ابن مفلح قال: "لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة" فدل هذا على أنه لابد لما يُعتكف فيه من المساجد أن تقام في المسجد الجماعة.
أما القول بأنه يشترط أن تقام فيه الجمعة هذا فيه نظر ؛ لما ثبت عن علي رضي الله عنه عند عبد الرزاق أنه قال: "لا بأس للمعتكف أن يخرج ليشهد الجمعة" يدل هذا على أنه يصح له أن يعتكف في مكان ليست فيه جمعة، وثبت نحوه عند ابن عبد البر في التمهيد عن عمرو بن حُريث -وهو صحابي جليل- قال مثل ما قال علي رضي الله عنه وأرضاه. لذا الأظهر والله أعلم أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، وقد حكى ابن تيميه اجماع الصحابة على أنه لا يصح الاعتكاف في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة كما ذكر هذا في شرحه على العمدة رحمه الله فإن قيل الله يقول( ولاتباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) الألف واللام لاستغراق الجنس يشمل المساجد جميعا.
*
فيقال : فهم الصحابة خصص هذا اللفظ العام، وقول الصحابي حجه إذا لم يخالفه صحابي آخر. فهو يخصص اللفظ العام ويقيد اللفظ المطلق ويبين اللفظ المجمل ، كما قرر هذا تقريرا بديعا الإمام ابن القيم في المجلد الرابع من كتابه(اعلام الموقعين) وبين أن قول الصحابي حجة ، ونقل هذا عن أئمة المذاهب الأربعه وعن إسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام، وفي المسألة تفصيل ، لكن المقصود أن الصحابة فهموا ما تقدم ذكره ، وفهمهم يخصص اللفظ العام .
[ الاعتكاف في سطح المسجد ]
ومما يتعلق بما تقدم: يشكل أحيانا عند بعض الناس اعتكافه في سطح المسجد،
هل سطح المسجد تبع للمسجد ، فيصح للمعتكف أن يعتكف فيه ، أو أن يصلي فيه ؟ وهذا يتصور كثيرا في مثل المسجد الحرام والمسجد النبوي، فهل يصح للمعتكف أن يذهب إلى سطح المسجد إذا اعتكف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي؟ حكى ابن قدامة رحمه الله إجماع أهل العلم على أن سطح المسجد تابع للمسجد، وخالف بعض المالكية وهم محجوجون بالإجماع السابق.
*
[ الاعتكاف فيما زيد من المسجد ]
وأيضا مما يتعلق بالمسجد ما زيد من المسجد، يعني لو كان المسجد في حجم معين في مساحة معينة فزِيد في بنايته، هل ما زيد في بنايته يعتبر تبعا للمسجد؟
وهذا يتصور بوضوح في مثل المسجد الحرام والمسجد النبوي، فإن المسجد النبوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان أصغرَ منه من عهد عثمان ، وعثمان زاد فيه ، وكذلك عمر زاد فيه.
فهل ما زيد يدخل في حكم المسجد؟ حكى ابن تيمية في مواضع من مجموع الفتاوى أن ما زيد من المسجد داخل في حكم المسجد باتفاق السلف، ويدل على هذا صنيع الصحابة فإنهم ما كانوا يتحرجون أن يأتوا في المكان الذي زيد من المسجد ، بل الجميع يسمى مسجدا ، وخالف بعض المتأخرين لكنهم محجوجون بالإجماع السابق وبما عليه السلف الصالح.
*
[ رقي المعتكف لمنارة المسجد ]
وترد هاهنا مسألة ذكرها أهل العلم :
هل يصح للمعتكف أن يرقى منارة المسجد؟ سابقا كان المؤذن يؤذن على منارة المسجد، فهل لو اعتكف المؤذن يصح له أن يصعد على منارة المسجد فيؤذن؟
ذكر العلماء أن منارة المسجد تبع للمسجد إذا كانت متصلة بالمسجد ولها باب على المسجد ، كما قرر هذا الحنابلة وغيرهم .
