×

قديمة 17 - 01 - 2010, 12:02
المشاركة 61
صورة 'alnorway.com' الرمزية
alnorway.com
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 30 - 09 - 2008
رقم العضوية : 61052
الدولة : طاعة الله رسوله نرجو القبول من الله
المشاركات: 2,281
افتراضي
متابع
طريق النور يرحب بكم

المنتديات الدعوية
المكتبة الاسلامية

البث المباشر للقنوات الاسلامية

( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ( 19 ) إني ظننت أني ملاق حسابيه ( 20 ) فهو في عيشة راضية ( 21 ) في جنة عالية ( 22 ) قطوفها دانية ( 23 ) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ( 24 ) )



اميلى
[email protected]
قديمة 17 - 01 - 2010, 12:20
المشاركة 62
صورة 'إياد عبدالله' الرمزية
إياد عبدالله
عضو شرف
تاريخ الإنضمام: 07 - 01 - 2007
رقم العضوية : 31622
الدولة : في مكان متهالك وآيل للسقوط
المشاركات: 6,755
1
افتراضي
لله درك ياشيخ محمد العريفي انظر لموقفه من امطار جدة (فيديو + صوت) والله اثلج صدري


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



موقف الشيخ الدكتور محمد العريفي من أمطار جدة



لله درك ياشيخ محمد العريفي



يعلم الله لقد زاد حبك في قلبي ياشيخ محمد

ويعلم الله انك اثلجت الصدور ياشيخ محمد



مقتطفات من الخطبة لفضيلة الشيخ د.محمد العريفي

اقتباس

كلنا قد بلغنا وأحزننا وأدمى قلوبنا وأبكى عيوننا ما
أصاب إخواننا ، وأحبابنا ، وأھلنا ، وأقاربنا ، في مدينة جده ،ونسأل الله تعالى ، أن
يكشف ما بھم من ضر ، وأن يتقبل الله تعالى موتاھم ويكتبھم عنده شھداء ، وأن يجبر
الله تعالى مصابھم ، وأن يكشف الله تعالى كربتھم ، وأن يعوضھم الله تعالى خيرا ،
وھو أمر يُعد كارثة وإنك لتعجب إذا وقع ھذا في مدينة جده وفي المملكة العربية
السعودية
ينزل على غير جده من الأمطار في دول متعددة أمطار ربما تكون في حجمھا
أضعاف الأمطار التي نزلت في جده ومع ذلك لا يقع عندھم أن يتھدم عندھم ما يتھدم
من البيوت ، وأن تفسد عدد من الممتلكات ، وأن يتوفى أكثر من مائة إنسان ، وأن
تحمل ھذه المياه السيارات بل تحمل الشاحنات ، بل رأيت بعيني شاحنة تحمل
السيارات فوقھا ومع ذلك الماء يلعب بھا يمينا ويسارا ،


مقتطفات من الخطبة لفضيلة الشيخ د.محمد العريفي

( اصبة الهدف ياشيخ محمد )

اقتباس

لا شك أنھ وقعت أنواع من التفريط من عدد من المسؤولين الذين
كان من المفترض أن يتجھزوا لمثل ھذه المصائب ،ليس ھذا أمر واقع جديد على
الناس كل البلدان يُصيبھا أنواع من الإمطار ، أنواع من السيول
ھل يُعقل يا جماعة أن يُنشأ نفق أمام قصر خادم الحرمين الشريفين في جده ومع ذلك
ھذا النفق لا يكون فيھ إي تصريف للسيول ؟؟!!!
يعني إذا قلنا إن عددا من البيوت التي تھدمت أُنشئت في وديان وفي مجاري السيل
واستأجرھا ربما أقوام ضعفاء واشتروھا بأثمان قليلة اقل من غيرھا ،و جاءتھم ھذه
السيول وفعلت ما فعلت لبيوتھم
إذا كان الأمر مبنيا على ھذا ثم يأتي بعض المسئولين ويقول :أصلا ھؤلاء ھم الذين
اخطئوا لما سكنوا في مثل ھذه الأماكن ...
فنقول .. طيب ما الذي ملأ ذلك النفق بالماء حتى إلى اليوم .. يمضي عليھ الآن
10 أيام والى اليوم لم يجف الماء فيھ !!
ولا تزال بعض السيارات في داخلھ بل اكتشفت سيارة فيھا 7 أشخاص وھم موتى
وغرقى في داخل النفق ..
وھل جامعة الملك عبد العزيز التي تھدم جدارھا ،والتي أُخرج المرضى الذين فيھا
..ھل نقول والله ھذه مبنية أيضا في مجرى سيل ؟؟





مقتطفات من الخطبة لفضيلة الشيخ د.محمد العريفي

اقتباس

لا تسألوا عن جده الأمطار
لكنْ سلوا مَنْ يملكون قرارا
لا تسألوا عنھا السيولَ فإنھا
قَدَرٌ، ومَنْ ذا يَصْرف الأقدارا؟
لا تسألوا عنھا بحيرةَ (مِسْكِھَا)
فَلِمِسْكِھَا معنىً يؤجِّج نارا
أتكون جدَّةُ غيرَ كلِّ مدينةٍ
والمسكُ فيھا يقتل الأزھارا؟!
لا تسألوا عن جدَّةَ الجرحَ الذي
أجرى دموعَ قلوبنا أنھارا
لكنْ سلوا عنھا الذين تحمَّلوا
عبئاً ولم يستوعبوا الإنذارا
مَنْ عاش في أغلى المكاتب قيمةً
وعلى كراسيھا الوثيرة دارا


مقتطفات من الخطبة لفضيلة الشيخ د.محمد العريفي

لله درك ياشيخ لقد نطقت بالحق

اقتباس

ووالله ليسألن أولائك الذين كانوا يقومون على تصريف السيول وعلى أمور المجاري
في جدة والله ليسألن عن أعمالھم التي عملوھا وعن تفريطھم الذي وقعوا فيھ .


