×

نبـــــض المناسبــــــه

السلام عليكم اقدم لكم حلقاتي المتكرره ان شاء الله فل نبدأ أسلوب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد القيادي محمد أبا الخيل يبدو أن السنين تمر

صورة 'Asorah' الرمزية
قديمة 02 - 08 - 2005, 16:58
المشاركة 1
السلام عليكم اقدم لكم حلقاتي المتكرره ان شاء الله

فل نبدأ

أسلوب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد القيادي

محمد أبا الخيل


يبدو أن السنين تمر بسرعة فعلاً وإلا لما كنا نتحدث اليوم عن مناسبة تبلغ من العمر عشرين سنة مع أنها ما زالت ماثلة أمامنا بكل حيويتها وتفاصيلها لدرجة يكاد الإنسان معها يرى في مخيلته الآن صوراً لم تبهت بعد للأشخاص والأمكنة كما كانت يوم بدأ جلالة الملك فهد - حفظه الله - مسؤولية الحكم ، وبالنسبة لي فإنني ما زلت أرى أمامي الآن موقفاً قصيراً ارتبط في خاطري بهذه المناسبة عندما كان أحد المسؤولين في يوم تلك المناسبة يشرع في عرض موضوع عاجل ، فبدأ الحديث ، وأدخل كلمة ( جلالتكم ) في بداية جملته ، وكان يقولها لأول مرة ، ثم كررها مرة أخرى مباشرة كما لو كان يريد أن يعوِّد لسانه على هذه الكلمة ، فقاطعه الملك فهد قائلاً : " لا تهتم بالبحث عن كلمات جديدة ، المهم هو الموضوع الذي تريد الحديث عنه ".
لم أذكر هذه الحادثة في المقدمة إلا لغرض الدخول إلى ما أريد أن أتحدث عنه هنا ، وهو الجانب العملي في فكر عمل الملك فهد وأسلوبه ، حفظه الله ، وأعطاه الصحة .
أستطيع أن أقول بالأسلوب المباشر نفسه الذي أشرت إليه : إن الملك فهد رجل عمل كرس نفسه كلياً لممارسة مهام قيادته بأسلوب مباشر ، فهو يعبر عمَّا يريد بكلمات واضحة ، ويتوقع من الآخرين أن يتحدثوا معه بالأسلوب نفسه ، وإذا ما شعر إنسان ما في بداية اتصاله به بشيء من التردد في الكيفية المناسبة لعرض موضوعه أو حاول جعل حديثه مختصراً ضناً بوقته أو شعر بأن عليه أن يعرض ما لديه بشيء من التسهيل أو بالتقليل من أهمية الجوانب السلبية وإبراز الجوانب الإيجابية فإنه سرعان ما يدرك بعد تجربة قصيرة أن عليه أن يعرض موضوعه عرضاً دقيقاً ، وأن الملك لن يكتفي بالسماع ، ولكنه سيضيف أو يسأل أو يفاجئه بالقول : " إنني لم أتبين هذه النقطة " ، ويطلب منه إعادتها ، وأنه قد يتحدث معه في وقت آخر عن الموضوع نفسه ، أو حتى يتصل به هاتفياً .
إن دور القائد مهما اختلف مكانه أو مجال أو نطاق قيادته لدور صعب فعلاً، والذي تتاح لـه فرصة العمل المباشر مع قائد دولة وهي أكثر أنواع القيادة صعوبة وتعقيداً يدرك تماماً أنها مهمة صعبة مرهقة ، تحتاج إلى تركيز هائل طوال الوقت دون توقف ، فالرجوع للقائد من قبل العاملين معه لا يتم فقط ؛ لأن هناك قواعد عمل تلزمهم بالرجوع إليه في أمور معينة ، أو لأن لـه صلاحيات محددة ؛ ولكن القائد يستطيع أن يضيف لموضوع البحث أبعاداً جديدة توسع رؤية المسؤول للموضوع ، أو يضيف لعناصر البحث عناصر أخرى ، وقد يعرف المسؤول خلال ذلك معلومات لم تكن ضمن ما يحيط به ؛ بمعنى أن الرجوع للقائد أمر يحتاجه المسؤول ليس فقط لأخذ التعليمات ، وإنما أيضاً لإتمام جوانب موضوعه أكثر مما يضطر إليه بقوة أنظمة العمل أو حدود صلاحياته ، ويتجلى هذا الوضع أكثر ما يكون عندما يكون القائد حاضراً فاحصاً ملماً قادراً كما هو الحال في شخصية الملك فهد.
إن تفرغ القائد لقيادته ليس مجرد تفرغٍ في الوقت ، ولكنه تفرغ الذهن وتركيزه على دور القيادة تركيزاً مستمراً متوهجاً ، وصفة التفرغ هذه قد تبدو للبعض أمراً بديهياً لا يحتاج للذكر ، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك ؛ فالتفرغ في الوقت شيء ، وتفرغ الذهن شيء آخر تماماً ، وهو - أي التفرغ - عامل مهم في نجاح القائد وبروزه ، وقد تفرغ الملك فهد لقيادته تفرغاً خالصاً يستطيع الإنسان أن يراه بعد هذه السنوات العشرين في كل مجال .
لقد كنت أعجب كثيراً بالمجهود والوقت اللذين كان الملك فهد يبذلهما في سبيل متابعة ما يتم تنفيذه من مشاريع خلال تلك الفترة النشطة التي تم خلالها تنفيذ عدد ضخم من المشروعات المختلفة في النوع والموقع والحجم ، كانت تلك المرحلة من أهم مراحل التاريخ الحديث لبلادنا ، ومع هذا فقد تابع الملك فهد - حفظه الله - هذه المشاريع في تلك المرحلة بتصميم هائل يثير الإعجاب ، فكان متابعاً دقيقاً ، يطلب بيانات مكتوبة ، ويطلب تحديثها بين وقت وآخر ، ويسأل أسئلة شفوية أو هاتفية ، ويتحدث عنها في الاجتماعات الرسمية بالقدر الذي حقق قدراً جيداً من المعرفة المشتركة ، ومن ثم التنسيق على مستوى الأجهزة الحكومية المختلفة ، وساعد أيضًا على توفير الدعم المعنوي لهذه المشاريع ، ولم يكن هذا هو الجانب الوحيد في مجهوده الشاق لمتابعة المشاريع ، فالاجتماعات العامة التي كان يعقدها في الجامعات وفي مناسبات أخرى مشابهة كانت جزءاً من مجهود المتابعة تلك ، وعلى الرغم مما كانت تتطلبه هذه الاجتماعات من وقت وجهد في التحضير وفي المناقشات ، إلا أنها كانت أسلوباً قويًّا حقق فرصاً متعددة من التواصل بين الأوساط الوطنية العامة والخاصة في جميع أنحاء البلاد ، وحشد وراءه قدراً كبيراً من المتابعة الشعبية لهذه المشاريع ، وقد كانت هذه الاجتماعات اجتماعات تثقيفية قوية أفادت الجميع ، وجعلتهم يتعرفون على جوانب التنمية الاقتصادية من منظور متقارب بقي قائماً حتى اليوم ، لقد كانت مهمة متابعة المشاريع والمناقشات العامة التي كان الملك فهد يقودها في تلك الاجتماعات مهمة دقيقة ، ولكنَّ أداءها لم يكن صعباً عليه نتيجة معرفة الملك فهد - حفظه الله - وتكريس وقته وذهنه لمسؤولية القيادة .
لقد أدى الأسلوب العملي المباشر الواضح والثابت للملك فهد - حفظه الله - إلى زيادة كفاءة الأفراد والأجهزة التنفيذية التي تعمل معه ؛ ذلك أن وضوح الأهداف المطلوب العمل على تحقيقها ووضوح أسلوب العمل وثباته يؤدي إلى زيادة وتحسين إنتاجية كل جهاز على حدة ، وتحسين أداء الأجهزة التنفيذية بوصفها مجموعة ، كما يؤدي إلى رفع الروح المعنوية لفريق العمل ، وزيادة الحماس والثقة بالنجاح ، وهي عوامل مؤثرة في النتيجة النهائية للإنتاجية

خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر

تَوَلّي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد الحكم قبل عشرين عاماً لا يعني بدء تأثيره على النمو والتطور الذي وصلت إليه البلاد ؛ فأول مشاركة لـه جاءت بالتأثير المهم هي توليه وزارة المعارف ؛ فالتعليم هو مفتاح باب التقدم ، ومنه يوصل إلى الغايات التي يتطلع إليها المجتمع في جميع مرافق حياته ، وقد أدرك - حفظه الله - أهمية التعليم هذه ، فالتفت التفاتة مصلح على التعليم ، وركز جهده على الكم والكيف ، فنشر المدارس في البلاد أدناها وأقصاها ، وزاد المدارس في المدن والقرى ، وفتحها في المناطق النائية ، وفي البراري ، ثم توّجها بإنشاء جامعة الملك سعود ، ففتح الباب على هذا في التوسع في التعليم العام ونشره ، وفي التعليم العالي بإيجاد النواة ، وهذه النواة لأنها وضعت في تربة صالحة ، ووقت ملائم ، نمت حتى وصلت اليوم إلى ثماني جامعات ، مع الكليات المتفرقة التي سوف تؤدي في آخر الأمر إلى توسع يوصلها إلى جامعات.
وتلا وزارة المعارف وزارة الداخلية ، وقد وضع لها الأسس ؛ لتكون أجهزتها كفيئة بمقابلة النمو السكاني ، وما يحتاجه في مجال الأفق بجميع جوانبه ، وبجميع ما يحتاجه من أجهزة بشرية وآلية ، والأسس الموضوعة بأسلوب سليم يراعي الحاضر ، ويستعد للمستقبل هي التي جعلتها مزدهرة تجاه ما عليها من واجب في مرافقها المختلفة.
وتكاد الإنجازات التي تمت على يده عندما أصبح نائباً للملك لا تحصى ؛ فهو مشارك قوي في الخطط الست التي بدئ بها عندما بدئ ، واستمرت حتى اليوم منهجاً للتنمية السليمة في ضوء حاجة البلاد ومقدرتها.
كان - حفظه الله - يخطط للمستقبل ، ويخطط بجزالة ، وتبين منهجه هذا عندما أصبح ملكاً ، وتمثل هذا في شق الطرق ذات المسارات المتعددة ، والشوارع الواسعة ، والمطارات العالمية محط الإعجاب والتقدير ، والموانئ بما تحتاجه من آليات حديثة ، وأساليب متقدمة ، وأصبح ذلك مثلاً يحتذى في كل مرفق يحتاج إلى التفات.
وجزالته - حفظه الله - وحسن تصوره للمستقبل ، واحتياجاته ، وما يلزمه من استعداد يتمثل فيما فعله في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة من تخطيط متميز ، وما تم من تطوير للحرم المكي والمسجد النبوي من عمارة فريدة في التصميم العالمي ، والإنجاز الباهر ، وهما يشهدان بالكرم والعناية في أقدس معلمين ، هما في قلب كل مسلم.
كان - حفظه الله - حاضر الذهن في الإقدام على ما ينفع البلاد ، يتم ذلك عن طريق تخطيط متأن سليم ، يشرف عليه بنفسه ، ويتابعه في جميع دقائقه ؛ مما يجعل من يعملون معه في يقظة تامة ودائمة ، وعن طريق تنفيذ جزل ، لا ينظر إلى المال ، وإنما إلى ما أنفق فيه من عمران وبناء ، والتطوير والإضافة والتعديل يستمر تحت إشرافه ، حفظه الله وكان حاضر الذهن - حفظه الله - عندما تبرز معضلة ، أو تلوح في الأفق ، مثلما حدث وقت الطفرة من ارتفاع أجار البيوت ، وملاحظته عناء الناس ، فسارع بإنشاء صندوق التنمية العقاري ، وبإعطاء أراضٍ منحاً لمن هو محتاج . وأذكر أنه قال في مجلس الوزراء : " يجب أن نطوق المشكلة من جميع جوانبها ؛ فصندوق التنمية العقاري لا يكفي أن يقرض الأفراد لمساكنهم ، ولكن يمكنه أن يقرض أيضاً من ينوي بناء عمارة أو فندقاً " ، وتم هذا ، حتى بلغت بعض القروض أكثر من عشرة ملايين لمشروع واحد.
ولما أقبل الناس على البناء شح الأسمنت في الأسواق ؛ لأنه لم يكن هناك إلا ثلاثة مصانع ، وغير مسموح لها بالتوسع ، حتى لا يضرب أحدها الآخر ، فأمر - حفظه الله - أن تتوسع ، وأن يسمح بإنشاء مصانع جديدة ، وتعطى قروضاً سخية ولما تجمعت في البحر قرب الموانئ السفن التي تحمل شحنات إسمنت ، لم تستطع الموانئ مقابلة الضغط الذي حدث ، فبقي بعضها ستة أشهر قبل أن تتمكن من إفراغ حمولتها ، فأمر - حفظه الله - أن تنزل حمولتها على حساب الدولة عن طريق طائرات طوافة ، فقيل : " إن الموانئ ليس فيها أرصفة كافية " ، فقال : " نسمح لسيارات النقل الأجنبية [ وكانت ممنوعة ] بأن تنقل الإسمنت ؛ لأن الظرف يوجب الاستثناء " . وسمح للتجار بإنشاء أرصفة مؤقتة، تنقل عن طريقها الشحنات السائبة للإسمنت ، وهكذا تمت محاصرة الأزمة بكل وسيلة ، حتى انفرجت الأزمة في وقت مثالي ، ونزل سعر كيس الإسمنت من أربعين ريالاً إلى اثني عشر ريالاً ، فكانت النظرة صائبة ، والعمل جدياً ، ومتتابعاً وكان حريصاً - حفظه الله - على مساندة القطاع الخاص بالقروض ، والإعانات ، حتى وصل إلى القوة التي هيأته الآن أن يسهم في سياسة التخصيص التي اختارتها الدولة لمقابلة متطلبات التنمية في هذه الخطة الحاضرة.
السياسة الحكيمة التي انتهجها - حفظه الله - أبعدت عن المملكة الهزات التي تعرض لها غيرنا ، وهي سياسة تسير على ما كان وضع قواعده مؤسس الكيان الملك عبدالعزيز ، رحمه الله ، وسار عليها أبناؤه من بعده.
هذه لمحة سريعة عن بعض مظاهر الإنجاز التي أولاها خادم الحرمين الشريفين عنايته ، فآتت أكلها كما خطط لها