*
[ الاعتكاف في الغرف التابعة للمسجد ]
وتتفرع على هذا مسألة وهي- ما نراه في زمننا هذا كثيرا- الغرف التي تكون تابعة للمسجد ، أحيانا تكون غرفة مبنية جانب المسجد ، هل مثل هذه يقال إنها مسجد بمعنى يصح الاعتكاف فيها ، وإذا دخلها أحد فلا يجلس إلا بعد أن يصلي تحية المسجد ؟
فقد شاع الاعتكاف في زماننا هذا في أمثال هذه الغرف ؟
الذي قرره الحنابلة أنه يصح الاعتكاف فيما اتصل بالمسجد إذا كان له باب على المسجد كما بيّن هذا ابن مفلح في كتابه الفروع ، لأنه إذا كان لها باب على المسجد فإنها تكون متصلة بالمسجد ، أما لو لم يكن لها باب على المسجد لكانت مستقلة عن المسجد .
فلأجل هذا إذا كان لهذه الغرف باب على المسجد فإنها تبع للمسجد .
*
[ خروج المعتكف لرحبة المسجد ]
وأيضاً تُذكر مسألة وهي: هل يصح للمعتكف أن يذهب إلى رحبة المسجد؟
والمراد برحبة المسجد: يعني ما يحيط بالمسجد .
قرر العلماء - وهذا هو أصح أقوال أهل العلم - أن رحبة المسجد تبع للمسجد بشرط أن تُحاط ، أن يكون هناك سور ، أو ما يحيط بها ، بأن تكون محوطة ، كما قرر هذا الشافعي وهو قول عند الحنابلة ؛ لأنه إذا أحيطت وصارت محاطة صارت تبعا للمسجد، وهذا يتصور في مثل الآن المسجد الحرام إذا خرجت من باب الملك عبد العزيز - رحمه الله- و الملك فهد -رحمه الله- تجد هناك رحبة ، لكنها ليست محوطة فمثل هذه لا يصح للمعتكف أن يخرج فيها.
لكن في المسجد النبوي تجد رحبة تحيط بالمسجد ، لكنها محاطة ، تجدون سورا قد يفتح وقد يغلق لو شاءوا ، فمثل هذه الرحبة فإنه يصح للمعتكف أن يخرج فيها وأن يأكل فيها وأن يجلس لأنها تبع للمسجد ، فمن أراد أن يجلس فيها وقد جاء من الخارج فإنه يستحب له قبل أن يجلس أن يصلي تحية المسجد .
إذاً : رحبة المسجد لها حالتان :
1- إما أن تكون محاطة .
2- أو ألا تكون محاطة بسور .
فإن كانت الرحبة محاطة بالسور فإنه يصح الاعتكاف فيها ، أو بما يدل على أنه تبع للمسجد .
الشرط السابع : ألا وهو الصوم ؛ فيشترط للمعتكف أن يكون صائما ، على أصح قولي أهل العلم كما ذهب إلى هذا أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية ، ويدل لهذا فتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أفتى بـهذا ابن عمر ، وأفتت بهذا عائشة ، وأفتى به ابن عباس -رضي الله عنهم- .
وجاء عن ابن عباس قول آخر لكن لا يصح عنه ، وإنما الثابت عن ابن عباس أنه "لا اعتكاف إلا بصوم" . فقد أفتى به ثلاثة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى هذا ذهب ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله ورحم الله جميع أئمة الإسلام- .
إذاً : لا يصح للمعتكف أن يعتكف إلا أن يكون صائما ، وقد يُعترض على هذا بأشياء: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى اعتكافه في شوال ولم يُنقل أنه صام .
يقال: صحيح لم ينقل أنه صام وأيضا لم ينقل أنه لم يصم، فمحتمل ، فكيف تُرد الفتاوى الصريحة بالأدلة المحتملة . ومثل ذلك لما نذر عمر -كما في البخاري- أن يعتكف في الجاهلية 'يوما' وفي رواية 'ليلة' لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوف بـنذرك" قالوا: لم يقل له : صم .