مقتطفات من الخطبة لفضيلة الشيخ د.محمد العريفي

تخنقني العبرة يا شيخ

اقتباس

ولله لما قرأت تصريحات عدد من يتولون الأمور في ذلك المكان تذكرت قول الله
تعالى "فاقبل بعضھم على بعض يتلاومون" ، كل واحد يقول فلان ھو المسئول وأنا قد
أرسلت إليھ وقد كتبت ، ولو أن أحدھم فجع في خمسة من أولاده أو فجع في بيتھ
أو في مزرعتھ أو في بستانھ أو في أموالھ التي تتراكم عنده في حسابھ ، لو انھ فجع فيھا
كما فجع الفقراء والمساكين الذين رأينا صورھم يبكون أولادھم ويبكون أھليھم ،
وبعضھم يقول رجعت من الحج ولا وجدت أھلي ولا ادري أين ھم ، ووالله لو كان قد
فجع أولئك المسئولون بما فجع بت أولئك الفقراء لأحسوا فعلا بالحرقة


اقتباس

اللھم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراھيم وعلى آل إبراھيم ،
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراھيم وعلى آل إبراھيم ،في
العالمين انك حميد مجيد .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين




خطبة أمطار جدة عبرة وعبرة بتاريخ 17-12-1430


لتحميل الخطبة كاملة ( مرئية )

http://www.arefe.com/video_down-1119.html


لتحميل الخطبة كاملة ( صوتية )

http://www.arefe.com/audio_down-1039.html

لتحميل الخطبة ملف pdf

http://www.arefe.com/bookdown-155.html


للمشاهدة عبر اليوتيوب


اقتباس
المشاركة الأصلية أضيفت بواسطة : لـؤي الخـطيب

1
http://www.youtube.com/watch?v=pM0nHxnLltg

2
http://www.youtube.com/watch?v=t3_0XqTZuec

3
http://www.youtube.com/watch?v=wH0ghHgjIk4


...





جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ الدكتور محمد العريفي

www.arefe.com




لنشر الخطبة عبر المواقع

يمكنك تحميل ملف وورد

منسق وجهاز

بالمرفقات




تم التجميع والتنسيق من قبلي ارجوا الدعاء لي ولوالدي


ودمتم بحفظ الله ورعايتة

المرفق

https://www.traidnt.net/vb/attachment...2&d=1260829078

المصدر

https://www.traidnt.net/vb/traidnt1413200/

أستغفر الله وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~ عدد مآ كان وعدد مآ يكون وعدد خلقك يارب العالمين ..

اللهم ارحم " عبدك فآرس " واغفر له وأسكنه فسيح جناتك . .


--------------





Twitter @Eyad_3bdullah
التعديل الأخير كان بواسطة إياد عبدالله; 17 - 01 - 2010 الساعة 12:24
قديمة 17 - 01 - 2010, 12:56
المشاركة 63
صورة 'عذبوك يا قلبي' الرمزية
عذبوك يا قلبي
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 28 - 03 - 2008
رقم العضوية : 55167
الدولة : الريــاض
المشاركات: 2,308
افتراضي
الشيـخ و لآيهمـك الروافضـة...؟


يآرب سترك بـس

عش كأنك تموت غداً , وتعلم كأنك تعيش للأبد
قديمة 23 - 01 - 2010, 00:19
المشاركة 64
صورة 'saleh_aljafar' الرمزية
saleh_aljafar
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 10 - 2009
رقم العضوية : 70945
الدولة : شرقاوي السعوديه
المشاركات: 5,640
4
افتراضي
عيش السعداء


د.محمد بن عبدالرحمن العريفي





الحمد لله الذي أنشأ خلقه وبرا ..
الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته .. وصرف أمورهم بحكمته ..
الحمد لله الذي ذلت لعظمته الرقاب .. ولانت لقوته الصعاب .. وجرى بأمره السحاب ..
الحمد لله .. الذي تسبحه البحار الزاخرات .. والأنهار الجاريات .. والجبال الراسيات ..
أحمده سبحانه وحلاوة محامده تزداد مع التكرار .. وأشكره وفضله على من شكر مدرار ..