حلقات الأمجاد من المؤسس العظيم إلى خادم الحرمين الشريفين

علي بن حسن الشاعر


يقول جل شأنه : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمرو بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } " سورة الحج 41" .
الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام ، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن من نعم الله الكثيرة على هذا البلد وأهله أن قيض الله لـه حكماً عادلاً سديداً رشيداً توارثه الملوك العظماء منذ أن نهض في الجزيرة العربية رجل واحد وهب نفسه لله وإعلاء كلمة التوحيد ، فأيده الله بنصره ، وبارك خطاه ، وقيض له الرجال المخلصين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه . ذاك هو البطل المعجزة العملاق عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله ، وأكرم مثواه.
ذاك هو الإمام العادل ، والملك المؤمن الذي سجل لـه التاريخ الخالد أول سطر من نور مع شروق اليوم الخامس من شهر شوال لعام 1319هـ عندما انطلق صوت البشير يعلن للملأ من قمم المآذن : " الملك لله ثم لعبدالعزيز " .
وكانت هذه البلاد الطيبة على موعد مع ما كتب الله لها من عزة ومنعة ، وما أفاء عليها من نعم الأمن والاستقرار والرخاء والنماء والعيش الهانئ الكريم .
وحمل الراية الخفاقة بكلمة التوحيد من بعده ولي عهده ابنه البار سعود بن عبدالعزيز في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول لعام 1373هـ ، وهو يوم وفاة فخر الملوك وتاج الجزيرة ، طيب الله ثراه . ومضى جلالة الملك سعود على نهج والده - رحمه الله - في شتى الميادين ، وحقق الكثير من الإنجازات حتى سلَّم الراية من بعده لأخيه جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود الذي ما أن تمت لـه البيعة حتى راح يسابق الزمن في الإصلاح والتعمير والتنظيم والتعليم والاهتمام بصحة المواطن في عيش كريم ، كما أولى اهتماماً بالغاً بقضايا الأمة الإسلامية حتى لقبه المؤرخون برائد التضامن الإسلامي ، كما أسهم في مختلف القضايا العربية ، ومن أهمها القضية الفلسطينية ، وقام بعشر زيارات إلى مختلف العواصم الإسلامية والعربية لنصرة القضية الفلسطينية وتعزيز التضامن .
وفي صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر ربيع الأول لعام 1395هـ المقابل للعشرين من شهر مارس 1975م كتب الله لفيصل بن عبدالعزيز الشهادة في مكتبه إثر الحادث الأليم الذي اهتز له العالم الإسلامي والعربي ، وبكته الدنيا بأسرها .
وهكذا انتقلت الراية إلى يد أخيه وولي عهده الملك خالد بن عبدالعزيز - رحمه الله - الذي نشأت في عهده وزارات ، وشهد عهده ثمرة الخطة الخمسية الأولى والثانية .
وفي يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر شعبان لعام 1402هـ فاضت روحه الزكية في مدينة الطائف إثر نوبة قلبية ، رحمه الله ، وغفر لـه ، وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء .
وفتح التاريخ في صفحاته الوضاءة بابا لعهد جديد مجيد زاخر بالإنجازات والمعجزات والعطاء المتدفق .
وجاء عهد الملك الكريم الإنسان فهد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي حمل الراية الخالدة يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر شعبان لعام 1402هـ الموافق 13/6/1982م حيث بويع - رعاه الله - ملكاً على البلاد .
وهكذا نقف اليوم على أعتاب مرور عشرين عاماً على توليه مقاليد الحكم في البلاد ، أنجز خلالها ما يعجز الرجال عن تحقيقه في مئة عام ، حقق خلالها لوطنه حلماً كان يراوده طوال حياته . شيّد ، وعمّر ، وفجّر كنوز الأرض ، ونهض إلى بناء نهضة جبَّارة عملاقة عمت البلاد ، وأفاضت الخير ، وثبتت دعائم الأمن والاستقرار .
قام العدل متمسكاً بكتاب الله وسنة رسوله ، وسار على نهج والده رحمه الله. أبت عليه عقيدته السمحة إلا أن يبادر إلى نصرة المظلوم ، وإحقاق الحق في كل المجالات ، كما أبت عليه شهامته إلا أن يهب لنجدة أشقائه جيران بيته ، ويحرر أرضهم ، وأبت عليه كرامته إلا أن يقف شامخاً معتزاً بدينه وعرقه عند النوائب والصعاب ، ذاك هو الملك المفدى فهد بن عبدالعزيز أدامه الله .
يتصف - رعاه الله - بكرم الأخلاق ، وبعد النظر ، والصبر ، وسعة الصدر، وعفو القادر ، والسماحة ، والحياء ، وسخاء العطاء ، وسجية الكرم .
عرفناه ودوداً في تعامله ، يقظاً في كل تصرفاته ، دقيقاً في كل أعماله ، سديد الرأي في أحكامه وقراراته ، عفيفاً عن عيوب الناس ، يحب الخير ، ويسعى إليه ، ولا يضمر شراً أو حقداً لأحد ، يتمثل بالآية الكريمة : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } " سورة الأعراف آية 199 " ، يعيش في هموم الأمة العربية من قبل ومن بعد ، ويحرص على حسن الجوار ، وحل المشكلات بالتفاوض والكلمة الطيبة وحسن الحوار .
يتميز بموهبة قيادية مشهودة ، استطاع من خلالها إحراز النجاح المتواصل في كل ما اتجه إليه ، وكل ما أقدم عليه من الإنجازات الحضارية التي كتبها المؤرخون ، وخلدها التاريخ في سجلاته المضيئة التي سأذكرها بإيجاز شديد؛ لأن التوسع فيها يحتاج إلى تلك الأسفار العظيمة .
وقبل أن أتشرف بسرد بعض أقواله وأعماله ملكاً على البلاد لا بد أن أعود إلى الصفحات الأولى من جلائل أعماله قبل توليه الملك .
في العام الأربعون بعد ألف وثلاثمئة ولد فهد بن عبدالعزيز - أطال الله عمره - في مدينة الرياض ، ونهل علوم الدين على يد نخبة من العلماء المقربين من والده الذي كان يؤم مجالسه نخبة كريمة من المشايخ والفقهاء ورجال السياسة والأدب وعلماء التاريخ .
وشبّ متعلقاً بأبيه ، حريصاً على حضور مجالسه ، شغوفاً بالاطلاع والمعرفة ، وعندما أدرك الملك عبدالعزيز ما هو عليه من الفطنة المبكرة أوعز إلى مستشاريه بأن يشركوه في المداولات والمناقشات .
تلقى علومه في مدرسة الأمراء بالرياض ، ثم التحق بالمعهد العلمي بمكة المكرمة ، أخذ في صباه في مدرسة والده الملك عبدالعزيز أساليب إدارة شؤون الحكم ، والتعامل مع القضايا العربية والدولية ، وكيفية معالجة المشكلات التي تنشأ من حين لآخر بين رجال البادية بالحكمة والروية ، وقد أسند إليه والده الإنابة عنه في الاجتماع برؤساء العشائر ، ونجح في ذلك نجاحاً ملحوظاً ، كما أسند إليه بعض المهمات الداخلية ، وأوفده إلى بعض المهمات الرسمية خارج المملكة .
وفي الثامن عشر من شهر ربيع الآخر لعام 1373هـ الموافق 23/12/1953م صدر مرسوم ملكي برقم (4950) يقضي بتعيين الأمير فهد بن عبدالعزيز أول وزير للمعارف ، واستمر كذلك حتى تاريخ 3/7/1380هـ . وخلال السنوات السبع التي قضاها في خدمة التعليم حقق من الإنجازات ما يفوق الوصف ، ولـه - بعد الله - يعود الفضل في كل ما نشاهده اليوم من صروح التعليم ، وما نعيشه من نهضة شاملة في هذا المجال ؛ فهو بحق رائد النهضة التعليمية ، وواضع أسسها النظامية ، حيث طوّرها - حفظه الله - من مديرية للمعارف إلى وزارة كبيرة متكاملة الأركان ، وهيأ لها الإمكانيات من الرجال والاحتياجات العصرية الحديثة . وكان اهتمامه البالغ بشؤون التربية والتعليم ينطلق من حرصه الشديد على إعداد الإنسان السعودي إعداداً جيداً يؤهله لحمل المسؤوليات الكبيرة في مجالات النهضة الرائعة التي كان يُِعدُّ لها ، ويحلم بها ، رعاه الله ، وكثيراً ما كان - ولا يزال - يرى الإنسان السعودي ركيزة الثروة الحقيقية للبلاد وعمادها .
ولو علمنا أن عدد الطلاب في عام 1348هـ لا يزيد في جميع أنحاء المملكة عن (2300) طالب لأدركنا اليوم كيف انطلق الملك فهد ينشئ ، ويبني ، ويعلي صروح التعليم حتى تحقق وجود ثمان جامعات ، وأكثر من ثلاثة ملايين طالب وطالبة في مختلف المراحل ، بالإضافة إلى آلاف المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية المنتشرة في الحاضرة والبادية ، ناهيك عن رياض الأطفال ، والمعاهد الفنية والتقنية والصحية ، ومراكز التدريب المهني ، ومعاهد تدريب المعلمين ، والكليات المتوسطة للمعلمين والمعلمات ، ومعاهد النور للمكفوفين ، ومعاهد الأمل للصم ، ومدارس محو الأمية . هذا عدا الكليات والمعاهد العسكرية في جميع التخصصات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي ، والمجلات مملوءة ومضيئة بالإحصائيات والأرقام .
وفي اليوم الثالث من شهر جمادى الآخرة لعام 1382هـ تم تعيين صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبدالعزيز آنذاك وزيراً للداخلية ، واستمر بها حتى تاريخ 8/10/1395هـ . وعلى مدى خمسة عشر عاماً عمل - أدامه الله - على تطوير مرافق الأمن وأجهزته وآلياته ومستلزماته على أسس حضارية متقدمة ، وواصل اهتمامه ببناء الإنسان السعودي في كل حقل يراه ، فأسس كلية الأمن التي تحمل اليوم اسمه الكريم ، ويتخرج منها الضابط بالمستوى الجامعي على درجة ممتازة من العلم والتحصيل ليؤدي واجبه ، ويقوم بمسؤولياته في مختلف المجالات الأمنية ، مثل : وحدات المراقبة ، وأنظمة المرور ، ووحدات الدفاع المدني ، وخفر السواحل ، وسلاح الحدود ، وشرطة النجدة ، وإدارة الجوازات، والمباحث ، وتعلم اللغات . وقد أكمل الرسالة من بعده - أمد الله في حياته - أخوه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ، فحقق الكثير ، وأنجز العديد من الأعمال والمشروعات الأمنية المهمة .
وفي عام 1387هـ تم تعيين سمو الأمير فهد بن عبدالعزيز - أيده الله - نائباً لرئيس مجلس الوزراء ، وأول رئيس للمجلس الأعلى لرعاية الشباب في 23/4/1394هـ حيث أسندها إلى نجله الراحل الكريم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد الذي قفز بها - يرحمه الله - إلى أعلى المستويات .
وفي اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول لعام 1395هـ تم تعيين سمو الأمير فهد بن عبدالعزيز - أيده الله بعونه ونصره - ولياً للعهد ، ونائباً لرئيس مجلس الوزراء . وكان طوال الفترة خير عضد وسند لأخيه جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله .
وفي الحادي والعشرين من شهر شعبان - كما تقدم ذكره - بويع الملك فهد - أعزه الله - ملكاً على عرش المملكة العربية السعودية ، واستبشرت به الأمم الإسلامية والعربية لما عُرف عنه من كريم الخصال ومجيد الفعال ، ولما له من وقفات مشرفة في كل القضايا المصيرية ، وهلل واستبشر به شعبه الوفي الأمين. وقد تحققت على يده الآمال الكبار من خلال القفزة الهائلة التي حدثت في ميادين التقدم والنماء والازدهار ، وتشهد المملكة اليوم في عهده المجيد وعمره المديد - بإذن الله - نهضة واسعة أدهشت العالم ، وحار في وصفها المراقبون والمؤرخون في الداخل والخارج .