يقال : إن عمر لم يسأله عن الصيام وإنما سأله عن : هل يصح له بأن يفي بنذره الذي نذره ؟
يعني نذر أن يعتكف ، هل يصح له أن يفي بهذا النذر ؟
هل لقائل أن يقول: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بـنذرك، أي: اعتكف في بيتك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له: اعتكف في المسجد ؟ أو يقال : أجابه على قدر سؤاله، وعمر ممن يعلم الأحكام الشرعية.
*
وينبغي أن تعلموا إخواني أن الظاهرية ومن تأثر بهم هم الذين يتوسعون في مثل هذه الاستدلالات ، ذُكر كذا ولم يذكر كذا . وقد رد على هذا ابن رجب وذكر قاعدة نفيسة وقريب منه كلام الشاطبي رحمه الله أو كلام ابن القيم في إغاثة اللهفان ، ذكروا أن الحديث إذا سيق لحكم فإنه لا يُتوسع في الحديث، ويقال : لماذا لم يُذكر كذا ولم يذكر كذا .
وإنما سيق لأمر، إذن يقُتصر على هذا الأمر الذي سيق من أجله ، وإلا على هذا سنتوسع في الاستصحاب، وسنتوسع في عدم ذكر كذا وكذا في حالة كذا مع أن الحكم ما سيق لأجل ذاك .
وقد بين ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين أن على الظاهرية أربعة مآخذ : ذكر منها أنهم يتوسعون في الاستصحاب ؛ لذلك لا يصح لنا أن نتوسع في الاستصحاب ، وإنما يُجعل كل حكم لما وضع له ولما سيق له .
هذه سبعة شروط للاعتكاف، وبعد هذا أذكر مسألة مهمة:
*
[ مدة الاعتكاف ]
أما أكثر الاعتكاف فلا حدَّ له بإجماع أهل العلم ، كما حكى الإجماع الحافظ ابن حجر رحمه الله .
يعني: لو أراد رجل أن يعتكف مئة يوم أو ألف يوم ، لا حد لأكثر الاعتكاف .
أما أقل الاعتكاف فقد تنازع العلماء فيه، وأصح الأقوال والله أعلم : أنه يصح الاعتكاف ولو ساعة ولو وقتا قليلا ، إذا نويت الاعتكاف صح لك الاعتكاف ، بشرط أن تكون صائما وبالشروط التي تقدم ذكرها، ويدل لذلك ما ثبت عند عبد الرزاق عن يعلى بن أمية قال:"إني لأمكث في المسجد ساعة لا أمكث إلا لأجل أن أعتكف" فهذا الأثر الثابت عن يعلى يدل على أنه يصح للمعتكف أن يعتكف ولو ساعة، و'ساعة' في لغة الأولين ليست مثلنا محددة بستين دقيقة ، وإنما بوقت قل أو كثر ، وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد في رواية، لكن بين ابن تيمية أمرا مهما ، ألا وهو أنه لا يصح للرجل كلما دخل المسجد قال: أنوي الآن الاعتكاف ، وبين أن هذا بدعة ، ولم يفعله السلف الأولون ، كما ذكر هذا في المجلد السابع من مجموع الفتاوى . لكن متى تعتكف؟ تقول دخلت وأنت صائم ودخلت تريد أن تقرأ القرآن وأنت أتيت لأجل أن تعتكف ، فتجلس لأجل أن تعتكف، أما تدخل لأجل الصلاة ثم تنوي الاعتكاف هذه بدعة .
وللأسف بعض مساجد العالم الإسلامي تُكتب أحيانا لافتة على باب المسجد : لا تنس الاعتكاف ، أو : انو الاعتكاف ، أو بعبارة نحو هذه .
وهذه من جملة البدع عافاني الله وإياكم ، ولم يعرفها السلف الأولون ، ولو كانت خيرا لسبقنا إليها السلف الماضون .
*
[ مبطلات الاعتكاف ]
للاعتكاف مبطلات إذا فعلها المعتكف بطل وفسد اعتكافه.