والصلاة والسلام على النعمة المهداة .. والرحمة المسداة .. محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
أما بعد أيها الأخوة والأخوات ..
خلق الله تعالى الخلق من أصل واحد .. وجعلهم يختلفون في أشكالهم وأحوالهم ..
منهم الغني ومنهم الفقير .. ومنهم والأبيض والأسود .. والبخيل والكريم .. والشاكر واللئيم .. منهم التقي العابد .. الفاجر الفاسد ..
ومنهم الصالح الزاهد .. والكافر الحاقد ..
لكن هؤلاء جميعاً يتفقون في أنهم يسعون سعياً حثيثاً لتحصيل غاية واحدة .. هي السعادة ..
فالتاجر الذي يمضي نهاره في التجارات .. والطالب الذي يقضي السنين بين المدارس والجامعات .. والموظف الذي يبحث عن أرفع المرتبات ..
والرجل الذي يتزوج امرأة حسناء .. أو يبني منزلاً فاخراً .. كل هؤلاء إنما يبحثون عن السعادة ..
بل والشباب والفتيات الذين يستمعون الأغنيات .. وينظرون إلى المحرمات .. إنما يبحثون عن السعادة ..
سعة الصدر .. وراحة البال .. وصفاء النفس .. غايات تسعى النفوس لتحصيلها ..
فعجباً لهذه السعادة الذي يكثر طلابها .. ويزدحم الناس في طريق الوصول إليها ..
ولكن السؤال الكبير .. هل حصل أحد من هؤلاء على السعادة التي يرجوها ؟!
هل هو في أنس وفرح حقيقي ليس فيه تصنع ولا تظاهر ؟
كلا بل - والله - أكثر هؤلاء كما قال أحدهم :
ما لقيت الأنــام إلا رأوا مني ابتساماً وليس يدرون ما بي
أُظهر الانشراح للنــاس حـتى يتمنــوا أنهم في ثيابي
لو دروا أني شـقي حزين ضاق في صدره فسيح الرحاب
لتناءوا عـني ولم يقربوني ثم زادوا نفـــورهم باغتيابي
فكـأني آتي بأعظم ذنب لو تبدت تعاستي للصــحاب
هكذا الناس يطلبون المنايا للذي بينهم جليل المصــاب
وأول من يفقد السعادة هو من التمسها بمعصية الله تعالى ..
فأصحاب المعاصي في الحقيقة ليسوا سعداء .. وإن أظهروا الانشراح والفرح ..
ولا تغتر بظاهر عبيد الشهوة .. فإنهم يبتسمون ويضحكون ..
ولكن قلوبهم على غير ذلك ..
ووالله لو شاهدت هاتيك الصدور رأيتهــا كمراجل النـــيران
ووقودها الشهوات والحسرات والالآم لا تخبو مدى الأزمـــان
أرواحهم في وحشة وجسومهم في كدحها لا في رضى الرحــمن
ما سعيهم إلا لطيب العيش في الدنيـا ولو أفضى إلى النـــيران
هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطـــان
لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم فقد ارتضوا بالذل والحرمــان
لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفـــران
لكنــها والله أحقـر عنده من ذا الجناح القاصر الطـــيران
طبعت على كدر فكيف تنالها صفواً أهذا قـط في الإمكـــان
والله لو أن القلوب سليمة لتقطعت أسفا من الحرمــــــان
لكنها سكرى بحب حياتها الدنيا وسوف تفيق بعد زمـــــان
بالله ما عذر امرئ هو مؤمن حقا بهذا ليس باليقظــــــان
تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتهـا بنفائس الأثمــــــان
ولكن لله تعالى أقوام عاشوا عيش سعداء ..
أذاقهم الله طعم محبّته .. ونعّمهم بمناجاته .. وطهّر سرائرهم بمراقبته .. وزين رؤوسهم بتيجان مودّته ..
فذاقوا نعيم الجنة قبل أن يدخلوها ..
فلله درهم من أقوام عرفوا طريق السعادة فسلكوه ..
وقد اشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العيش فكان يدعو كما عند الترمذي وغيره ويقول : اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء .. ونزل الشهداء .. وعيش السعداء .. ومرافقة الأنبياء .. والنصر على الأعداء ..
أولئك السعداء .. إذا ضاق صدر أحدهم بمصيبة .. أو اشتاقت نفسه إلى حاجة ..
بسط في ظلمة الليل يداً سائلة .. وسجد بنفس واجلة .. وسأل ربه من خير كل نائلة ..
وأحسن الظن بربه .. وعلم بأنه واقف بين يدي ملك .. لا تشتبه عليه اللغات .. ولا تختلط عنده الأصوات .. ولا يتبرم بكثرة السائلين وتنوع المسئولات ..
إذا جن عليهم الليل .. وفتح ربهم أبواب مغفرته .. كانوا أولَ الداخلين .. فهم المؤمنون بآيات الله حقاً ..
] إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون * أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون * ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون [ ..
روى البخاري ومسلم ..
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكنت غلاماً شاباً .. وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني .. فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر .. وإذا لها قرنان .. وإذا فيها أناس قد عرفتهم .. فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار .. قال : فلقينا ملك آخر .. فقال لي : لم ترع .. فقصصتُها على حفصة .. فقصّتها حفصةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقال : نعم الرجل عبد الله .. لو كان يصلي من الليل ..
فكان عبد الله بعدها لا ينام من الليل إلا قليلاً ..
قال عنه مولاه نافع : كبر سنّ عبد الله بن عمر ..
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الوتر فقال فيما رواه الترمذي وأصله في الصحيحين : ( إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن ) ..
ويجمع الله لمن يصلي الوتر بين نعمتي الدنيا والآخرة .. استمع إلى هذا الحديث الحسن .. الذي رواه الترمذي قال صلى الله عليه وسلم : ( قال عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد ) ..
والعجب .. أن صلاة الوتر هي أسهل العبادات .. ومع ذلك يهملها كثير من الناس ..
لو إن إنساناً صلى المغرب ..
ولو حدثت رجلاً بفضل صلاة الضحى ..
صلاة الوتر أفضل ..
ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها أحد عشرة ركعة .. فإن ثقلت عليك فصلها تسع ركعات فإن شقّت فصلها سبعاً أو خمساً أو صلها ثلاثاً .. فإن تكاسلت نفسك عن ذلك فصلها ولو ركعة واحدة ..
الله أكبر ركعة وتكتب عند الله ممن صلوا الليل ..