ومن أبرز ما نعمت به المملكة من إنجازاته

استكمل مشروعه الذي بدأه على مسؤوليته في عهد أخيه الملك خالد حيث ضاعف إنتاج الثروة البترولية لرفع مستوى الدخل وخدمة المشروعات العملاقة التي خطط لها ، ونفذها بكل دقة وأمانة وجدارة ، وفي مقدمتها مشروع توسعة الحرمين الشريفين ، وتطوير أوضاع المدينتين المقدستين وتحسينها بما لم يسبق له مثيل في التاريخ القديم ولا الحديث . وفي هذا السياق أشهد الله أن خادم الحرمين الشريفين كان يحرص كل الحرص على إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة ومسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وشرفني بمهمة دراسة الموضوع مع اليونسكو ، وأوفد لهذه المهمة الخبراء والمهندسين ، ورصد المبالغ المطلوبة لهذا العمل الجليل لولا أن ظرفاً أردنياً حال دون ذلك . كما أنشأ وعمّر عدداً من المساجد داخل المملكة وخارجها ، ومنها مسجد قباء أول مسجد أسس على التقوى في الإسلام ، ومسجد القبلتين ، ومساجد العمرة ، أمد الله في حياته، وعمّر به مساجد الله في كل مكان .

أنشأ صناديق التنمية الثلاثة لخدمة الصناعة والزراعة والعمران ، فانطلقت الزراعة في عهده إلى أبعد مداها في إنتاج المحاصيل ، وأصبحنا نصدر القمح بعد استيراده من خلال الدعم المتواصل للمزارعين .
وفي الصناعة دارت العجلات في المدينتين الصناعيتين ينبع والجبيل ، بالإضافة إلى مئات المصانع الأخرى من كبريات المدن السعودية ، وأسهم العامل السعودي المؤهل إلى جانب الخبرات الأجنبية ، وحققت الصناعة المحلية الاكتفاء الذاتي بما لا يقل عن 60? من احتياجات البلاد .
وفي مجال الأعمال أسدى صندوق التنمية للمواطنين أجل الخدمات ، حيث قامت نهضة عمرانية كبرى في المدن وفي القرى على أحدث الأشكال الهندسية الحديثة وأجملها .

وفي ميدان المواصلات ازدانت المدائن بالطرق المعبدة والكباري والجسور ، وانتشرت الحدائق العامة في كل مكان . ولعلّ ما أنجزه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز بتوجيه خادم الحرمين الشريفين في مدينة الرياض عاصمة الملك ومهد الآباء والأجداد خير شاهد على ذلك ، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع أصحاب السمو الأمراء في مختلف المناطق والمقاطعات .

وفي مجال التحلية أحال الملك المفدى - حفظه الله - مياه البحر الأجاج إلى عذب فرات روى الناس ، وأنعش الأرض ، فأنبتت من كل زوج بهيج .

تلقبه بـ " خادم الحرمين الشريفين " :
في يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر صفر لعام 1407هـ الموافق للسابع والعشرين من شهر أكتوبر لعام 1986م ، وخلال الحفل الكبير الذي - رعاه وشرفه - الملك المفدى فهد بن عبدالعزيز بمناسبة افتتاح مركز تلفزيون المدينة المنورة دوى صوته - أعزه الله - عبر وسائل الإعلام لجميع الأقطار والأمصار معلناً قراره الملكي التاريخي ، وهو استبدال اسم صاحب الجلالة بلقب يحبه ويحب أن يلقب به في الخطابات وفي الجواب ، وهو لقب خادم الحرمين الشريفين ، ومن سواه أحق بهذا اللقب الذي صادف محله لما بذله من جهود ، وما أنفقه من الأموال في مشروع توسعة الحرمين الشريفين .

خدمة الحجيج :
أعد ونفذ لخدمة ضيوف الرحمن تلك المشروعات العظيمة التي شملت تعبيد الطرق وتعددها ، وتوسعة المشاعر وتطويرها ، وإقامة الكباري والجسور والأنفاق لتسهيل المرور وراحة الحاج ، بالإضافة إلى تأمين مياه الشرب المبردة على نفقته ومبرته .
كما أعد لخدمة الحجيج أضخم الناقلات الجوية والبحرية والبرية ، وقبل كل ذلك وبعده هيأ للحاج أجواء الأمن والأمان ليؤدي شعائره في سكينة واطمئنان .

المواقف الإنسانية :
على صعيد الدعم والمساعدات الإنسانية يسجل له التاريخ أصدق مواقف الإنسان وأروعها لأخيه الإنسان ، فما أن يعلم عن وقوع مآسي الشعوب من جراء النوازل الطبيعية حتى يبادر إلى إقامة جسر جوي من المساعدات الطبية والغذائية والعينية والمالية ، تمشياً مع رسالته الروحية ، ومشاعره الإسلامية ، وشهامته العربية .

جهود السلام :
لخادم الحرمين الشريفين في هذا المجال من الأعمال الجليلة ما يحفظه له التاريخ بمداد الفخار والإكبار ، سواء في المحافل الدولية أم من خلال مساعيه لدى العواصم العربية والغربية ، وحسبه مجداً بخطة السلام التي طرحها في مؤتمر فاس الأول ، وأهداها إلى إخوانه العرب في مؤتمر فاس الثاني ، ناهيك عن مساعيه لاستتباب الأمن والسلام في منطقة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط مروراً بالقضية الفلسطينية واللبنانية ، والقضايا الإسلامية الكثيرة في الصومال وأفغانستان وكشمير ، وغيرها من قضايا الأقليات الإسلامية في كل مكان .

أنظمة الحكم وتطوير مجلس الشورى لمواكبة النهضة الشاملة في البلاد.

مشروع طباعة المصحف الشريف ، وإهداء كتاب الله إلى الملايين من المسلمين في كل أنحاء الدنيا .

جعل الله هذه الأعمال في موازين حسناته ، وأجزل لـه الأجر والثواب ، وبعد:
فما هذه السطور سوى قطرة في بحر زاخر بأعمال هذا الملك الكريم ومنجزاته والوالد البار والقائد الملهم الكبير ، خادم الحرمين الشريفين الملك المفدى فهد بن عبدالعزيز ، حماه الله ، ورعاه

خادم الحرمين الشريفين الملك فهد وشيء من ذكريات التعليم

عبدالوهاب أحمد عبدالواسع
المستشار في الديوان الملكي


حينما أسندت وزارة المعارف لخادم الحرمين الشريفين - أعزه الله وحفظه - كانت أول مسؤولية إدارية عليا كلف بها ، وذلك في غضون عام 1373هـ كما أتذكر ، وكان عدد المتخرجين السعوديين في الجامعات العربية عامة والمصرية خاصة عددًا محدودًا ؛ فكان من سعة أفقه وكريم تطلعاته أن يختار عددًا منهم لتكليفهم بمسؤولية العمل معه ، فحرص على إقناعهم بالانتقال من أعمالهم لهذه الوزارة الناشئة ، وكنت أنا واحداً منهم ، وعملت معه - حفظه الله - منذ عام 1374هـ ، وبالتحديد في غضون ذلك العام ، وكان سبق لي أن تدارست ميزانية هذه الوزارة الوليدة بحكم عملي مديرًا عامًا للميزانية بوزارة المالية ، وكان ذلك بمدينة الرياض ، وحضر بنفسه - يحفظه الله - من حرصه على مناقشة تلك الميزانية مع رجاله الذين كانوا على رأس العمل بوزارة المعارف ، وبعد نقاش عميق وطويل تمت موافقة وزارة المالية على ما جاء ممكنًا بالميزانية المقترحة للتعليم ، وكان هناك موقف طريف فقد أمر - يحفظه الله - بإيجاد عدد من وظائف كثيرة خارج الهيئة آنذاك ؛ ولكن حينما رجعت لمرجعي - وزير المالية آنذاك معالي المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان - ارتأى تخفيض العدد ؛ لأن وزير المالية يحرص على المواءمة بين القدرة المالية ومختلف المتطلبات للوزارة والإدارات الأخرى ، فجرى تخفيض العدد للنصف ، ولم أستطع أن أتصل بمقامه الكريم لأشعره بذلك ، حتى لا تقع مشكلة بين وزيرين . وعندما صدرت الميزانية ، ولحظ ذلك عاتبني بشدة ، وقلت له : " إن ما تم كان خارجاً عن إرادتي " ، وظل - يحفظه الله - يذكر ذلك بكلمات تلمح إلى أنني أتسم بروح رجال المالية الذين لا يهمهم إلا المال أو ما في حكم ذلك ، ولذلك حينما اختارني - حفظه الله - كان يحرص أن أواجه موظفي وزارة المالية في دراسة ميزانيات المعارف بعد ارتباطي بها ، وقال : "أنت خير من يواجههم ؛ لتذوق المتاعب التي مارستها لوزارة المعارف" ، وكان في كثير من المناسبات يداعبني بذلك .
لقد استمر عملي معه - حفظه الله - حتى هذه الأيام وارتباطي بمقامه الكريم ، فقد أصبحت وكيلاً لوزارة المعارف ، ثم وزيراً للدولة ، ورئيساً لهيئة الرقابة والتحقيق ، ثم وزيراً للحج والأوقاف ، ثم مستشاراً بالديوان الملكي . وقد كان - يحفظه الله - يحيطني بعنايته المباشرة ، وكثيراً ما اختارني عضواً في اللجنة العليا لسياسة التعليم والمجلس الأعلى للجامعات ، وعضواً بمجالس عدد من الجامعات ، وذلك فضلٌ منه ، ورعاية للمحيطين به .
وفي وزارة المعارف كان لي عدد من الذكريات معه ، فهو - يحفظه الله - يتسم بدقة الملاحظة ، وقوة المتابعة ، وحسن الخلق ، وفن التعامل مع الآخرين.
ومن مفاجآته التي عشت بعضها أنني ذهبت للزواج من فتاة سعودية تعيش بمصر للدراسة ، وفجأة توجه مقامه الكريم إلى لبنان ، وسأل عني ، وأخبروه أني بالقاهرة للزواج ، وإذا بي أتلقى اتصالاً هاتفياً من معالي الشيخ إبراهيم العنقري - الذي كان آنذاك مديراً لمكتبه ، حفظه الله ، ثم مستشاراً خاصاً لخادم الحرمين الشريفين - يطلب مني التوجه إليهم ببيروت ، فأخبرته أني في ثاني أيام الزواج ، وما أن تمت المكالمة إذا بي أفاجأ بأمر كريم من مقامه بالتوجه إلى لبنان ؛ فأعمال الوزارة عنده - حفظه الله - أهم من أي عمل آخر ، ومن معاد القول أنه طور وزارة المعارف تطويراً كبيراً جداً ، وذلك بما له من رؤية وبصيرة ثاقبة ، وما منَّ الله عليه من سعة الأفق وحرصه على أن تتقدم بلاده ، وترتقي إلى مصاف الدول التي سبقتها ، ولولا الله ثم عزمه المستمر ومتابعته المباشرة وحرصه على رفع مستوى التعليم بالمملكة كماً وكيفاً وما يتبع هذا من رفع مستوى الإداريين والفنيين بجهاز الوزارة لولا ذلك ما تحقق للتعليم قفزاته الهائلة ، فدفع الموظفين إلى التدريب المستمر - على رأس العمل - وحرص - يحفظه الله - على الاستفادة واكتساب الخبرة بينهم وبين الخبراء المصريين والعرب ؛ ليستفيدوا من علمهم وخبرتهم ، وحرص على رفع الأداء التعليمي برفع مستوى المدرسين ، وذلك بإنشاء معاهد المعلمين ، وحرص على استقدام المعلمين من الدول العربية ؛ ليواجه بهم التوسع الذي تحقق في جميع مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي ، وكذلك في إيجاد عدد من معاهد التعليم الصناعي والزراعي والتجاري ، وأصبحت وزارة المعارف آنذاك تنشئ أو تبني مدرسة كل ثلاثة أيام في المدن والقرى ، بل الهجر ، وكان على الرغم من ثقته برجاله إلا أنه كثيراً ما كان يتأكد من صحة الإنجاز وعدم التلاعب في المقاولات بالوقوف بنفسه ، وإرسال رجال من طرفه وفي ضوء ما يتضح له يتصرف نحو إعطاء المزيد من الثقة أو سحبها ، وزاوج بين الثقافة والتعليم ، فأخذ يضم خيرة رجال الفكر والأدب والشعر ، ولم يترك منحى من مناحي التقدم التعليمي والثقافي إلا سلكه ، واستقدم خبراء من مصر لإعادة النظر في المنهج والكتاب والخطة . ومن المواقف الصعبة التي واجهها - حفظه الله - أن هناك دولة عربية كانت تمد وزارة المعارف بأكبر عدد من المدرسين ، فتوقفت عن ذلك لأسباب سياسية ، وطلبت من مدرسيها الموجودين الانسحاب ، وذلك قرب الامتحان ، وشعرنا جميعنا بصعوبة الموقف ، وتوقف الدراسة ، وليس ذلك بالأمر الهين ، وكان تفكيرنا منصباً على محاولة استرضاء تلك الدولة ؛ ولكنه - رعاه الله - سار في طريق آخر ، فحث جميع الطاقات السعودية في الوزارات الأخرى على سد هذا النقص مهما كانت الظروف ، واستجابوا لندائه، وتمت الدراسة ، وانتظمت الامتحانات ، وسارت الأمور على خير وجه . وقد حصل مثل هذا الموقف لبلد عربي كبير ، ولكنه اضطر إلى أن يتم نجاح الطلاب تلقائياً من صف إلى صف ، وبثاقب تفكيره - حفظه الله - حقق الاستمرارية حتى عادت الأمور إلى مجاريها .
ومن مواقفه - حفظه الله - أن طلاباً سعوديين في بلد عربي اشتكوا من مضايقاتهم - وكانوا طلاباً موفدين من وزارة المعارف للتعليم الجامعي - فاجتمع برجال وزارته ، وقال : " إن علينا أن نطلب العلم من نفس المنابع التي حصل الآخرون عليها ، وإن كان هناك ضرورة لتعديل منهج ما أو سد ثغرات فلتستكمل " ، ووجه بأن توجه البعثات لبلدان أوروبا وأمريكا ، وكانت أول بعثة دراسية كثيرة العدد ، واستمر ذلك التوجيه .
وكان ذلك في صالح المملكة وطلابها ؛ فتعددت ألوان المعرفة ، ثم كانت المفاجأة حين أصر على ضرورة إقامة جامعة سعودية ، وكنا مشفقين من تلك الرغبة ؛ لعدم وجود الإمكانيات الكافية لذلك ، ولكنه كلف لجنة من خبراء عرب ، ومن رجال وزارته ، وتمت دراسة الفكر ، ثم ما لبثت أن تحققت بإنشاء جامعة الملك سعود بالرياض التي بدأت بكليتي الآداب والعلوم ، واستقدم الدكتور/ عبدالوهاب عزام مديراً لتلك الجامعة ، ولولا الله ثم مضاء عزيمته - حفظه الله - لما تم قيام الجامعة ، فمن مناقبه الحميدة - أطال الله بقاءه - أنه لا يخضع للصعاب ، بل هو الذي يُخْضِعُ الصعاب .
ومن أهم مآثره حزمه في مواطن الحزم ، ولكن على سياسة :
فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا فليقس أحيانًا على من يرحم
ومما لمسته في عملي معه - حفظه الله - حينما كنت مديراً لمكتبه بالنيابة عن معالي الشيخ إبراهيم العنقري أنني كثيراً ما أشعر بالحيرة إزاء مذكرة ما تلقتها الوزارة من جلالة الملك آنذاك ، أو مواضيع صعبة من بعض وزارات المعارف بالدول الأخرى ، واجتهد في إبداء ما يكتبه تحت توقيعه حفظه الله ، ولكن بعد قراءتها يجد لها مخرجاً سهلاً ، لسمو روحه ، وعلو همته ، ولهذا فقد تعلمت الكثير من مقامه ، رعاه الله .
ومن حرصه على رسالة التعليم أنه كان يذهب بنفسه أسبوعياً إلى المدارس الثانوية وأحياناً الابتدائية ؛ ليشاهد دون سابق إنذار سير المدرسة والمدرسين والتدريس ، ويبدي ملحوظاته بعد كل زيارة .
وقد كان حريصاً على حضور المؤتمرات التعليمية في البلاد العربية وغيرها . وكان يفاجئ أحياناً بزيارة من يبنون المدارس ، وكثيراً ما كان يعدل في رسومها لمصلحة المدرسة ومن أجل مستقبل تطورها وكل من يعرفه - حفظه الله - يعرف أن لمساته في البناء لمسات مجرب وخبير .
وكان - حفظه الله - يحرص على مال وزارة المعارف ، فقد كان يناقش بشدة فيما يوقعه من مصروفات ، ويلغي أو يعدل ما يراه وفقاً لذلك ، وكان يشارك مشاركة مباشرة في إعداد الميزانية في كل عام ، ويوجه بدراستها في مجلس الوزراء ، ويتابع ذلك يومياً .
أما ما لمسته من كريم أخلاقه فهو حبه للخير ، ومراعاة المحتاجين ، والحرص على رفع مستوى كل المواطنين ؛ ليصبحوا في المقدمة من أجل مستقبل أفضل، وكان يسعى بنفسه لزيارة منسوبي الوزارة في حال مرضهم في منازلهم أو في المستشفيات ، وكان يتألم إذا رأى مريضاً منهم مرضاً شديداً ، ويهيئ له كل أسباب العلاج ، ويتميز - حفظه الله - بالمقدرة على الحجة بعد معرفة أدق التفاصيل ، وكان الواحد منّا يجيء إلى مقامه ، وهو في حالة يأس ، ويشرح له ظروفه ، ولا يخرج إلا وقد احتواه بحبه ورعايته وجميل صبره .
وكان الواحد منا يجيء لمقامه ليشكي ما يعانيه في وزاراته أو فيما يرجوه من أعمال لم تحقق بسبب مالي أو غيره ، فيتحدث معه حديث العارف الخبير ، فيخرج مستصغراً ما مرّ به إزاء تلك المعرفة .
حفظ الله مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وأمدّه بالقوة والسعادة من أجل مستقبل أكثر إشراقاً لأمتنا وبلادنا .
والسلام عليكم ورحمة الله