1- من المبطلات: الخروج من المسجد ، من خرج من المسجد بلا حاجة فإن اعتكافه باطل ، وهذا بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن قدامة وحكاه ابن المنذر وغيرهما ؛ لأن الاعتكاف ملازمة للمسجد، وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج من المسجد إذا كان معتكفا إلا لحاجة " فسَّر الحاجة الزهري بأنه قضاء الحاجة من بول وغائط، وسيأتي تفصيل في هذه المسألة .
فلذلك من خرج من المسجد بلا حاجة بطل اعتكافه ولو دقيقة ، وهذا قول أئمة المذاهب الأربعة خلافا لمحمد بن الحسن الشيباني ومحمد بن يوسف فإنهما ذهبا الى أنه إذا خرج بمقدار أقل من نصف اليوم فإن اعتكافه لا يبطل، أما إذا تعدى نصف اليوم فإن اعتكافه يبطل، وهذا لا دليل عليه والله يقول: (ولاتباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) .
2- وأيضاً مما يبطل الاعتكاف : نية الخروج من المسجد ؛ لأن الاعتكاف ملازمة للمسجد بنية ، فمن جلس في المسجد بلا نية فلا يعد معتكفا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصحيحين كما في حديث عمر: "وإنما لكل امرئ ما نوى" لذا نص الحنابلة على أن من نوى الخروج من المسجد ، يعني نوى ألا يكون معتكفا فإنه لا يكون معتكفا ؛ لأن العبرة بالنية ، فمن كان في المسجد ونوى الآن أنه ليس معتكفا فقد بطل اعتكافه .
*
3- وأيضاً من مبطلات الاعتكاف: الوطء في الفرج ؛ فإن الجماع مبطل للاعتكاف ، والجماع هو الوطء في الفرج ، قال سبحانه : {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وعلى هذا إجماع أهل العلم، حكى الإجماع ابن عبد البر وابن قدامة وابن المنذر والقرطبي وابن حزم وجمع كبير من أهل العلم، فلذا الوطء في الفرج أي الجماع مفسد للاعتكاف بدلالة القرآن وإجماع أهل العلم.
*
4- وأيضا مما يفسد الاعتكاف : الإنزال مع المباشرة ؛ فلو أن رجلا معتكفا جاءته امرأته فقبّلها فأنزل فسد اعتكافه ؛ لأن حكم الإنزال مع المباشرة كحكم الجماع ، لذلك من قبّل زوجته فأنزل في نهار رمضان وهو صائم فسد صومه بإجماع أهل العلم ، كما حكى الإجماع ابن قدامة في المغني، والبغوي في شرح السنة ، ومن خالف هذا فإنه محجوج بالإجماع السابق، لذلك من قبَّل زوجته فأنزل حصل مقصود عظيم من مقاصد الجماع وهو قضاء الوطر ؛ فلأجل هذا يفسد اعتكافه على أصح أقوال أهل العلم ، وإلى هدا ذهب الإمام أحمد رحمه الله ، وذهب بعض من أهل العلم إلى أنه حتى وإن أنزل فإن اعتكافه لا يفسد وهذا قول للشافعي ونصره ابن المنذر لكن هذا ينافي ما تقدم ذكره فإن المقصد من مقاصد الجماع قضاء الوطر وبالإنزال ينقضي الوطر ، والشريعة معاني ليست ألفاظا وإنما الألفاظ كما يقول ابن القيم في أعلام الموقعين قوالب المعاني ، فالشريعة معاني ومقاصد فما يقضى به الوطر يعتبر مفسدا للاعتكاف تماما كالجماع .
إذاً: الإنزال بشهوة مفطر ، ومن قال إنه ليس مفطرا فهو محجوج بما تقدم ذكره .
ومن أهل العلم من قال : بمجرد القبلة والمس بشهوة فإنه يفسد الاعتكاف كما قال هذا مالك رحمه الله ، وهو أحد أقوال الشافعي ، لكن أصح أقوال أهل العلم ما تقدم ذكره ، أما مس المرأة بلا شهوة ليس مبطلا ولا مفسدا للاعتكاف بدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه لعائشة فترجله، فلو كان مفسدا ومبطلا للاعتكاف لم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد بين هذا ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني.