وبعض الناس إذا قلنا صلاة الليل ظن بأنه لا بدَّ أن يقوم قبل الفجر ..
فكن من هؤلاء السعداء .. الذين أحسنوا علاقتهم بربهم ..
فإذا نزلت بك حاجة ..
فصفَّ قدميك في المحراب .. وعفر وجهك في التراب .. واستعن بالملك الغلاب ..
واصدق في لجئك .. وابك بين يدي ربك ..
فإذا رأى الله منك الذل والانكسار .. وصدق الحاجة والاعتذار ..
كشف عنك الضر .. ومنَّ عليك بانشراح الصدر ..
فعندها تذوق لذائذ الصالحين .. وتحيا حياة المطمئنين ..
وفي القلب فاقة لا يسدها إلا محبة الله والإقبال عليه .. والإنابة إليه ..
ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه :
أن رجلاً فقيراً كان له بغل يكاري عليه من دمشق إلى الزبداني قال هذا الرجل :
فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب .. فقلت: لا خبرة لي فيها .. فقال: بل هي أقرب .. فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل .. فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكيناً معه وقصدني .. ففررت من بين يديه وتبعني .. فناشدته الله وقلت : خذ البغل بما عليه .. فقال هو لي : وإنما أريد قتلك .. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل .. فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجل .. فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد .. فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيا افرغ .. فأجرى الله على لساني قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء" فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً .. فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت ؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر وضاق صدره .. فزع إلى الصلاة ..
وكان يقول أرحنا بالصلاة يا بلال .. وقد قال صلى الله عليه وسلم : جعلت قرة عيني في الصلاة ..
وكان للصالحين مع الصلاة شأن عجيب ..
قال أبو صالح ابن أخت مالك بن دينار : كان خالي إذا جنَّ عليه الليل ..
وقال أبو سليمان الداراني يقول : بينما أنا ساجد بالليل إذ غلبني النوم .. فإذا أنا بحوراء .. فركضتني برجلها وقالت :حبيبي أترقد عيناك .. والـمَـلِك يقظان ينظر إلى المتهجدين ؟ بؤساً لعين آثرت لذة نوم على لذة مناجاة العزيز .. قم فقد دنا الفراغ .. ولقي المحبون بعضهم بعضاً .. فما هذا الرقاد ؟ حبيبي وقرةَ عيني .. أترقد عيناك ؟؟ وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟ ..
الله أكبر تعب هؤلاء في الصلوات .. وفارقوا الشهوات .. حتى تزينت لهم الحور في الجنات ..
] إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور [ ..
وأينما جالست هؤلاء السعداء .. وجدت أنهم أبعدُ الناس عما يغضب ربهم ..
قطع خوف الله قلوبهم .. وملأت محبته نفوسهم ..
علموا أن الله غافرُ الذنب .. وقابلُ التوب .. لكن ذلك لم ينسهم أنه شديد العقاب ..دقيق الحساب ..
إذا رضي رحم .. ورحمته وسعت كل شيء .. وإذا غضب لعن .. ولعنته لا يقوم لها شيء ..
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. في يوم خيبر .. غلام ..
كلا .. والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها يوم خيبر .. من المغانم لم تصبها المقاسم .. لتشتعل عليه ناراً ..
ولا يجر العبد إلى المعاصي الكبار إلا تساهلُه بالصغار ..
وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال وهو يكلم التابعين .. وحسبك بهم عبادة وورعاً .. يقول لهم :
إنكم لتعملون أعمالاً .. هي أدق في أعينكم من الشعر .. إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات يعني المهلكات ..
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاباً قال له فيه :
وإذا أحببت أن تحقر عملك .. فتفكر فيما أنعم الله عليك .. وقدر ما عمل الصالحون قبلك .. وقدر عقوبته في الذنوب ..
إنما فعل الله بآدم الذي فعل بأكلة أكلها .. فقال عنه : [ وعصى آدم ربه فغوى ] ..
وإنما لعن إبليس وجعله شيطاناً رجيماً .. من أجل سجدة أبى أن يسجدها ..
ولعن اليهود .. وجعل منهم قردة وخنازير من أجل حيتان أصابوها يوم السبت وقد نهوا أن يصيدوا فيه ..
فتفكر في نعيم الجنة .. وملكها .. وكرامتها ..
فإذا فكرت في هذا كله عرفت نفسك ..
وعلمت أن عملك لن يغني عنك شيئاً .. إلا أن يتغمدك الله برحمته وبعفوه ..
وكم من الناس – أيها الأخوة - يتساهل بالمحرمات فإذا نُصح قال :
أنا ما فعلت إلا شيئاً يسيراً .. والناس يفعلون أكبر مما أفعل ..
والله تعالى يقول : [ وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ] ..
ومن هانت عظمة ربه في نفسه .. فتساهل بالمعاصي والمخالفات .. فليعلم أنه ما ضرّ إلا نفسه ..
وأن لله تعالى عباداً لا يعصون الله ما أمرهم .. ويفعلون ما يؤمرون ..
وهم أكثر منا عدداً .. وأكثر تعبداً وخوفاً ..
روى البخاري ومسلم أن في السماء بيتاً يسمى بالبيت المعمور يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك فيصلون ثم يخرجون منه .. ولا يعودون إلى يوم القيامة ..
وصحّ فيما رواه أبو داود والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عام ) ..
وصح عند الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إني لأرى ما لا ترون .. وأسمع ما لا تسمعون .. إن السماء أطت ( يعني ثقلت من شدة ما فوقها ) وحق لها أن تئط .. ما منها موضع أربع أصابع .. إلإ وعليه ملك واضع جبهته ساجداً لله .. والله لو تعلمون ما أعلم .. لضحكتم قليلاً .. ولبكيتم كثيراً .. ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل ) ..
وأخرج المروزي بإسناد حسّنه ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إن لله تعالى ملائكةٌ ترعد فرائصهم من خيفته .. ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه .. إلا وقعت على ملك يصلي ..