إنجازات منظورة في عهد الملك فهد

عبدالعزيز بن عبدالله السالم


شخصيات الزعماء تختلف باختلاف أصولهم وعمق جذورهم ، كما يسري ذلك الاختلاف على منبتهم ونشأتهم ؛ فأصالة المنبت وأهمية المنشأ من العوامل المهمة في تكوين شخصية الانسان ، فكيف إذا كان هذا الانسان مهيّأً للزعامة بحسب مكانته الاجتماعية وتكوينه الذاتي ، وفي ظل هذه الحقيقة تتأكد الزعامة ، وتتعملق على جميع المستويات داخلياً وخارجياً ، كما أنها تتألّق كذلك على الصعيد العالمي ، فيصبح اسم الزعيم مشاعاً في أرجاء الدنيا ، وذلك وفق المعطيات التي يقدمها والجهود التي يبذلها والإصلاحات التي عمل على تحقيقها لبلاده ، والروح التي يتعامل من خلالها مع شعبه ، والسياسة التي ينتهجها مع أمته بصفة خاصة والعالم أجمع بصفة عامة .
وقد جمع الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود خادم الحرمين الشريفين تلك الصفات ، وكان بها وبمثلها مهيّأً لامتلاك مقومات الزعامة بمواصفاتها الحقيقية ومتطلباتها الذاتية ، على نهج والده الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - أسد الجزيرة وموحد شتاتها وصانع وحدتها ؛ المؤسس لهذه الدولة السعودية في مرحلتها الحالية على قواعد الشريعة ودستورية الإسلام وفقاً لما نهجته الدولة السعودية منذ بدء تأسيسها وتعاقب عهودها منذ أكثر من (250) عاماً حتى هذا العهد ، وكان من مآثر الملك عبدالعزيز العاهل الكبير - وهي كثيرة - أن عمل على توحيد أقاليم هذه البلاد ، وَجَمعَ مناطقها في إطار واحد وتحت اسم واحد ، وإذا كانت بلدان كثيرة قد خصصت يومها الوطني وَمْعَلمها القومي بحدث يرتبط بمناسبة عابرة أو يتنوّع بتعدد تاريخ تسلم الحاكم لمقاليد السلطة فإن الملك عبدالعزيز بعبقريته المتفردة وبنظرته البعيدة وتساميه فوق كل اعتبار شخصي جعل من تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية ( اليوم الوطني ) الذي تحتفل بذكراه كل عام ، وعلى النهج نفسه كان تتابع كل عهود أبنائه الملوك من بعده بالاحتفاء بهذا التوحيد ، فكان يوماً مشهوداً من أيام بلادنا العزيزة التي تعتز بوحدتها في ظل قيادتها مشمولة بالأمن الشامل والعز الوارف والاتحاد التام الذي جسد الوحدة في أروع مظاهرها وبأعمق معانيها وأسمى أهدافها ، فجمعت البلدان المتباعدة والجماعات المتفرقة ، وصهرتها في شعب واحد ، كما وحدتها تحت راية واحدة تحمل الشعار العظيم : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وامتدت مسيرة هذه الدولة في نطاق مملكة واحدة مترامية الأبعاد واسعة الأرجاء متعددة المناخات والأجواء ، جمعتها كلمة واحدة ، وأظلتها راية واحدة ، وارتبطت بقيادة واحدة .
وقد تكرست هذه الوحدة الوطنية ، وبَدت أهميتها في جعلها مَعْلماً بارزاً من تاريخ المملكة المعاصرة ، وذلك بتحويل هذا الرمز الوحدوي المرموق إلى يوم وطني مشهود يتجدد الحديث عنه في كل حول ، ويعتز به كل مواطن ، وتتطلع إليه كل أمة ، والغاية من الاحتفاء الحولي بهذا اليوم التاريخي في حياة شعبنا العمل على تأكيد الحِس الوطني المتأصل في وجدان المواطن والمتنامي في جذوره ، إلى جانب استشعار نعمة الوحدة الجغرافية والسكانية التي نعيشها ، ونتفيأ ظلالها ، ونسعد بدوامها المستمر إن شاء الله تبارك وتعالى ، ومن خلال هذا الاستشعار الوطني ينغرس مفهوم اتحاد الكيان في حِس كل مواطن على الصورة الملموسة في واقعنا الحالي الذي نرجو امتداده آماد القرون وعلى مدى تطاول الأعوام ، وكل جيل من أجيالنا الواعدة سوف ينشأ عاشقاً للوحدة الوطنية مقدراً لها متفتّحاً عليها يرى فيها أحلامه الموعودة وآماله المرجوة ، فيحافظ عليها بما يحفظه لها من حب وما يحتفظ به لها من إخلاص ، والفضل لله تبارك وتعالى ثم للعاهل الكبير الملك عبدالعزيز الذي أقام أسوار الوحدة الوطنية وأعلى بناءها ، وصانها من بعده أبناؤه السائرون على دربه المحافظون على نهجه ، ولا شك أن هذا منهج وطني يسجل في مفاخر الملك عبدالعزيز ، فذلك منه - رحمه الله - ملمح رائع ووعي سابق لزمانه التفت إليه بشعوره الصادق وإحساسه المتفتح ، فكان هذا اليوم الوطني الذي تلتقي في مناسبته قلوب المواطنين كل عام وإن كانوا يمارسونه طيلة حياتهم .
وإذا كانت تلك الإشارة السابقة عن اهتمام الملك عبدالعزيز بوحدة الأمة وجَعْلِ يوم توحيدها رمزاً للاعتزاز الوطني فقد عمل على تعزيز هذا المفهوم أبناؤه الملوك من بعده ، وكل منهم يتصف بملمح من ملامح عبقريته ، وإذا كان المجال هنا مجال مناسبة للاحتفاء بمرور عشرين عاماً على حكم الملك فهد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين فإن حكمه امتداد لحكم والده العظيم ولأسلافه من إخوانه الملوك ، فمن المعلوم أنه أول وزير للمعارف في هذه البلاد ؛ إذ تولّى قيادتها عام 1373هـ؛ أي قبل نصف قرن من ذلك التاريخ ، وكانت انطلاقته بالتعليم انطلاقة جادة متوثبة كان فيها يسابق الزمان ، ويطوّع الظروف ؛ لأنه كان يدرك أنّ التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء كيان الأمة ورفع مستواها ، لذلك عمل على إشادة صرح العلم والمعرفة ، فوضع القواعد الأساسية لبناء النهضة التعليمية ، وعمل على توفير مقوماتها فيما نشهده من تطور ملموس في انتشار المدارس على نطاق واسع من المملكة على رحابة امتدادها واتساع رقعتها ، وتنوّع طبيعة أرضها ما بين سواحل منخفضة وجبال مرتفعة وصحاري واسعة ، فهي بلاد تشبه القارة ، ومع اختلاف عوامل الطبيعة الجغرافية وتناثر السكان بين الوهاد والمرتفعات والوديان والجبال فقد استطاع الملك فهد أن يجتاز كل تلك العقبات لإيصال العلم إلى جميع السكان في مختلف البلدان والقرى والهجر ، وكانت تلك نقلة كبيرة في مجال التعليم الذي امتد ليشمل الحاضرة والبادية ، فلا يشعر أي مواطن أنه لم تتحقق له الدراسة لأنه في قرية منزوية أو هجرة بعيدة أو في صحراء تكاد تكون مقطوعة الصلة بالمدن الآهلة بالسكان ، وبهذا الامتداد الكثيف بدأت مسيرة التعليم خطواتها الفسيحة رأسياً وأفقياً ، ولم تقف جهود الملك فهد عند حدّ ، سواء حينما كان وزيراً مسؤولاً عن التعليم أو بعد أن أصبح ملكاً يؤمن بأهمية الرسالة العلمية ، فقد عمل على توسيع النطاق التعليمي على مختلف مراحله وتنوع برامجه واتساع قاعدته ، وكما اهتم بالتعليم في بناء قاعدته الأساسية اهتم بالتعليم فيما فوق ذلك ، فقد وجَّه اهتمامه للتعليم العالي بعد أن أرسى دعائم المراحل الأولية ، فكانت الجامعات التي ضمَّت آلاف الطلاب ، وكَثرتْ التخصصات المطلوبة لمواكبة النهضة التي تشهدها البلاد في العديد من الميادين وعلى مستويات كثيرة تشمل جميع المناطق ، وتستجيب لمطالب المجتمع ، وتسد احتياجاته ، وفي إطار الاحتفاء بمرور عشرين عاماً على تولي الملك فهد مقاليد الحكم فقد كانت مناسبة سعيدة أن يصاحبه كذلك الاحتفاء بمرور خمسين عاماً على توليه وزارة المعارف .
ولا تقف منجزاته - حفظه الله - عند حقل التعليم واهتماماته المتوالية بنشره والارتقاء بمناهجه لمواجهة المستقبل الذي يتطلبه العصر ، ويتسلح به الشعب ، وإنما أضاف إلى ذلك منجزات إسلامية عالمية كانت إضافة رائعة وعملاً رائداً أكبرته الأمة الإسلامية ، واستحق به - إن شاء الله - الأجر الجزيل من الله تبارك وتعالى ، ثم الثناء الوافر لا من أبناء شعبه فحسب وإنما من أفراد المسلمين قاطبة ، وتتمثل تلك المنجزات الشامخة في تبني توسعة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة بصورة ليس لها مثيل فيما سبق ، تجلت في قيام المباني العملاقة في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وما نالته هاتان المدينتان المقدستان من توسع عمراني وتطور مادي ومعنوي ، فقد أقيمت في المدينتين المقدستين شبكات للطرق المعبدة إلى جانب الجسور والأنفاق بحسب احتياج كل مدينة والتي جرت على أسس هندسية محكمة ، وكان الملك نفسه يشرف عليها ، ويتابع خطواتها حتى تم إنجازها في زمن قياسي ، وهذه مأثرة من مآثر طموحاته في ممارسة الإصلاح .
وكان هذا دأبه في جميع أنحاء المملكة ، فقد حرص على الإفادة من الثروة المادية في عهده الزاهر بتوظيفها في الإعمار والتطوير بمختلف الوسائل وعلى أفضل المستويات ، ولم تقف النهضة عند حدود معينة ، ولكنها امتدت ، واتسعت لتشمل جوانب عديدة : ثقافية واجتماعية واقتصادية وإعلامية . وبهذا الدعم المتواصل والإشراف المتصل تحققت في بلادنا العزيزة ما يشبه الطفرة في جميع المناحي وفي كل المسارات الحيوية والبنوية ، وأعطت صورة مُشرِقة ومشرّفة لبلادنا بين بلدان كثيرة سبقتنا في المدنية ، وتقدمتنا في الحضارة .
ومن المنجزات التي تُحسب للملك فهد ، وتحققت في عهده التفاتته الواعية إلى تحديث الأنظمة في المملكة ، ولا سيما المهم منها مما له أثر ملموس في واقع البلاد وطبيعة حياتها ومواكبة مسارها المعاصر ، ولقد كانت فكرة تحديث الأنظمة - بما يتماشى مع تطورات العصر ومواجهة أحداثه - هاجساً ملحاً على ذهنه ، ومن خلال هذا الإلحاح صارت أملاً يشغل باله ، وبهذا الشاغل الفكري تحولت إلى عملية واعية تعهدها بنفسه ؛ فقد ظل من قَبْل يردّد في بعض أحاديثه الخاصة وفي بعض المناسبات ما يشهده من أن العصر الذي نعيشه يتقدم ، وتستجد فيه أحداث وتطورات ، وأنّ من الأنظمة ما تجاوزه الزمن ، ولذا فقد آن الأوان لتحديثها وتجديد صياغتها بما يواكب المعطيات الحديثة والتطورات الجديدة التي يشهدها عالمنا المعاصر ، ولذا فإنها بحاجة إلى إعادة نظر جاد ودراسة واقعية في ظل المستجدات الحالية ، سواء على مستوى النطاق الداخلي أو المستوى الخارجي ؛ لكي تتفق مع رسالة العصر وتحولاته ، وتلتقي مع اهتمامات المواطن في تطلعاته ، وتلبي احتياجاته ، وتساير مقتضى حياته ، وفي ضوء هذا التصور كانت تدور خواطر الملك فهد ومن واقع رؤيته البعيدة تحدّد اتجاه البوصلة التي رصد من خلالها دراسة الأنظمة ، وفي طليعتها الأنظمة الأساسية المهمة في كيان الدولة والمتمثلة في الأنظمة الأربعة التالية : النظام الأساسي للحكم ، ونظام مجلس الوزراء ، ونظام مجلس الشورى ، ونظام المناطق .