*
5- وأيضاً مما يفسد الاعتكاف: الردة - عافاني الله وإياكم - فالردة مفسدة للاعتكاف لأن الله يقول : { لئن أشركت ليحبطن عملك} ونص على هذا الحنابلة .
*
6- وأيضا مما يفسد الاعتكاف: السكر ، لو أن رجلا معتكفا سكر ، شرب الخمر فإنه على أصح أقوال أهل العلم يفسد اعتكافه ، كما ذهب إلى هذا الحنابلة والشافعية ، ويدل لذلك أن الاعتكاف ملازمة للمسجد ومكث في المسجد بنية، وهذا الذي سكر ليست ملازمته لنية الاعتكاف لأنه لا يعقل، ولا يقاس على ذلك النائم ؛ لأن النوم يحتاج إليه ابن آدم وهو مباح ، فلا يُقاس عليه مثل السكر الذي يفقد العقل ولايحتاج إليه ابن آدم .
*
ومما لا يفسد الاعتكاف : فعل الكبيرة ، وبعض أهل العلم قال: إن فعل الكبيرة للمعتكف يفسد اعتكافه. فلو أنه اغتاب فسد اعتكافه، وهذا قول مالك وبعض أهل العلم، فعلى قول مالك كل من فعل الكبيرة فإن اعتكافه يكون فاسدا من غيبة ونميمة ، وكثير من الاعتكاف الذي يحصل في هذا الزمن تحصل فيه اجتماعات وكلام يطول بالساعات ، ومثل هذا مظنة لأمثال هذه الأمور من الغيبة وغير ذلك ، لكن أصح أقوال أهل العلم والله أعلم أن الاعتكاف لا يفسد بفعل كبيرة ، لأنه لا دليل يدل على هذا كما قرر هذا الحنابلة وهو المعروف عن الشافعية وغيرهم، أن فعل الكبيرة لا يفسد الاعتكاف ، لكن هذا يدل على أن فعل الكبيرة للمعتكف شديد، فهو معتكف لأجل عبادة الله وفعل المستحبات وخلو القلب لله، فكيف يقع في هذه المحرمات وهذه الكبائر عافاني الله وإياكم !؟
لذا هذه التجمعات التي تحصل لكثير من المعتكفين هي ليست خيرا ، هذا من حيث الجملة ، وكثير منها يؤدي إلى ما حرم الله ، وأصلها منافٍ لما شرع الاعتكاف من أجله ، وقد أشار إلى هذا الإمام ابن القيم في زاد المعاد قال : إياك واعتكاف البطالين.

[ مسائل متعلقة بالاعتكاف ]
*
وأريد أن أذكِّر في ختام هذا الدرس المختصر عن الاعتكاف بمسائل تتعلق بالاعتكاف:
المسألة الأولى: حصل نزاع بين أهل العلم في ضابط ما يجوِّز للمعتكف أن يخرج من المسجد:
أولا : أجمعوا على أن خروج المعتكف لأجل البول والغائط جائز ، حكى الإجماع ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما من أهل العلم. ويدل عليه حديث عائشة : "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل بيته إلا لحاجة إذا كان معتكفا " وفسر الزهري ذلك بأنه لأجل البول والغائط .
فإذاً : أجمعوا على أن البول والغائط عذر للخروج من المسجد ، وقاسوا على ذلك كل ما هو ضرورة كالأكل والشرب ، فإنه أيضاً يجوَّز للمعتكف أن يخرج من المسجد إذا لم يتيسر له من يأتي له بأكله وشربه ، لكن العلماء تنازعوا فيما هو دون ذلك ، كأن يخرج المعتكف لعيادة مريض أو لاتباع جنازة أو لإجابة أمير دعاه ، أي: الأمير الحاكم أو نائب الحاكم ، هل يجوز له أن يخرج لأجل أن يجيبه؟
تنازعوا في مثل هذا على قولين:
القول الأول: أنه لا يخرج للحوائج الدينية ولا الحوائج الدنيوية وإنما يخرج لما لا بد له منه، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية .
القول الثاني: أنه يجوز أن يخرج لما تقدم ذكره، وهو قول أحمد في رواية والثوري وسعيد بن جبير .
واستدل أصحاب القول الأول: أن الأصل في الاعتكاف ملازمة المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة لابد له منها كالبول والغائط، وألحق أهل العلم غيرهما بهما وقد تقدم ذكر هذا، فقالوا: مثل هذا يجوز للمعتكف أن يخرج لأجله، أما ماعداه فلا يجوز، وقد يستندون لما في مسلم عن عائشة أنها كانت تعتكف فتدخل البيت لحاجتها فترى مريضا فتسأله عن حاله وهي مارة ، قالوا: انظروا لفعل عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
أما القول الثاني: فهو ما تقدم ذكره واستدلوا بأنه ثبت عند عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال" للمعتكف أن يشهد الجمعة وأن يعود مريضا وأن يشهد الجماعة وأن يوصي أهله فيما يحتاج إليه من غير أن يجلس" خرجه عبدالرزاق بإسناد صحيح ، وصححه الإمام أحمد رحمه الله. وأيضا ثبت عند ابن عبدالبر في التمهيد أن عمرو بن حريث الصحابي الجليل كان أميرا على الكوفة فدعا سعيد بن جبير فلم يجبه، ثم دعاه المرة الثانية فلم يجبه، ثم دعاه المرة الثالثة فأجابه فقال: ما الذي منعك أن تأتي؟ قال: إني معتكف، قال: "أما علمت أن للمعتكف أن يشهد الجمعة وأن يتبع الجنازة وأن يعود المريض وأن يجيب الإمام -أي:الأمير- إذا دعاه".
فهذا قول اثنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم خليفة راشد وهو علي بن أبي طالب.
والقاعدة المتقررة أنه إذا اختلف الصحابة فإن الكفة التي فيها أحد الخلفاء الراشدين مقدمة على غيرها كما بين هذا بيانا واضحا الإمام ابن القيم في كتاب أعلام الموقعين، ويدل على هذا حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه الخمسه إلا النسائي، قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" والحديث صححه ابن عبد البر وأبو نعيم والبزار وحسنه ابن القيم وصححه الألباني ، فهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .
قالوا: فدل هذا على أن قول علي مقدم على فعل عائشة ، قالوا: أما كون النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخرج إلا لما لابد له منه، فيقال: هذا هو الأكمل والأصح، لكن له أن يفعل ماعدا ذلك بدليل لو أن المعتكف لو لم يفعل كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم تماماً ، فلا يقال: فسد اعتكافه وإنما يقال: نقص أجره، فإذاً : كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله لا يدل على أنه غير مشروع، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم للأكمل، وعلي بن أبي طالب جوّز أمثال هذه الأمور. فيقال : إما أنه بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم لم تقع له الحاجة فيفعل ذلك، أو أنه صلى الله عليه وسلم فعل الأكمل، على أنه لو أجاب أميرا أو نحوه أو احتاج أن يعود مريضا ، قد تكون إعادة المريض أفضل من عدم إعادته بالنظر الى المرجحات الخارجية وباختلاف الحال، فتختلف أحوال المرضى وأحوال قربهم إليك وعلاقتهم بك، لكن المقصود أن العلماء اختلفوا على قولين كما تقدم.
والذي يرجح القول الثاني ويقويه ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا فزاره أزواجه فلما أردن أن يخرجن أمر صفية أن تنتظر حتى يذهب معها لأن بيت صفية كان أبعد من بيوتهن، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلا مع صفية يَقلبها أي: يوصلها إلى بيتها، فهذا خروج لأمر ليس لابد له منه، لأنه قد يأمر غيره أن يأتي فيذهب معها، لكن مع ذلك ذهب بها هو عليه الصلاة والسلام. فهذا يرجح والله أعلم القول الثاني.