وإن لله عز وجل ملائكةٌ سجود لله مذ يومَ خلق الله السماوات والأرض .. لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعون إلى يوم القيامة ..
وملائكةٌ ركوع لم يرفعوا رؤوسهم .. ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ..
وصفوفٌ لم ينصرفوا عن مصافهم .. ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة ..
وإذا رفعوا ونظروا إلى وجه الله تعالى قالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ) ..
والله تعالى يقول : ] فإن استكبروا فالذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون [ ..
ولما عظم هؤلاء السعداءُ ربهم حق التعظيم .. قاموا على أقدام الخوف .. فخافوا من ويلات الذنوب .. وتركوا لذة عيشهم .. في سبيل أن يلقوا ربهم وهو راض عنهم ..
ماعز بن مالك رضي الله عنه ..
أصل قصته في الصحيحين وأسوقها لكم من مجموع رواياتها ..
كان ماعز شاباً من الصحابة .. متزوج في المدينة ..
وسوس له الشيطان يوماً .. وأغراه بجارية لرجل من الأنصار ..
فخلا بها عن أعين الناس .. وكان الشيطان ثالثَهما .. فلم يزل يزين كلاً منهما لصاحبه حتى زنيا ..
فلما فرغ ماعز من جرمه .. تخلى عنه الشيطان .. فبكى وحاسب نفسه .. ولامها .. وخاف من عذاب الله .. وضاقت عليه حياته .. وأحاطت به خطيئته .. حتى أحرق الذنب قلبه ..
فجاء إلى طبيب القلوب .. ووقف بين يديه وصاح من حرّ ما يجد وقال :
يا رسول الله .. إن الأبعد قد زنى .. فطهرني ..
فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. فجاء من شقه الآخرَ فقال : يا رسول الله .. زنيت .. فطهرني ..
فقال صلى الله عليه وسلم : ويحك ارجع .. فاستغفر الله وتب إليه ..
فرجع غير بعيد .. فلم يطق صبراً ..
فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله طهرني ..
فقال رسول الله : ويحك .. ارجع فاستغفر الله وتب إليه ..
قال : فرجع غير بعيد .. ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني ..
فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم .. وقال : ويلك .. وما يدريك ما الزنى ؟ ..
ثم أمر به فطرد .. وأخرج ..
ثم أتاه الثانية ، فقال : يا رسول الله ، زنيت .. فطهرني ..
فقال : ويلك .. وما يدريك ما الزنى ؟ ..
وأمر به .. فطُرد .. وأخرج ..
ثم أتاه الثالثةَ .. والرابعةَ كذلك .. فلما أكثر عليه ..
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومَه : أبه جنون ؟ قالوا : يا رسول الله .. ما علمنا به بأساً ..
فقال : أشرب خمراً ؟ فقام رجل فاستنكهه وشمّه فلم يجد منه ريح خمر ..
فقال صلى الله عليه وسلم : هل تدري ما الزنى ؟
قال : نعم .. أتيت من امرأة حراماً ، مثلَ ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ..
فقال صلى الله عليه وسلم : فما تريد بهذا القول ؟
قال : أريد أن تطهرني ..
قال صلى الله عليه وسلم : نعم .. فأمر به أن يرجم .. فرجم حتى مات ..
فلما صلوا عليه ودفنوه مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على موضعه مع بعض أصحابه ..
فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه :
أنظر إلى هذا .. الذي ستر الله عليه ولم تدعه نفسه حتى رُجم رَجم الكلاب ..
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم سار ساعة .. حتى مر بجيفة حمار .. قد أحرقته الشمس حتى انتفخ وارتفعت رجلاه ..
فقال صلى الله عليه وسلم : أين فلان وفلان ؟
قالا : نحن ذانِ .. يا رسول الله ..
قال : انزلا .. فكلا من جيفة هذا الحمار ..
قالا : يا نبي الله !! غفر الله لك .. من يأكل من هذا ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : ما نلتما .. من عرض أخيكما .. آنفا أشدُّ من أكل الميتة .. لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم .. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ..
فطوبى .. لماعز بن مالك .. نعم وقع في الزنى .. وهتك الستر الذي بينه وبين ربه ..
فلما فرغ من معصيته .. ذهبت اللذات .. وبقيت الحسرات ..
لكنه تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ..
صبروا قليلا فاستراحوا دائما يا عزة التوفيق للإنسان
والرب ليس يضيع ما يتحمل المتحملون من أجله من شان
ويذكر الرحمن واحدهم مذاكرة الحبيب يقول يا بن فلان
هل تذكر اليوم الذي قد كنت فيه مبارزا بالذنب والعصيان
فيقول رب أما مننت بغفرة قدما فانك واسع الغفران
فيجيبه الرحمن مغفرتي التي قد أوصلتك إلى المحل الداني
ولا يعني كلامنا عن ماعز رضي الله عنه أننا نطلب من كل من وقع في كبيرة أن يطالب بإقامة الحدّ عليه .. لكن الذي نريده هو أن لا تتمكن المعصية من القلب حتى يألفها ولا يحدث منها توبة .. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أحوال القلوب فقال كما في صحيح مسلم :
تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا .. فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء .. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء .. حتى تصير على قلبين ..
على أبيض مثلِ الصفا .. فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ..
والآخر أسود مرباداً .. كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ..
فأين تلك القلوب البيضاء التي ترتجف إذا وقعت في المعصية .. فتسارع إلى التوبة والإنابة ..
فإن التساهل بالذنوب هو طريق السوء والخذلان .. في الدنيا والآخرة ..
ذكر ابن الجوزي في ذم الهوى ..
أنه كان ببغداد رجل يطلق بصره في المحرمات .. ويتتبع الشهوات .. ذكر فلم يدكر .. وزجر فلم بنزجر ..
فاجتاز يوماً بباب رجل نصراني .. فاطلع داخل البيت فرأى ابنة النصراني فتعلق بها قلبه ..
فقال لي : قد جاء الأجل .. وحان الوقت .. وما لقيت صاحبتي في الدنيا .. وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة .. فقلت : ستلقى خيراً منها في الآخرة ..