وقد كان دستور الدولة السعودية وما يزال - منذ تكوينها في عهدها الأول - الكتاب المنزل والسنة المطهرة ، وعلى هذا الأساس الإسلامي قامت قواعد الحكم ، وترسخت قدسية الدين في النفوس يتوارث ذلك خلف عن سلف ، ولا أدل على الاهتمام بمنهجية الإسلام والالتزام بشريعته من أن ( النظام الأساسي للحكم ) الذي هو بمثابة دستور الدولة قد أبرز في مواده الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية وتطبيقها في جميع الأحكام ، ومثالٌ على ذلك ما نصّت عليه المادة السابعة من هذا النظام ، وهو الآتي : ( يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة ) ، وقد تأكدت هذه المادة بالمادة التالية لها ، وهي المادة الثامنة ، ونصها : ( يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية ) ، وليس هناك ما هو أكثر وضوحاً من تمسك الدولة بالحكم الإسلامي شريعة ومنهجاً وتطبيقاً كما تضمنه هذا النظام .
وإذا كان نظام الحكم يقوم على أساس العدل والمساواة وفق الشريعة فقد جاء نظام مجلس الوزراء يحقق مفهوم العدالة والمساواة فيما تضمنته مواده التي من بينها المادة السادسة التي تنص على أنه : ( لا يجوز لعضو مجلس الوزراء أثناء تولّيه العضوية أن يشتري أو يستأجر مباشرة أو بالواسطة أو بالمزاد أيّاً كان من أملاك الدولة . كما لا يجوز له بيع إو إيجار أي شيء من أملاكه إلى الحكومة ، وليس له مزاولة أي عمل تجاري أو مالي أو قبول العضوية لمجلس إدارة أي شركة ) ، كما تضمن هذا النظام النص في مادته التاسعة على تحديد مدته بما لا تزيد عن أربع سنوات خلافاً لما كان عليه الوضع في السابق ، وقد شمل هذا التحديد في المدة كل من يشغل مرتبة وزير أو المرتبة الممتازة .
قد اهتم الملك عبدالعزيز - رحمه الله - منذ بدايات حكمه بالشورى سواءً فيما يتصل بمحيطه الخاص أو فيما لـه علاقة بشؤون الدولة عامة ، فقد أحاط نفسه بمستشارين من الشخصيات الكبيرة الذين لهم وعي بالسياسة وإدراك لمجريات الأمور، فكان لقاؤه الدائم بهم في اجتماعات خاصة لطرح ما يواجهه من مشكلات دولية أو ما يستجد من أحداث ، وانطلاقاً من توجيه الله تبارك وتعالى لرسوله الكريم: (وشاورهم في الأمر) وقولـه تعالى : وأمرهم شورى بينهم ، وتأسياً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في طلب المشورة من أصحابه الكرام ، رضوان الله عليهم ، فقد عمل الملك عبدالعزيز بقناعة ذاتية منه على تأسيس مجلس الشورى في مستهل عام 1346 للهجرة ؛ أي قبل إعلان توحيد البلاد عام 1351هـ مع أهمية هذا الحدث الكبير الذي سجله تاريخ المملكة في أنصع صفحاته على أنه حدث تاريخي يشكّل رمزها الوطني الذي تقرر الاحتفاء به حولياً ، ومع أهمية هذا الحدث فقد سبقه إلى ذهن الملك عبدالعزيز تكوين مجلس الشورى لما له من مكانة في حياة الشعوب .
وفي عهد الملك فهد اتسعت قاعدة هذا المجلس ، وتطور نظامه حتى شمل في دورته الحالية (120) عضواً ، وكما كان عدد الأعضاء يزداد في كل دورة من دوراته فقد جرى تحديد مدته بأربع سنوات كما انسحب هذا التحديد على مجلس الوزراء .
وجاء نظام المناطق ليواكب مستوى العمل الإداري المتطور في بلادنا ويتناسب مع اتساع مساحة الأعمال ومواجهة المستجدات : ( وكفالة حقوق المواطنين وحرياتهم في إطار الشريعة الإسلامية ) ، كما هو نص المادة الأولى من نظام المناطق الذي راعى تحقيق المصلحة العامة بتلبية احتياجات المواطنين حيث يقيمون ، وذلك بمراعاة استيعاب التوسع السكاني الذي أصبحت عليه المملكة في عهدها الحالي ، وبموجب هذا النظام تحددت المناطق الرئيسية في إطارها العام وفق التقسيمات الإدارية التي تضمنتها المادة الثالثة على النسق الآتي : ( تتكوّن كل منطقة إدارياً من عدد من المحافظات فئة ( أ ) والمحافظات فئة ( ب ) ، والمراكز فئة ( أ ) والمراكز فئة ( ب ) ، ويراعى في ذلك الاعتبارات السكانية والجغرافية والأمنية وظروف البيئة وطرق المواصلات ) .
وإذا كان من الاهتمامات التي أولاها الملك فهد - حفظه الله - جُلّ عنايته : اهتمامه بالنهضة التعليمية بكل أبعادها على اعتبار أنها مفتاح التطور الحضاري بكل معطياته الإيجابية والمنطلق التقدمي في جميع المجالات فإن هذا الاهتمام قد امتد ليشمل مناحي كثيرة ومتنوعة في نواحي الحياة : العلمية والثقافية والاقتصادية والصحية والعمرانية والصناعية والزراعية ، إضافة إلى جوانب أخرى لها أهمية في تطور المجتمع وتقدم الوطن .
ومن واقع هذه التطورات التي خطتها هذه البلا د في مضمار التقدم إلى جانب الدور الذي تؤدّيه على الساحة الخارجية عربياً وإسلامية ودولياً استطاعت أن تبني لنفسها مكانة متميزة في عالمنا المعاصر على مستوى يليق بها أصالة وتاريخاً بصفتها قبلة المسلمين ومهد العروبة وحاضنة المدينتين العزيزتين على جميع المسلمين مكة المكرمة والمدينة المنورة اللتين تضّمان أقدس بقاع الأرض ، وفيهما الحرمان الشريفان ومهوى أفئدة المسلمين ، ولعل مما يتوّج مبادرات الملك فهد أن أضفى على نفسه لقب خادم الحرمين الشريفين ، وكان حقاً مؤهلاً لهذا اللقب بما قدمه من خدمات منظورة للحرمين الشريفين بصفة خاصة وللبلاد بصورة عامة

من مشاريع الخير والنماء في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود

ثنيان بن فهد الثنيان


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله المصطفى الأمين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم . أما بعد :
فمرَّ عشرون عاماً على تولي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود - حفظه الله - مقاليد الحكم ، وقد تحقق في عصره الميمون الزاهر نهضةٌ في جميع أنحاء البلاد حتى أصبحت المملكة العربية السعودية في مصاف الدول المتقدمة ، وهذه مناسبة طيبة يسرّني أن أشارك فيها ، ويُعزِّز مشاركتي أن لدي من الإلمام والمعرفة عن خادم الحرمين الشريفين منذ حداثة سنه قدرًا أفخر به ؛ حيث كنت ضمن مجموعة نشأت في خدمة الملك فهد وإخوانه الأشقاء المعروفين بآل فهد بن عبدالعزيز منذ ما ينيف على ستين عاماً ؛ إذ أوكل إليَّ بعض المهام ، والذي أَطلق هذا الاسم(آل فهد ) هو الملك عبدالعزيز - رحمه الله - أطلقه على البيت الذي تسكنه والدتهم الأمير حصة بنت أحمد بن محمد السديري رحمها الله.
الملك فهد بن عبدالعزيز - حفظه الله - هو من الشخصيات التي وهبها الله منذ صغر سنه رزانة العقل ، والتواضع ، وحسن التصرف ، والعاطفة التي تميز بها ، إضافة إلى مكارم الأخلاق الفاضلة ، وبره بوالدته ، والتواضع أمامها ، حيث إنه بعد زواجه الأول يأتي إلى والدته وإخوانه وأخواته الأشقاء في اليوم الواحد أكثر من ثلاث مرات ، ويرعى شؤون إخوانه ، ويرشدهم ، ويعطف عليهم ، وكأنه لهم والد حنون بار في معاملته معهم مع أنه - حفظه الله - يقدر الأسرة كافة كل تقدير ، سواء كانوا أعمامه أو إخوانه أو أبناء أعمامه ، ويكنّ لهم كل احترام ومحبة ، كما أن معاملته مع مرافقيه المعروفين بـ (الخوياء) هي معاملة الأخ لأخيه ، فلا يجرح شعور أحد منهم ، ولا يمس أحداً بأذى ؛ لأن لديه من التواضع ورزانة العقل ما يجعله لين الجانب ؛ إذ إنه يقدر كبير السن ، ويعطف على الصغير ، ويهتم بالفقراء والمساكين ، وهو يتمتع بخصال حميدة كثيرة ، فهو لا يقبل النميمة ، ولا التشهير ، ولا التجريح بأحد ، ولا يقبل التملق ، وكثرة المبالغة ، كما أنه يحب عمل الخير ، ويفضل ألاّ يطلع عليه أحد من المخلوقين ، ولا يحب أن يقول : عملنا لفلان ، أو أعطينا فلاناً ، فهذه من خصاله وأعماله الخيرة قبل أن يتولى أي منصب ، كما أنه لا يتجاوز الأنظمة أو الإخلال بها ، ويحرص أشد الحرص على عدم مخالفة ما يصدر من التعليمات من جلالة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ، وممّا يدل على ذلك أن الذين في القنص ويجتازون الدهناء إلى الصمان والدبدبة والحدود الشمالية إذا احتاجوا لبعض الأشياء الضرورية التي يتطلبونها يرسلون سيارة إلى الكويت لإحضار ما يحتاجون إليه ؛ لأنه - في ذلك الوقت - لا توجد مراكز بين المملكة والكويت تمنع السيارات ، وفي عام 1369هـ كان الملك فهد - حفظه الله - في القنص ، ومعه إخوانه الأشقاء الأمير سلطان ، والأمير عبدالرحمن ، والأمير تركي ، والأمير نايف ، والأمير سلمان ، والأمير أحمد ، وكانوا في الحدود الشمالية للقنص عند ذلك أمرني الأمير فهد أن أحضر بعض الاحتياجات التي يحتاجون لها ، وكان أقرب بلد لنا هو حفر الباطن ، ولم يكن فيه إلا قصر الإمارة والآبار التي تشرب منها البادية في الصيف ، فأمرني - يحفظه الله - أن أذهب إلى الكويت لإحضار هذه الاحتياجات ، وأن أذهب إلى أمير حفر الباطن حينذاك صالح بن عبدالواحد رحمه الله ، وأعطاني كتاباً لأذهب إلى الكويت في سيارة المركز ، وقد استغرب ابن عبد الواحد من طلب استخدام سيارة المركز ، وقال لي : " إنّ مخيم الأمير فهد مملوء بالسيارات التابعة لهم ، فكيف تحتاجون لسيارة المركز ؟! " ، فقلت لـه : " لا بد أن نظر الأمير فهد أبعد مما تتصوره ، وهو أدرى بذلك " ، وفعلاً ذهبت بسيارة المركز , وكانت أوامر الأمير فهد لي أنني حينما أشتري ما يلزم من احتياجات ، وأعود إلى حفر الباطن يجب أن أوقف السيارة في جمرك الحفر للاطلاع على ما تحتويه السيارة ، وهذا من بعد نظره يحفظه الله ؛ حيث رأى أنه لا يتجاوز الأوامر الصادرة من الملك عبدالعزيز حتى لا يقال : إن سيارات الأمير فهد دخلت الكويت ، وهرَّبت بضائع . وعندما أنهينا إجراءات الجمرك في حفر الباطن استلمنا بياناً من الجمرك ؛ ليطلع عليه الأمير فهد . وهذا مثال يدل على بعد نظره وحسن تصرفه بتطبيقه للأنظمة واحترامه لها ، والحقيقة أن هذا قليل من كثير ، ولو كتبنا ما نعلم عنه - يحفظه الله - من الصفات الجليلة والخصال الحميدة لملأنا الصفحات الكثيرة ، ولكن كما يقول المثل : " ما كل ما يعلم يقال " .
ونود أن نتكلم عن الوقت الذي تولى الملك فهد - حفظه الله - مقاليد العمل الحكومي ؛ إذ كان أول وزير للمعارف ، ونهض بالعلم في أنحاء المملكة ، وكان - حفظه الله - حريصاً كل الحرص على تأسيس وزارة المعارف على أسس متينة ، فعيّن الرجال المخلصين الذين تتحقق بهم التطلعات ، ويسيرون على توجيهاته حتى وصل التعليم في المملكة إلى ما وصل إليه من تقدم وازدهار ، كما أن أول جامعة أُنشئت في الرياض كانت زمن توليه وزارة المعارف ، وهي المعروفة اليوم بجامعة الملك سعود ، وعندما اكتمل البناء الأول لهذه الجامعة - التي كانت بدايتها بتبرع من سكان الرياض ومتابعة من أمين مدينة الرياض حينذاك الأمير فهد بن فيصل آل فرحان رحمه الله - أمر الأمير فهد أن يتسلّم الأستاذ ناصر المنقور الجامعة، وعين لها مديراً حينذاك هو عبدالوهاب عزام تحت إشراف وزارة المعارف، وتحققت الطموحات والتطلعات لسموه - يحفظه الله - بعد توليه منصب وزير المعارف ، فأنشئت العديد من الجامعات ، وعددها ثمان ، ووزعت فروعها في أنحاء المملكة حتى وصلت إلى هذا المستوى الذي وصلت إليه الآن من تقدم وازدهار ، واستمرت الرعاية الكريمة منذ أن كان الأمير فهد وزيراً للمعارف ، ثم ولياً للعهد ، ثم ملكاً على البلاد إلى يومنا هذا . كما أنه - حفظه الله - عندما تعين وزيراً للداخلية أرسى قواعد الأمن على أسس سليمة ، ونتج عن ذلك هذا الأمن والاستقرار الذي تعيشه بلادنا ، وبعد أن تعين - حفظه الله - ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء تحققت النهضة العظيمة للمملكة العربية السعودية في جميع المجالات التي عادت على البلاد بالخير حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من تطور وازدهار .
وقد كان من أهم المشروعات الخيرة والجبارة التي أولاها الملك فهد - حفظه الله - جل اهتمامه ، وأشرف عليها ، واطلع على مخططاتها ، وتابع مراحل تنفيذها شخصياً توسعةُ الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وإنشاء الطرق في مكة المكرمة ، ووضع الميادين ، وشق الأنفاق في الجبال ، كل ذلك اهتم به - حفظه الله - لخدمة الإسلام والمسلمين حجاج بيت الله الحرام الذي يصل عددهم إلى مليوني حاج سنوياً ، وكان من أهم المشروعات كذلك توسعة حرم المدينة المنورة وميادينها التي كلفت نزع ملكيتها مليارات الريالات ، كل ذلك بتوجيهاته وإشرافه حفظه الله ، كما أنه أضاف لبنة خير في المدينة النبوية بتأسيس مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة الذي طبع منه ملايين النسخ ، وتم توزيعها على العالم الإسلامي والمراكز الإسلامية في جميع أنحاء العالم بأرقى أنواع الطباعة والتجليد ، وكذلك طباعة تفسير القرآن الكريم بلغات عديدة، تم توزيعها للجاليات المسلمة في كل مكان ، وقد وجدت هذه المشروعات الخيرة كل الدعم والمتابعة والاهتمام والإشراف منه يحفظه الله ، حتى وصلت للمستوى المشرف ، فنالت هذه المشروعات الإعجاب لدى جميع المسلمين في كل مكان .
كما أنه - حفظه الله - اهتم بإنشاء الطرق التي اخترقت صحاري المملكة وجبالها ، وعمت المملكة من غربها إلى شرقها ، ومن شمالها إلى جنوبها ، فأصبحت المملكة من الدول المتقدمة لوجود شبكة طرق نفذت وصممت على أحسن مستوى بأرقى تصميم .
كما أولى الملك فهد جل الرعاية والاهتمام للجانب الزراعي ، فصدرت التوجيهات بإنشاء البنك الزراعي الذي أعطى المزارعين قروضاً طويلة المدى دون فوائد ، ومن هذه القروض قسم غير مردود ، وكذلك أعطى وزارة الزراعة والمياه الصلاحيات المطلقة لمنح المواطنين أراضي شاسعة يتملكونها بعد مدة قليلة من إحيائها .
وفي الميدان العمراني أنشئ الصندوق العقاري الذي نهض بجميع المدن والقرى وهجر البادية بقروض مجزية طويلة الأجل مما حقق نهضة عمرانية عمّت أرجاء المملكة ، وكذلك مشروعات التنمية الصناعية بدعم من صندوق التنمية الصناعية الذي قدم قروضاً بمئات الملايين طويلة الأجل دون فوائد نهضت بالصناعة في المملكة العربية السعودية ، وخير شاهد على ذلك الهيئة الملكية في الجبيل وينبع لإقامة قاعدة صناعية ضخمة ، وضعت المملكة في مصاف الدول الصناعية الكبرى المتقدمة ، كما صدرت توجيهاته - حفظه الله - بمنح الشركات المساهمة أراضي ومساعدات وامتيازات وقروض حتى اكتفت البلاد بما تحتاج إليه ، وكانت قبلُ تستورده من الخارج، كما قامت كثير من الشركات باستعمال الخامات المحلية كشركات الإسمنت ، وشركة الجبس الأهلية ، وشركة الإسمنت الأبيض ، وغيرها .
ومن أعماله الجليلة توجيهاته السامية للوزارات والمصالح الحكومية بما يحقق الأمن ، والاستقرار ، وإنجاز المشروعات التي تعود بالخير على الوطن والمواطن ، ومن المشروعات العظيمة التي تمت بتوجيهاته ومتابعته الشخصية - حفظه الله - مشروع تحلية مياه الشرب من الجبيل التي مدت أنابيبها مع الصحاري والرمال لمدينة الرياض والقرى المجاورة لها ، ومد أيضاً خطوط أنابيب لسقيا مدن سدير والقصيم وغيرها من القرى والهجر المجاورة لها ، والمشاريع في طريق مد الأنابيب إلى مدينة حائل وما جاورها من مدن ، كذلك محطات التحلية في جدة على البحر الأحمر لمد المياه إلى جدة وما حولها ولمكة المكرمة وما حولها ، كذلك محطات التحلية التي وضعت على ساحل البحر الأحمر لمد أنابيب اخترقت جبال كرا لسقيا الطائف وغيرها من المدن المجاورة بالمياه العذبة المحلاة من البحر ، ومثلها مشروع التحلية المقام في ينبع على البحر الأحمر لسقيا مدينة ينبع وما جاورها من المدن على الساحل الشمالي ، ومد الأنابيب إلى المدينة المنورة وما حولها ، وكذا مشروع التحلية في جازان لسقيا مدينة جازان وما حولها من مدن الساحل من المياه المحلاة من البحر ، ومد أنابيب المياه مع السروات جبال عسير لسقيا مدينة أبها وخميس مشيط وما جاورها من القرى، ومن المشروعات حفر الآبار في جميع المدن والقرى ، وجلب معدات تحلية خلاف ما استخرج من البحر ، ووضع السدود التي أفادت منها البلاد في تخزين مياه الأمطار ، منها سد نجران الذي أفادت منه مدينة نجران وما حولها ، كذلك سد جازان ، وسد أبها ، وسد بيشة العملاق ، وسدود كثيرة لو أردنا أن نتحدث عنها لملأنا صفحاتٍ من المشروعات الخيرة .
أما على الساحة الدولية فالملك فهد له جهود جبارة على جميع الأصعدة ، وأهمها القضية الفلسطينية القضية الأولى للمسلمين والعرب التي أولاها اهتماماً خاصاً ؛ إذ قام بالدعوة لعقد قمم إسلامية عدة عقدت برئاسته حفظه الله ، أو شارك فيها ، وقدم فيها ما يدعم الحق الفلسطيني ، وإعادة أرضه المغتصبة ظلماً وعدواناً ، وكان ذلك الدعم في المجال السياسي ، كما كان في الجانب المادي ؛ إذ تبرعت المملكة بمئات الملايين من الريالات للفلسطينيين ، ومن ذلك ما تم أخيراً من إنشاء صندوق الأقصى الذي قدمت المملكة فيه من التبرع ما يواسي أبناء الشعب الفلسطيني.
كما أننا لا ننسى الموقف النبيل للملك فهد في الأزمة العصبية إثر احتلال العراق لدولة الكويت ، إذ قام الملك فهد بدور تاريخي كان له الأثر في عودة الكويت وتحريرها من الاحتلال ؛ فقد قام - يحفظه الله - ببذل جميع السبل الممكنة لعودة الكويت ، وتم ذلك بتوفيق الله ثم بالحنكة السديدة ؛ وقد سخر جميع أمكانات المملكة على جميع الأصعدة ، فسجل التاريخ للملك فهد بن عبدالعزيز الدور الريادي في عودة دولة الكويت وتحريرها من الاحتلال .
كما أن للمملكة العربية السعودية ممثلة في الملك فهد جهوداً جبارة في مجالات الإغاثة والإعانة ، فلا تجد دولة وقعت لها نكبة إلا وتجد مبادرة كريمة تغمرها العاطفة من الملك فهد بتقديم الإغاثة لهؤلاء المنكوبين أو اللاجئين ، ومنها ما حدث بالأمس القريب للشعب الأفغاني ، إذ وجه - يحفظه الله - بمساعدات تزن أطناناً كثيرة خلاف ما سبق تقديمه من إغاثات متتالية للمحتاجين ، ومنها ما تم تقديمه للدولٍ ، منها: البوسنة ، والهرسك ، والشيشان ، والسودان ، واليمن ، والباكستان ، وبنجلاديش ، ودول أفريقيا ، وغيرها من الدول المنكوبة ؛ إذ أرسلت هذه المعونات بشكل عاجل بأمر من الملك فهد مصطحبة معها المواساة لهؤلاء المنكوبين .
هذه نبذة قليلة عن مشروعات الخير والنماء التي تحققت في عهد الملك فهد الزاهر الميمون ، يحف بها الأمن والاستقرار الذي تنعم به هذه البلاد في ظل كتاب الله وسنة رسوله ، وتحكيم الشرع المطهر ، ونصرة المظلوم ، ودحر الظالم ، والعدل ، والمساواة بين الناس بالحق ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، فنسأل الله العلي القدير أن يديم على هذه البلاد أمنها وقيادتها ، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله

فهد بن عبدالعزيز رجل تشهد بنجاحه أفعاله قبل أقواله

عبدالرحمن بن علي الجريسي


في لحظات تجرد ننظر من خلالها لمليكنا المفدى فهد بن عبدالعزيز آل سعود - يحفظه الله - تلفحنا دون أدنى تكلف في النظر في أعماله الخيِّرة وأفعاله الحميدة خلال فترة حكمه التي شهدت أحداثاً بالغة الخطورة باهظة الكلفة ، وهي أعباء لا يتصدى لها إلا قليل جداً من البشر يتمتعون بالخبرة الكافية والحكمة المعززة بعبقرية القرار وحسن الاختيار ، وإن المرء ليعجز عن أي صفة ينبغي وضعها أمام الرجل فهد بن عبدالعزيز مقابل هذه الأعباء العظيمة والمهام الشديدة الحساسية التي بذل لها شبابه وجل وقته داخلياً وخارجياً التي كان لها في الغالب أثرٌ عظيم في استتباب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية طوال عقدين من الزمان على النحو الذي نتمثله ، ونستشعره جميعنا - نحن مواطني المملكة - رخاءً ونماءً واستقراراً وأحلاماً ما خبت - بحمد الله - أبداً ، ولذا فإن الخوض في بحور شمائله وصفاته لهو أيسر كثيراً من الخروج منها .
وبأخلاق المسلم وبسالة الشجاع قاد فهد بن عبدالعزيز آل سعود الأمة الإسلامية والعربية نحو مزيد من التضامن والحضور القوي في جميع المحافل الإقليمية والدولية ، وبفضل الدعم الجسور الذي قدمه الفهد - يحفظه الله ويرعاه - إلى قضايا الأمة العربية والإسلامية فقد تغيرت كثيراً من مواقف الدول والمؤسسات على مستوى العالم تجاه مسائل جوهرية تمس الأمن القومي بل وجود دول بأكملها على الخارطة .
والمرء يستشعر ميل الإنسان " فهد بن عبدالعزيز " الفطري نحو مكارم الأخلاق ونكران الذات من اختياره للقب " خادم الحرمين الشريفين " ، والاختيار اللائق هذا أتبعه – حفظه الله – بالعمل الدؤوب المكلل بوقار الصمت في إنجاز أكبر توسعة شهدها الحرمان الشريفان ، توسعة ترافق معها إنشاء العديد من المرافق والخدمات التي وفرت أفضل الظروف لضيوف الرحمن حتى إن هذه الأريحية – التي ما بخل عليها بالمال والإنفاق والجهد والمتابعة – سارت بأخبارها الركبان .
ولما كان الفهد واسع الصدر دقيق المعرفة شديد الحب للوطن فقد أثمرت تلك الطباع رجلاً إدارياً فذاً جعل من إحداث أكبر نهضة تنموية شهدتها المملكة هي هاجسه الأكبر ، فاستقطب لهذا الغرض كبريات الشركات العالمية ذات الخبرة الواسعة في مجالات اختصاصها ، أشرك معها كل أبناء الوطن المخلصين في القطاعات الحكومية والخاصة لإتمام نقل المملكة من الصف الثالث إلى الأول ، ومن التقليدية إلى العصرية في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد والأمن ، وها هي الأرقام والإحصاءات بل ما تشاهده العين توضح كيف أن ذلك قد تم في زمن وجيز بمعدلات فاقت كل تصور . لقد حرص - يحفظه الله - على ترسيخ مبدأ المؤسسات والشورى في منظومة الحكم في البلاد ، فشهدت المملكة خلال عهده الزاهر أكبر طفرة في مجال تطوير الأنظمة السياسية والإدارية ، مثل نظام الحكم ونظام مجلس الشورى ، والمناطق ، وغيرها الكثيرالكثير .
ونال القطاع الخاص في عهده الميمون أكثر الفرص والاستحقاقات في مجال المشاركة في عملية البناء والتنمية ، فكان هذا القطاع - حقاً - خير معين للدولة في مقصدها الحضاري الرئيس المتمثل في ضرورة تحقيق رفاهية المواطن السعودي .
وفي الشأن الخارجي فإن عبقرية الاختيار جعلت الملك فهد بن عبدالعزيز ينأى ببلده وشعبه عن مزالق الاستقطاب والتحول يميناً ويساراً ، فكانت الحكمة ضالته ، والثبات دينه ، والانعطاف لما يمليه عليه دينه بوصلته ، وعدم التدخل في شؤون الغير وسيلته ، فعرفت المملكة بناءً على هذه السياسة الحكيمة بأنها الملجأ والملاذ لجميع الفرقاء والخصماء ، يسترشدون بحكمة قيادتها ، ويختارون ما تختاره لهم طريقاً للصلح ؛ لكنه قاد في المقابل مبادرات عديدة أثمرت في تعزيز الثقة والاستقرار بين المملكة وجيرانها ، وفي حل القضية اللبنانية ، وإنهاء محنة الأشقاء في الكويت ، ومثابرة رصينة لإنهاء محنة الأشقاء في فلسطين ، إنه - بأوجز عبارة - يمتلك أنجع الحلول لأعقد القضايا ، ومنها المسائل الحدودية مع الدول المجاورة .
وللفهد جهود جبارة في خدمة الإسلام في جميع أنحاء الكرة الأرضية ، فأنشأ المراكز والمساجد ومؤسسات الإغاثة خاصة في أشد المناطق حاجة لها في إفريقيا ، والبلقان ، وفي آسيا ، وأوروبا ، وأمريكا الجنوبية ، والشمالية ، وكانت طباعة المصحف الشريف والعناية بأمره جهداً متصلاً للرجل في سياق خدمة الدين الإسلامي .
إن للفهد يداً ميمونة ومأمونة تجاه المواطن ، وإن الاحتفاء بهذه المناسبة العزيزة لهو أقل القليل مما يمكن رد بعض الجميل إليه بوصفه رجل أمة .
والله تعالى ندعو ، ولله نبتهل بأن يحفظ مملكتنا ومليكنا وجميع ولاة أمرنا وشعبنا السعودي ، ويعصمهم وإيانا من كل بلاء وشقاء ، وأن يبقي بلدنا دائماً فتية غنية

غازي عبدالرحمن القصيبي الملك فهد بن عبدالعزيز كما عرفته أميراً وملكاً

كنت قد رأيت الأمير فهد بن عبدالعزيز في الستينات الميلادية (الثمانينات الهجرية) مرات عدة ، إلا أن المقابلات لم تتجاوز السلام العابر . لم يتح لي أن أعرفه معرفة حقيقية إلا أثناء عملي في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية . بعد أسابيع قليلة من انتقالي إلى الدمام زار الأمير فهد المنطقة ، وذهبت للسلام عليه . طلب أن يراني على انفراد ، وبقيت بعد أن انصرف الحاضرون . بدأ يتحدث بانطلاق وعفوية وفوجئت خلال الحديث أنه يتحدث عن فلسفة تنموية لا تختلف عن تلك التي كنت أطمح إلى وضعها موضع التنفيذ . قال الأمير فهد : " أنا لست من حملة الشهادات العالية ، ولست من المثقفين ، ولا أعرف النظريات الاقتصادية ، ولكني أعرف تماماً ما يريده كل مواطن ، يريد المواطن بيتاً لائقاً يضمه ويضم أولاده ، ويريد عملاً كريماً يرتزق منه ، ويريد مدرسة في الحي يرسل إليها أطفاله ، ويريد مستوصفاً متكاملاً بقرب بيته ، ويريد مستشفى لا تبعد كثيراً عن المستوصف ، ويريد سيارة ، ويريد خدمة كهربائية منتظمة ، ويريد .. " .اتضح لي من خلال الحديث أن الأمير فهد كان ـ عن غير قصد ـ يتبنى النظرية التنموية التي عرفت فيما بعد باسم إشباع الحاجـات الأساسية . كان الأمير فهد وقتها نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخليـة ، وقـد بدأ يضطلع بدور متزايد في إدارة شؤون الدولة .


وحينما توليت وزارة الصناعة والكهرباء كانت الخطة الخمسية الثانية تنصّ على إنشاء مشاريع صناعية كبرى في الجبيل وينبع ، فاتجه تفكيري أول ما اتجه إلى إنشاء مؤسسة عامة تتولى تنفيذ هذه المشاريع إلا أن الصديق محمد أبا الخيل وزير المالية والاقتصاد الوطني اقترح إقامة شركة مساهمة تجارية تعمل وفقاً للأسس التجارية الخالصة ، ويمكن مستقبلاً بيع جزءٍ من أسهمها إلى الجمهور .


حملتُ الفكرة إلى الأمير فهد الذي أصغى باهتمام وتحمس للفكرة حماسة شديدة ومنحني الضوء الأخضر ، وأهم ملمح جذب الأمير فهد إلى الفكرة هو وعدي القاطع بأن تتنازل الحكومة عن أسهمها مستقبلاً للمواطنين ، وكان الأمير فهد حريصاً كل الحرص على أن يمتلك المواطنون أسهماً في كل شركة تقيمها الدولة أو تسهم فيها . بدأتُ العمل الدائب لإنشاء الشركة السعودية للصناعات الأساسية التي سرعان ما اشتهرت باسمها المختصر " سابك " ، مع إنشاء الشركة بدأت ملحمة التصنيع .


ولم تتوطد علاقتي مع ولي العهد الأمير فهد وتتعمق إلا خلال الوزارة . عندما أتحدث عن علاقة وطيدة عميقة فأنا أتحدث عن علاقة عمل ، لقد لقيت من عطف هذا الرجل ، أميراً وولياً للعهد وملكاً ، ما يجعلني عاجزاً عن أن أفيه حقه مهما فعلت أو قلت . ولكني أكذب عليه وعلى نفسي وعلى التاريخ إذا زعمت أن العلاقة بين الرئيس والمرؤوس تحولت إلى صداقة . كان فارق السن بيننا يسمح لي أن أعتبره بمثابة الأب ، وكان الاحترام ، من جانبي ، يقودني إلى أن أعامله كما أعامل الأب .


كان الأمير فهد يدرك ، بخبرته الطويلة ، أن الجهاز البيروقراطي التقليدي عاجز عن تحقيق الأحلام التنموية التي كان يريد أن تتحقق . وكان يعرف ببصيرته النافذة أن مجموعة التكنوقراطيين المحيطة به كانت قادرة على تذليل العقبات وتحريك الجهاز الحكومي البطيء . كنت واحداً من تلك المجموعة الصغيرة التي حظيت بثقة ولي العهد . ومع ذلك اكتشف الأمير فهد منذ الشهور الأولى عنصراً من عناصر شخصيتي كان يتمنى لو لم يوجد : الاندفاع الشديد . كان يقول ، أحياناً ، في مجالسه الخاصة : " لو رزق فلان بعض الصبر لكان إنساناً مثالياً " . قال لي أكثر من مرة : " لماذا أراك مشتطاً طيلة الوقت ؟ عمل الحكومة لا ينتهي " وقال لي مرة : " ارفق بنفسك . لو مت على المكتب هل ستعرف ماذا سيقول الناس ؟ سيقولون : " مجنون قتل نفسه " " . لو ولدتُّ صبوراً لكنت إنساناً أفضل من جميع الوجود ، ولكني كنت سأكون إنساناً مختلفاً عن الإنسان الذي عرفه الأمير فهد وعرفه الناس . في النهاية أدى " الاندفاع الشديد " إلى انتهاء تجربتي الوزارية .


في مجال الكهرباء كانت الكيانات الكهربائية الهزيلة المبعثرة ظاهرة تجاوزها الزمن ولا بد من سياسة جديدة تعتمد المنطق العلمي وتتفاعل مع المتغيرات الجديدة ، لا بد من توحيد شركات الكهرباء في كيانات قوية قادرة فنياً ومالياً وإدارياً ، على ملاحقة التعطش المتحرّق إلى الكهرباء . إن الشركات الموحدة بالإضافة إلى حتمية إنشائها لأسباب فنية وإدارية وتخطيطية تمثل حلاً موفقاً بيَّن ضرورة إشراف الدولة الفعال على مرفق الكهرباء ، وبيَّن مبدأ الاقتصاد الحر الذي تنتهجه الدولة . إن الدولة ممثلة في المؤسسة العامة للكهرباء هي المساهم الرئيسي في جميع الشركات الموحدة ، غير أن للمساهمين القدامى دورهم . بحثت فكرة توحيد الشركات في كل المناطق مع الأمير فهد وأبدى حماسة واضحة للفكرة ( يجب أن لا ننسى أن فكرة الشركة الموحدة الأولى نبعت من مبادرته الشخصية ) .


كان الأمير فهد ـ وفيما بعد الملك فهد ـ رجلاً جم الأدب شديد الحياء . لم أره ، قط يرفـض طلباً من وزير أو من أي إنسان آخر بصفة مباشرة . مع الزمن تعودت ، وتعود بقية الوزراء ، على أسلوب ولي العهد . عندما يوافق على طلب من وزير كان يوجهه بأن يمضي قدماً في التنفيذ ( كان يستعمل عبارات مثل " على بركة الله " أو " توكل على الله " أو " هذا مناسب جداً " ) . عندما تكون لديه تحفظات على الطلب كان يطلب من الوزير أن يكتب له رسالة عـن الموضوع ( يعني هذا أن احتمال الموافقة قد انخفض إلى 50% ) . عندما تكون لديه شكوك جدية حول حكمة القرار المطلوب كان يقول للوزير : " دعني أفكر " . ( معنى هذا أن احتمال الموافقة انخفض إلى 10%) . عندما يقرر عدم الاستجابة لطلب كان يطلب من الوزير أن يبحث الموضوع مع وزير المالية ( يعني هذا أن احتمال الموافقة أصبح 1% ) .