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية قريب من القول الثاني كما في مجموع الفتاوى، لذا الأرجح والله أعلم ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو قول احمد في رواية ، وقول الثوري وسعيد بن جبير وقريب منه قول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يصح للمعتكف أن يخرج لحاجته ، إما من أمور الدنيا أو الدين ، لكنه لا يمكث ، وإنما يذهب لها قائما ولا يجلس ، كما بين ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين ذلك الثوري رحمه الله.
*
المسألة الثانية : من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان متى يدخل معتكفه؟ متى يبدأ الإعتكاف؟ تنازع العلماء على قولين:
منهم من قال: يبتدئ اعتكافه فجر اليوم الواحد والعشرين، يعني إذا صلى الفجر يبدأ اعتكافه0
ومنهم من قال : يبدأ من أول ليلة الواحد والعشرين، يعني في اليوم العشرين إذا أذن المغرب وانتهى اليوم العشرون يدخل المعتكف الآن من ليلة اليوم الواحد والعشرين.
تنازع العلماء على قولين:
القول الأول: أنه يدخل من فجر اليوم الواحد والعشرين وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية وهو قول الثوري والأوزاعي وقول إسحاق بن راهويه واستدلوا بما في الصحيحين من حديث عائشة :" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح وأراد أن يعتكف دخل معتكفه صلى الله عليه وسلم.
فقالوا : انظروا إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم إنما دخل معتكفه لما صلى الفجر صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: يدخل من ليلة واحد وعشرين ، وذلك أنها الأصل في كلمة العشر. إذا قلت: فلان اعتكف عشرة أيام ، أي: ليلا ونهارا
فقول عائشة : "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان" أي ليلا ونهارا هذا هو الأصل، وقالوا: ما استدللتم به فيه نظر ؛ وذلك أنه يحتمل أنه كان إذا صلى الفجر دخل معتكفه، أي: يدخل مكانا خاصا له يعتكف فيه في المسجد ، وإلا هو قد دخل المسجد . فمعنى جوابهم أنهم يقولون: إنه قد اعتكف من الليل لكن إذا صلى الفجر دخل معتكفه، أي :،دخل مكانا خاصا في المسجد ينعزل فيه عن الناس صلى الله عليه وسلم.
فإذاً : دخول المعتكَف لمن أراد أن يعتكف العشر يدخل من ليلة الواحد والعشرين، ودخول النبي صلى الله عليه وسلم معتكفه هذا المراد به مكان خاص في المسجد ، فقالوا : دليلكم هذا محتمل، والقاعدة الشرعية أنه إذا توارد الاحتمال المتساوي بطل الاستدلال ، فيرجُح والله أعلم القول بأنه لابد من الاعتكاف من الليل ، من ليلة الواحد والعشرين، ويؤيد هذا ما جاء في لفظ حديث البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الوسطى فلما كان في ليلة اليوم الواحد العشرين قال: أُرى ليلة القدر في صبيحتها أسجد على ماء وطين، يعني أنها في العشر الثالثة في العشر الأخيرة لا في العشر الوسطى، فاعتكف وأمر من أراد أن يعتكف معه من الليل ، ولم يؤخر ذلك إلى صبيحة اليوم الواحد والعشرين، لهذا الأظهر والله أعلم : من أراد أن يعتكف فإنه يعتكف من ليلة اليوم الواحد والعشرين، لذلك قال ابن حجر وغيره من أهل العلم:
الاعتكاف في العشر له أحوال ثلاثة:
1- إما أن يعتكف ليلا ، فيأتي في الليل.
2- أو أن يعتكف نهارا فحسب، فيأتي في النهار.
3-أو أن يعتكف العشر كلها أي ليلا ونهارا ، فيأتي من ليلة الواحد والعشرين كما تقدم بيانه.
المسألة الثالثة : تنازع العلماء هل يصح للمعتكف أن يشترط؟
لو أن معتكفا قال إنني أريد أن أعتكف لكن أشترط أن آكل طعامي في بيتي، أو أشترط أن أنام الصباح ، من الصبح إلى الظهر في بيتي، هل يصح الاشتراط؟
يقال : تنارع العلماء على قولين في هذه المسألة :
القول الأول: لا يصح الاشتراط ، كما هو قول أبي حنيفة ومالك، وقالوا لا دليل على الاشتراط ، ومن خرج فقد بطل وفسد اعتكافه، وقالوا لم يثبت في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والاشتراط خلاف الأصل فلا يعول عليه.