فقال : لا أريد إلا هي ..
قلت : لا سبيل لك إلى ذلك .. وأنت مسلم وهي نصرانية ..
فشهق بأعلى صوته وقال : فإني أرجع عن دين محمد .. وأؤمن بعيسى والصليبِ الأعظم ..
فصحت به اتق الله .. ولا تكفر .. ما عند الله خير وأبقى .. فبكى وأخذ يشهق حتى مات ..
فتولى أهل المارستان أمره ..
ومضيت أنا إلى تلك المرأة .. فوجدتها مريضة .. فدخلت عليها وجعلت أحدثها عنه ..
فلما علمت بموته صاحت وقالت :
أنا ما لقيت صاحبي في الدنيا .. وأريد أن ألقاه في الآخرة .. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..وأنا بريئة من دين النصرانية ..
فنهرها أبوها ..فبكت .. واشتدَّ بكاها ..
فقال أبوها : خذها إليكم فلا أساكن من فارقت دينها .. قال : فلم تلبث بعد ذلك إلا يسيراً .. وماتت ..
نعوذ بالله من الخذلان .. ووساوس الشيطان ..
وكم من امرأة ورجل تلذذت منهما العينان .. وأطربت الأذنان .. لكن عاقبة ذلك الذلُ والهوان .. وعذابُ النيران .. ولا يظلم ربك أحداً ..
فمن استقام على دين الله عاش عيش السعداء .. وختم بخاتمة الأتقياء .. وحشر مع الأتقياء .. ورافق الأنبياء ..
] إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم [ ..
والسعداء قوم كثر في الدنيا اجتهادهم .. فعلت بين الناس رتبهم .. حتى أصبحوا لا يقاسون عند الله بأشكالهم وأحجامهم وإنما يرتفعون عند الله بأعمالهم ..
روى الإمام أحمد وغيرُه .. أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها ويحتزَّ له عوداً يتسوك به ..
فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه .. فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان ..
فضحك القوم من دقة ساقيه ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟! والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد ..
ما الذي أثقلهما في الميزان .. إنه طول القيام .. ومداومة الصيام ..
ما حملته ساقاه إلى حرام ..
أما غير ابن مسعود ممن زينوا ظواهرهم .. وأهملوا بواطنهم .. بيّضوا ثيابهم وسوّدوا قلوبهم .. فقد قال فيهم أبو القاسم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة .. ثم قال صلى الله عليه وسلم : اقرءوا إن شئتم ] فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً [ ..
وإن الإنسان كلما أعرض عن طاعة مولاه .. وازداد انخراطاً في اللذات .. واتباعاً للشهوات .. نزع الله منه أسباب السعادة . وسلط عليه الضيق والهموم .. ولا يرُفع عنه ذلك إلا بالتوبة إلى الله والرجوع إليه ..
لماذا ؟ لأن انشراح الصدر .. ولذة العمر .. نعم عظيمة لا يعطيها الله إلا لمن يحب .. لذا امتن الله بها على رسوله وقال له ] ألم نشرح لك صدرك [ ..
وأول عقوبات المعاصي ضيق الصدر .. ولو علم العاصي والعاصية .. ما في العفاف والطاعة من اللذة والسرور .. والانشراح والحبور .. لعلموا أن الذي فاتهم من لذة الإيمان .. أضعافُ ما حصل لهم من لذة معصية عابرة .. فضلاً عما يكون يوم القيامة ..
قال ابن عباس رضي الله عنه : إن للحسنة نوراً في القلب .. وضياء في الوجه .. وسعة في الرزق .. ومحبة في قلوب الناس .. وإن للسيئة ظلمة في القلب .. وسواداً في الوجه .. ووهناً في البدن .. وبغضة في قلوب الخلق ..
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ..
وصدق الله إذ قال : ] فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [ ..
فأهل الهدى والإيمان لهم انشراح الصدر واتساعه .. وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والبلاء .. والكربة والشقاء .. وانفراط الأمر .. وتعاسة العمر .. وقد قال الله : ] ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً [ ..
إن الملل الدائم الذي ينزله الله بمن عصاه .. أو طلب السعادة والأنس في غير رضاه .. ليضيق على أهل المعصية دنياهم .. وينغص عليهم عيشهم .. حتى يتحول ما يسعون وراءه من متع إلى عذاب يتعذبون به .
لماذا ..
لماذا يتحول سماعهم للغناء .. ومواقعتهم للفحشاء .. وشربهم للخمر .. ونظرهم إلى الحرام ..
لماذا يتحول هذا إلى ضيق بعد أن كان سعة .. وحزن بعد أن كان فرحة ..
لماذا ؟ لأن الله تعالى خلق الإنسان لوظيفة واحدة .. لا يمكن أن تستقيم حياته لو اشتغل بغيرها .. ] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ..
فإذا استعمل الإنسان جسده وروحه لغير الوظيفة التي خالق لأجلها تحولت حياته إلى جحيم ..
لو أن رجلاً يمشي في طريق فانقطع نعله فجأة فلما رأى ذلك قال : لا مشكلة أستعمل القلم بدل النعل ثم وضع نعله تحت رجله وأراد المشي لقلنا له : أنت مجنون لأن القلم صنع للكتابة ولم يصنع للمشي ..
وكذلك احتاج قلماً فلم يجد فقال : لا مشكلة أكتب بحذائي ثم تناول حذاءه وبدأ يجرّه على الورق !! لقلنا له : أنت مجنون لأن الحذاء إنما صنع لوظيفة واحدة هي المشي ولم يصنع للكتابة ..
وكذلك الإنسان خلق لوظيفة واحدة هي طاعة لله وعبادته .. فمن استعمل حياته لغير هذه الوظيفة فلا بدَّ أن يضل ويشقى ..
ولو نظرت في حال من استعملوا حياتهم لغير ما خلقوا له لوجدت في حياتهم من الفساد والضياع ما لا يوجد عند غيرهم ..
لماذا يكثر الانتحار في بلاد الإباحية والفجور ..
لماذا ينتحر في أمريكا سنويا أكثر من خمسة وعشرين ألف شخص ..
وقل مثل ذلك في بريطانيا .. وقل مثله في فرنسا .. وفي السويد .. وإيطاليا ..وغيرها ..
لماذا .. ألم يجدوا خموراً يشربون ؟ كلا الخمور كثيرة ..
ألم يجدوا بلاداً يسافرون ؟ كلا البلاد واسعة ..
أو منعوا من الزنى ؟
أم حيل بينهم وبين الملاعب والملاهي ..
أو أقفلت في وجوههم الحانات والبارات ..
كلا .. بل هم يفعلون ما شاءوا .. يتقلبون بين متع أعينهم .. وأبصارهم وفروجهم ..
إذن لماذا ينتحرون .. لماذا يملون من حياتهم ؟
لماذا يتركون الخمور والزنى والملاهي .. ويختارون الموت .. لماذا ..