كان مجلس الوزراء ينعقد مرة في الأسبوع ، وكان الاجتماع يستغرق ما بين ساعتين وثلاث ساعات . كانت المواضيع التي تثار تبحث بكل حرية ، وفي كثير من الحالات لا يحسم الأمر إلا بالتصويت . كان الأمير فهد يرفض أن يمتنع أحد عن التصويت ، ويصر على سماع كل رأي ( حتى عندما يخالف رأيه هو ) . إلا أن مجلس الوزراء لم يكن يبحث سوى الموضوعات المهمّة . كثير من عمل الدولة الإداري والمالي الذي يصدر من مجلس الوزراء كان يتقرر في اللجنة العامة . بعبارة أخرى كانت اللجنة ـ لا المجلس ـ مكان المناقشات الصاخبة ، كانت اللجنة تضم نصف أعضاء المجلس ، وكان من حق أي وزير أن ينضم إليها عندما تبحث أمراً يخص وزارته . كانت اللجنة تجتمع مرة في الأسبوع ، من العاشرة صباحاً إلى الواحدة بعد الظهر .


أود أن أستطرد ـ هنا ـ فأقول : إنه لا الأمير فهد ولا مجلس الوزراء كان حريصاً على إصدار تشريع جديد كل يوم . كان ولي العهد يكرر دائماً : " اتركوا الناس تتنفس " ، " ولا تكتموا أنفاس الناس " ، و" دعوا الناس تتحرك " . كان أثقل شيء على نفس ولي العهد وعلى نفوس الوزراء إصدار نظام جديد يحتوي على قيود جديدة أو عقوبات جديدة .


كان " التخصيص " أولية من أولياتي قبل أن يصبح في عهد (مارجريت تاتشر) كلمة على كل لسان . كانت الدولة تملك أسهماً في بعض شركات الكهرباء وفي شركة الأسمدة ( سافكو ) . اتفقت مع محمد أبا الخيل على أن تباع هذه الأسهم للعاملين في هذه الشركات ، وأن تسدد أثمانها من الأرباح ، تحمس الأمير فهد للفكرة ، ونفذت على الفور . ظل الأمير فهد بعدها ، سنين عدة ، يتحدث عن هذه التجربة . الحـق أقول : إني لا أدري في ضوء ما أعرفه عن حماسة الأمير فهد ـ وبعد ذلك الملك فهد ـ الشديدة للتخصيص لماذا لم تتمش سرعة الإدارة مع حماسة الملك ؟


بعد قرابة شهر من تكليفي بوزارة الصحة سألني الملك فهد إذا كنت أحتاج إلى شيء . قلت له : إن ميزانية الوزارة تتجاوز عشرة بلايين ريال ، ولم يكن يصرف منها سوى أكثر من النصف بقليل . قلت : إن ما أحتاج إليه هو شعور الناس أنه يقف معي في كل الخطوات التي اتخذتها ، والتي سأتخذها مستقبلاً في بادرة سخية غير معهودة قال : " أعد الخطاب الذي يتضمن تفويضك بالصلاحيات المطلوبة وسأوقعه " . أعددت مسودة خطاب يؤكد تأييد الملك لي ويفوضني في اتخاذ " كافة الإجراءات " الضرورية لتطوير المرفق . سألني الملك ـ مرة أخرى ـ : " هل أنت متأكد أنك لست بحاجة إلى اعتمادات إضافية ؟ " . كان حرص الملك على تحسين الخدمات الصحية لا يقل عن حرصي ، وقد يزيد . قلت : " الاعتمادات تكفي . ولكن الإجراءات المالية ، أحياناً بطيئة . أستطيع أن أتحرك بسرعة إذا أمكن تحرير مبلغ معين ، ضمن ميزانية الوزارة ، من القيود الروتينية " . وافق الملك وتضمن الخطاب نفسه ، علاوة على التفويض ، تخصيص مبلغ مئة مليون ريال من ميزانية الوزارة ، يتفق بشأن تدبيره مع وزير المالية والاقتصاد الوطني ، ويجوز لوزير الصحة أن يصرف منه دون أن يتقيد بالإجراءات المالية المعتادة . عندما انتهى المبلغ الثاني لم تكن هناك حاجة إلى طلب مبلغ ثالث . الذين يتحدثون عن " الاعتمادات الهائلة " التي جاءت معي لا يعرفون أن المشكلة ـ وقتها ـ لم تكن في وجود الاعتمادات ، ولكن في بطء صرفها .


كانت ثقة الملك المطلقة التي عبر عنها الخطاب ، والتي عبر عنها شخصياً بأكثر من وسيلة في أكثر من مناسبة ، كانت هذه الثقة المطلقة ، قبل الصلاحيات وقبل الاعتمادات ، هي سلاحي الأول والأخير في معارك وزارة الصحة ، وكانت هناك معركة كل يوم .


وبعد أسبوعين من الإعفاء كنت بجانب الملك على مائدته نتبادل الأحاديث الودية . قلت له إنني أستطيع ـ الآن ـ أن أستأنف العلاقة الصافية ، علاقة الابن بأبيه ، بعيداً عن مشاكل العمل . وقال عني كلاماً طيباً يمنعني الخجل من تكراره . سألني عن الرحلة التي أنوي القيام بها حول العالم ، وحدثته عن خط سيرها وتحدثنا بعض الوقت عن جزر (هاواي) التي لم يزرها أحد منا . سألني عما أنوي أن أفعله بعد عودتي من الرحلة ، وقلت له : إنني قد أعمل في مجال الاستشارات القانونية ، ولكنني لم أقرر بعد . بعد العشاء بأسبوع تلقيت مكالمة هاتفية ليلية من الملك يسألني فيها عن موعد السفر . قلت له : إني سوف أسافر في الأسبوع القادم . قال : " استمتع بكل يوم من الإجازة ؛ لأني أود بعدها أن تعود إلى العمل " . عقدت المفاجأة لساني فتمتمت ببعض عبارات الشكر الغامضة ، وأنهى الملك المكالمة ، متمنياً لزوجتي ولي إجازة ممتعة .


أعود إلى العمل كانت هذه مبادرة نبيلة من رجل نبيل ، وكان الولاء يقتضي أن أرد التحية بمثلها على الفور بقبول العودة . ولكن إلى أي عمل أعود ؟ لم أكن بحاجة إلى كثير من الذكاء لأدرك أن العمل الوحيد المناسب لوزير سابق هو السفارة . كل السوابق في كل مكان تؤكد هذه الحقيقة

مع الف تحيه
وان شاء الله المزيد مني
مع الف تحيه ..
Traidnt in Heart , Forever
لا اصل ولا فصل لناكر الجميل
المشاهدات 2073 | التعليقات 22
قديمة 02 - 08 - 2005, 17:00
المشاركة 2
صورة 'Allulu' الرمزية
Allulu
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 04 - 03 - 2005
رقم العضوية : 2039
الدولة : AE .. JO .. PAL
المشاركات: 6,441
افتراضي رد : نبـــــض المناسبــــــه
جزاك الله كل خير أختي إسراء على النقل
قديمة 02 - 08 - 2005, 17:08
المشاركة 3
صورة 'Asorah' الرمزية
Asorah
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 04 - 2005
رقم العضوية : 3678
الدولة : دار جابر العثرات
العمر: 32
المشاركات: 6,253
افتراضي رد : نبـــــض المناسبــــــه
الله يسلمك ويخليك
وان شاء الله قد نتميز بكل هذه الأمور
مع الف تحيه
والسلام ختام ,,
Traidnt in Heart , Forever
لا اصل ولا فصل لناكر الجميل
قديمة 02 - 08 - 2005, 17:09
المشاركة 4
صورة 'x_5' الرمزية
x_5
:: TRAIDNT ::
:: رفيق الدرب ::
تاريخ الإنضمام: 20 - 09 - 2004
رقم العضوية : 11
الدولة : :: UAE ::
المشاركات: 258,175
8
افتراضي رد : نبـــــض المناسبــــــه
تسلمين اختي
قديمة 02 - 08 - 2005, 18:42
المشاركة 5
صورة 'Asorah' الرمزية
Asorah
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 04 - 2005
رقم العضوية : 3678
الدولة : دار جابر العثرات
العمر: 32
المشاركات: 6,253
افتراضي رد : نبـــــض المناسبــــــه
الله يسلمك
مع الف تحيه
Traidnt in Heart , Forever
لا اصل ولا فصل لناكر الجميل
قديمة 08 - 11 - 2005, 23:47
المشاركة 6
صورة 'خالد.' الرمزية
خالد.
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 07 - 04 - 2005
رقم العضوية : 3479
الدولة : الـــــكــــويــــــت
العمر: 38
المشاركات: 7,074
افتراضي
جزاك الله كل خير أختي إسراء على النقل
لاتنسونا من صالح دعائكم يا إخواني
http://www.tvquran.com
قديمة 09 - 11 - 2005, 00:22
المشاركة 7
صورة 'الجالي' الرمزية
الجالي
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 08 - 03 - 2005
رقم العضوية : 2184
الدولة : .: تبوك :.
العمر: 40
المشاركات: 1,024
افتراضي
يعطيك ربي الف عافية ويرحم الملك فهد
قديمة 09 - 11 - 2005, 01:55
المشاركة 8
صورة 'sary' الرمزية
sary
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 07 - 04 - 2005
رقم العضوية : 3463
الدولة : الوطن العربي كلهم هلي
المشاركات: 9,489
افتراضي
يعطيك العافيه اخت اسراء
طرح علمي متميز يجعلنا نهتز امام مجهودوصبر وتضحيه
هذا القائد الذي جعل التاريخ يسجل اسمه بحروف من ذهب
نسال الله له الرحمه وان يسكنه فسيح جناته وجميع حكامنا واموات المسلمين
اجمعين
الف شكر لكي وبانتظار جديدك
قديمة 09 - 11 - 2005, 02:42
المشاركة 9
صورة 'عبدالرحمـن' الرمزية
عبدالرحمـن
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 29 - 07 - 2005
رقم العضوية : 6535
الدولة : ::[الريـاض >> الشـقـة]::
العمر: 36
المشاركات: 5,018
افتراضي
جزاك الله كل خير أختي إسراء على النقل
العاب فلاش , العاب
سبحان الله وبحمده | سبحان الله العظيم
Master @ 0ff0.com
قديمة 09 - 11 - 2005, 13:14
المشاركة 10
صورة 'رحيق الورد' الرمزية
رحيق الورد
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 22 - 11 - 2004
رقم العضوية : 500
العمر: 31
المشاركات: 2,977
افتراضي
تسلمين اختي
قديمة 09 - 11 - 2005, 23:28
المشاركة 11
مواقع نت
:: عضـــو::
تاريخ الإنضمام: 09 - 11 - 2005
رقم العضوية : 11760
المشاركات: 42
افتراضي
مشكورة اختي
قديمة 28 - 11 - 2005, 16:49
المشاركة 12
صورة 'Asorah' الرمزية
Asorah
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 04 - 2005
رقم العضوية : 3678
الدولة : دار جابر العثرات
العمر: 32
المشاركات: 6,253
افتراضي
اللهم امين يا شباب
وشكرا لمروركم
مع الف تحيه
نـور معجب بهذا.
Traidnt in Heart , Forever
لا اصل ولا فصل لناكر الجميل
قديمة 28 - 11 - 2005, 17:06
المشاركة 13
alrwd.com.sa
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 30 - 11 - 2004
رقم العضوية : 560
المشاركات: 3,153
افتراضي
يعطيك ربي الف
قديمة 28 - 11 - 2005, 21:00
المشاركة 14
shorbagy
||| عضو التميز |||
تاريخ الإنضمام: 22 - 05 - 2005
رقم العضوية : 4516
الدولة : شمال سيناء
العمر: 31
المشاركات: 16,849
افتراضي
مشكورة وتسلمى اختى
يارب سترك ورضاك وعفوك عنا يارب
www.daman4web.com
www.egyxpro.com
قديمة 28 - 11 - 2005, 21:24
المشاركة 15
صورة 'محمد المطيري' الرمزية
محمد المطيري
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 21 - 03 - 2005
رقم العضوية : 2954
الدولة : من الحرة .. للمجرة
المشاركات: 1,417
افتراضي

رغم طول الموضوع إلا أنه يستحق القراءة والوقوف مطولاً مع ما ذكره به ..

لا نعرف قيمة أحدهم .. إلا حين نفتقده ..

والفضائل تذكر .. كما تذكر الإنجازات ..
وكانت أعظم فضيلة وأعظم إنجاز للرجل " فهد بن عبد العزيز " ..
أن وقف بوجه كل " ليبرالي " و" علماني " أراد بمجتمعنا السوء ..

رحمك الله يا أبا فيصل .. فقد أنطلقت أقلامهم بزمانك ..
ولكنك أوقفت أفكارهم عن التطبيق ..

والأن ..
وقفت أقلامهم .. وبدأ التطبيق !! ..


الأخت Asorah ..
طرح قيم بلا شك .. تجاوز حدود الأهداف .. ليصل إلى نقطة لقاء بهذا " الرجل الحقيقي " ..
لا عدمناك .. ولك التحية والشكر ..





 
مغلق
 
العلامات المرجعية

:: دعاء يصهر الحديد ويجمد الماء من قوته :: نصائح لااصحاب المواقع اذا فيك حيل تقرا تفضل

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق العرض


الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 10:33.
المعهد غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي معهد ترايدنت ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

جميع الحقوق محفوظة Traidnt 2019
  • 00966138651070
  • 00966138648289
  • 2051033691
Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.