والقول الثاني: قالوا يصح الاشتراط وهو قول الشافعي والإمام أحمد، وأصح القولين والله أعلم أن الاشتراط يصح للمعتكف ؛ لأنه الثابت عن التابعين كما خرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي وعن عطاء رضي الله عنهما ، وقد ذكر الإمام أحمد قاعدة وهي: أنه إذا لم يوجد في مسألة حديث ولا قول صحابي ينتقل إلي أقوال التابعين، نقل كلام الإمام أحمد : ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد رحمه الله، وذلك أنهم السلف في هذه المسألة ، ونحن مأمورون باتباع السلف واتباع سبيل المؤمنين ، فإذاً: القول بالاشتراط صحيح للمعتكف والله أعلم.
ويؤيد هذا الاشتراط عند الإحرام في قول المحرم" اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين قال:(حجي واشترطي) فهذا يؤيد صحة الاشتراط .
فإن قال قائل: ما الفائدة من هذا الشرط؟
يقال: الفائدة منه أنك إن فعلت ما اشترطته في اعتكافك فإنه لا يفسد اعتكافك وتكون معتكفا للعشر كلها، لو قلت: أشترط أن أنام في بيتي من الفجر إلى الظهر فإنك إن فعلت ذلك تسمى شرعا قد اعتكفت العشر، ولا شك أن أجرك أقل من أجر من لم يشترط لأن من لم يشترط فعل الاعتكاف الأقرب إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
*
المسألة الرابعة : يستحب للمعتكف إذا إعتكف العشرة الأواخر من رمضان أن لا يخرج من اعتكافه حتى يصلي العيد مع المسلمين، وقد ذهب الى هذا الإمام أحمد والإمام مالك، بل نقل مالك ذلك عن أهل العلم ، ويدل عليه فعل ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، بل كان ابن عمر يحضر صلاة العيد بثياب اعتكافه، أي: لا يتجمل وإنما بثياب اعتكافه التي كان يلبسها. فلذا يستحب للمعتكف أن يستمر في اعتكافه حتى يصلي مع المسلمين صلاة العيد ؛ لثبوت هذا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه وهو صحابي ، وقول الصحابي وفعله حجة في الشريعة ، مالم يخالفه صحابي آخر أو يصادم النص من كل وجه . ويؤيد هذا ما ثبت عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يحبون إذا اعتكفوا أن يبقوا في معتكفهم حتى يصلوا العيد. وقول إبراهيم النخعي (كانوا يحبون) يريد بهم أصحاب عبدالله بن مسعود، والأصل في أصحاب الرجل أنهم إذا فعلوا فعلا، فإنه فعل للرجل، فالأصل أن فعل أصحاب عبدالله بن مسعود أنه فعل لعبد الله بن مسعود لذلك يستحب لمن اعتكف العشر أن يستمر على اعتكافه حتى يصلي صلاة العيد مع المسلمين.
*
هذه - إخواني - جملة مسائل تتعلق بالاعتكاف أردت أن أذكر نفسي وإخواني بها. فاللهَ اللهَ إخواني أن نجاهد أنفسنا على القيام بسنة الاعتكاف. لكن نعتكف الاعتكاف الحقيقي وهو اعتكاف القلب.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يمن علينا بذلك ، وجزاكم الله خيرا .
المشاهدات 959 | التعليقات 0
 
مغلق
 

فضائل ليلة القدر وعلاماتها الحكومة الأميركية تنفق ‬630 ألف دولار لشراء المعجبين على فيس بوك ...

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق العرض


الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 08:53.
المعهد غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي معهد ترايدنت ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

جميع الحقوق محفوظة Traidnt 2019
  • 00966138651070
  • 00966138648289
  • 2051033691
Powered by vBulletin® Version 3.8.11 .Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.