الجواب واضح ] ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً [ ..
تلاحقه المعيشة الضنك في ذهابه ومجيئه .. وسفره وإقامته .. تأكل معه وتشرب ..
تقوم معه وتقعد .. تلازمه في نومه ويقظته ..
تنغّص عليه حياته حتى الموت .. ومن أعرض عن الله وتكبر .. ألقى الله عليه الرعب الدائم .. قال الله ] سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب [ .. لماذا ؟ ] بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين [ ..
أما العارفون لربهم .. المقبلون عليه بقلوبهم فهم السعداء ] من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ ..
حدثني أحد الدعاة أنه ذهب للعلاج في بريطانيا ..
قال : فأدخلت إلى مستشفى من أكبر المستشفيات هناك .. لا يكاد يدخله إلا كبير أو وزير .. فلما دخل عليَّ الطبيب ورأى مظهري قال : أنت مسلم ؟
قلت : نعم ..
فقال : هناك مشكلة تحيرني منذ عرفت نفسي .. هل يمكن أن تسمعها مني ؟
قلت : نعم ..
فقال : أنا عندي أموال كثيرة .. ووظيفة مرموقة .. وشهادة عالية .. وقد جربت جميع المتع .. شربت الخمور المتنوعة .. وواقعت الزنى ..وسافرت إلى بلاد كثيرة .. ومع ذلك .. لا أزال أشعر بضيق دائم .. وملل من هذه المتع .. حتى عرضت نفسي على عدة أطباء نفسيين .. وفكرت في الانتحار عدة مرات لعلي أجد حياة أخرى .. ليس فيها ملل .. ألا تشعر أنت بمثل هذا الملل والضيق ؟!
فقلت له : لا .. بل أنا في سعادة دائمة .. وسوف أذلك على حل المشكلة .. ولكن أجبني ..
أنت إذا أردت أن تمتع عينيك فماذا تفعل ؟ قال : نظر إلى امرأة حسناء أو منظر جميل ..
قلت : فإذا أردت أن تمتع أذنيك فماذا تفعل ؟ قال : أستمع إلى موسيقى هادئة ..
قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك فماذا تفعل ؟ قال : أشم عطراً .. أو أذهب إلى حديقة ..
قلت له : حسناً .. إذا أردت أن تمتع عينك لماذا لا تستمع إلى موسيقى ؟
فعجب مني وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالأذن ..
قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك لماذا لا تنظر إلى منظر جميل ؟ فعجب أكثر وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالعين .. ولا يمكن أن يتمتع بها الأنف ..
قلت له : حسناً .. وصلت إلى ما أريده منك ..
أنت تحس بهذا الضيق والملل في عينك ؟
قال : لا .. قلت : تحس به في أذنك .. في أنفك .. فمك .. فرجك ..
قال : لا أحس به في قلبي .. في صدري ..
قلت : أنت تحس بهذا الضيق في قلبك .. والقلب له متعة خاصة به .. لا يمكن أن يتمتع بغيرها .. ولا بدَّ أن تعرف الشيء الذي يمتع القلب .. لأنك بسماعك للموسيقى .. وشربك للخمر .. ونظرك وزناك .. لست تمتع قلبك وإنما تمتع هذه الأعضاء ..
فعجب الرجل .. وقال : صحيح .. فكيف أمتع قلبي ؟
قلت : بأن تشهد أن لا إله إلا الله .. وأن محمداً رسول الله .. وتسجد بين يدي خالقك .. وتشكو بثك وهمك إلى الله .. فإنك بذلك تعيش في راحة واطمئنان وسعادة ..
فهزّ الرجل رأسه وقال : أعطني كتباً عن الإسلام .. وادعُ لي .. وسوف أسلم ..
وصدق الله إذ قال : ] يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ ..
فعجباً لأقوام يلتمسون الأنس والانشراح .. ويبحثون عن السعادة في غير طريقها .. والله يقول : ] أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [ ..
ففرّق الله بين عيش السعداء .. وعيش الأشقياء .. في المحيا والممات ..
بل إن المحسن كلما ازداد إحساناً في الدنيا .. عظمت لذته وسعادته .. وأحسن الله إليه في رزقه .. وولده .. ووظيفته .. ومسكنه .. أحسن إليه في كل شيء ..
قال تعالى : ] قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ ..
ذكر أصحاب السير وأصل القصة في صحيح مسلم ..
أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه الصحابي الجليل .. قتل أبوه في معركة أحد .. وخلف عنده سبع أخوات ليس لهن عائل غيره .. وخلف ديناً كثيراً .. على ظهر هذا الشاب الذي لا يزال في أول شبابه ..
فكان جابر دائماً ساهم الفكر .. منشغل البال بأمر دَينه وأخواته .. والغرماء يطالبونه صباحاً ومساءً ..
خرج جابر مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع .. وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير .. ولم يجد جابر ما يشتري به جملاً .. فسبقه الناس وصار هو في آخر القافلة ..
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في آخر الجيش .. فأدرك جابراً يدبّ به جمله .. والناس قد سبقوه .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مالك يا جابر ؟
قال : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنخه .. فأناخه جابر وأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته .. ثم قال : أعطني العصا من يدك أو اقطع لي عصا من شجرة ..فناوله جابر العصا ..
فما زالا يتزايدان حتى بالغا به أربعين درهماً .. أوقية من ذهب ..
فقال جابر : نعم .. ولكن أشترط عليك أن أبقى عليه إلى المدينة ..
قال صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم : نعم ..
فلما وصلوا إلى المدينة .. مضى جابر إلى منزله وأنزل متاعه من على الجمل ومضى ليصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وربط الجمل عند المسجد ..
فما خرج النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر : يا رسول الله هذا جملك ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يا بلال .. أعط جابراً أربعين درهماً وزده ..
أتراني ماكستك لآخذ جملك ..
يعني أنا لم أكن أطالبك بخفض السعر لأجل أن آخذ الجمل وإنما لأجل أن أقدر كم أعطيك من المال معونة لك على أمورك ..
ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ..
وإنك لتحزن .. إذا رأيت مسلمين عقلاء .. يلتمسون السرور وسعة الصدر ..
بالاجتماع على مشاهدة محرم .. أو الحديث عنه .. أو مزاولته .. في بيت أو بستان .. أو متنزّه .. أو في جلسة على طريق أو شاطئ ..
في مجالس لا تقربها الملائكة .. ولا تغشاها الرحمة ..
ويتفرقون عنها بصدور ضيقة .. وأنفسٍ مكتئبة ..
ويزين بعضهم لبعض هذا المنكر .. وكأنهم قد اجتمعوا على مباح أو طاعة ..
وكأن ليس لهم إله يراقبهم .. ولا ربٌ يحاسبهم .. وتبحث عنهم في مجالس الذكر فلا تجدهم ..
ثم يوم القيامة يكفر بعضه ببعض ويلعن بعضهم بعضاً ..
وقد قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم : ( أيما قوم جلسوا .. فأطالوا الجلوس .. ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله .. ويصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم .. إلا كانت عليهم من الله ترة ( أي ثأر وعقوبة ) إن شاء الله عذبهم .. وإن شاء غفر لهم ) ..
وإنه ليشتدّ حزنك أكثر .. إذا رأيت فتيات مسلمات .. هن حفيدات خديجة وفاطمة .. وأخوات حفصة وعائشة .. قد طهّر الله قلوبهن من الشرك .. وأعينهن من الخيانة .. وحفظ فروجهن من الفجور ..
قد سلم لهن الأسماع والأبصار .. وتفضل عليهن بالستر والعافية .. لم تروّع إحداهن في بلدها .. ولم تفجع في أبيها ولا ولدها .. لم يغتصبها فاجر .. ولم يعتدِ عليها كافر ..
ومع كل هذه النعم تجد إحداهن تتسكع سوق .. وتنساق وراء شهوة .. في هاتف .. أو مجلة .. أو صداقة فاجرة ..
وتخالف ربها بتقليد الكافرات .. في اللباس والمظهر ..
وقد يكون نظرها إلى القنوات .. وتقليبها للمجلات .. أكثرَ من نظرها في السور والآيات .. وحضور مجالس الصالحات ..
وتظن المسكينة أن السعادة فيما تفعله .. أو تزينه لها صديقاتها .. أو يحتال به عليها ذئب فاجر .. أو شاب غادر ..
ولا يلبث كل ذلك أن ينقلب عليها شقاءً وضيقاً ..
والعبد حتى لو حصل شيئاً من ملاذه فتمتع بها .. وسعِد بتحصيلها .. فإنه لا يلبث حتى يملها .. ويذهب عنه ذهوله .. وتتحول هذه الملاذّ إلى أسباب ضيق وملل وتعاسة ..
ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم أن المسلمين غزو حصناً من حصون الروم .. وكان حصناً منيعاً .. فحاصروه وأطالوا الحصار وتمنع عليهم ..
وأثناء حصارهم أطلت امرأة من نساء الروم فرآها رجل من المسلمين اسمه ابن عبد الرحيم ..
فأعجبته .. وتعلق قلبه بها .. فراسلها : كيف السبيل إليك ؟
فقالت : أن تتنصر .. وتصعد إليَّ ..
فتنصّر وتسلل إليها ..
مسكين ظن أن السعادة في امرأة ينكحها .. وخمر يشربها .. ونسي أن السعادة العظمى هي مصاحبته لهؤلاء الأخيار يصوم ويصلي .. ويقرأ ويجاهد ..
فلما فقده المسلمون اغتموا لذلك غماً شديداً ..
ثم طالت بهم الأيام ولم يستطيعوا فتح الحصن فذهبوا ..
فلما كان بعد مدة مرّ فريق منهم بالحصن فتذاكروا ابن عبد الرحيم .. فتساءلوا عنه .. وعلى أي حال هو الآن ؟! ..
فنادوا باسمه : يا ابن عبد الرحيم .. فأطلَّ عليهم ..
فقالوا : قد حصلت ما تريد .. فأين قرآنك وعلمك ؟ ما فعلت صلاتك ؟
فقال : لقد أنسيت القرآن كله .. ولا أذكر منه إلا آية واحدة .. قوله تعالى : ] ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين [ قال الله : ] ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون [ ..
فهذه هي السعادة الحقيقية .. واللذة الأبدية .. التي ضيع طريقها الكثيرون ..
هذه هي السعادة التي يعيش بها المرء حياة المطمئنين ..
فيا من فقد السعادة .. إن كنت تريد السعادة .. فقد عرفت طريقها ..
واحذر من خداع إبليس الذي يوسوس لك بالنظر إلى المحرمات .. والوقوع في الشهوات .. يمنيك بالمتعة والسرور .. والأنس والحبور ..
فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور .. ويحصل ما في الصدور .. وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله .. وينظر كل عبد ما قدمت يداه ..
واعلم بأن السعداء إذا ذكروا تذكروا ..
فذاك إبراهيم بن أدهم كان أبوه من ملوك خراسان .. وكان في سهو وغفلة .. فصاح به صائح يوماً فقال له : يا إبراهيم .. ما للهو خلقت .. ] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون [ .. فخف من ربك وأعدّ الزاد لقبرك .. فتاب إبراهيم من ساعته وأصبح من العباد ..
وذاك الفضيل بن عياض .. كان سارقاً قاطع طريق .. فقفز في بيت في ظلمة الليل .. فسمع قارئاً يقرأ قوله تعالى : ] ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [ .. فبكى الفضيل وقال : ربِّ قد آن .. ربِّ قد آن .. ثم قصد المسجد من ساعته وتاب واستعدَّ للقاء ربه ..
وذاك زاذان الكندي الإمام المحدث كان صاحب لهو وطرب ..
ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى .
فقام و ضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أسرع فأدركه وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود ..
فاعتنقه عبد الله بن مسعود .. وبكى وقال : كيف لا أحب من قد أحبه الله .. ثم لازم زاذان ابن مسعود حتى تعلم القرآن .. وصار إماماً في العلم ..
وذاك القعنبي الإمام المحدث .. كان في شبابه يشرب النبيذ ويصحب الأحداث ..
فدعى أصحابه يوماً .. وقعد على الباب ينتظرهم ..
فمر شعبة بن الحجاج الإمام المحدث على والناس خلفه يهرعون ..
فقال القعنبي : من هذا ؟
قيل : شعبة ..
قال : وأيش شعبة ؟
قالوا : محدث ..
فقام إليه وعليه إزار أحمر .. فقال له : حدثني .. يعني ما دمت محدثاً فحدّثني ..
فقال له : ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك ..
فأشهر سكينة وقال: تحدثني أو أطعنك ؟
فالتفت إليه شعبة وقال : حدثنا منصور .. عن ربعي .. عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت ..
فلما سمع القعنبي هذا الحديث .. وافق منه قلباً صافياً .. وتذكر ما يحارب به ربَّه منذ سنين ..
ورمى سكينه ورجع إلى منزله . فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه ..
ثم استأذن أمه بالسفر إلى المدينة لطلب العلم .. ومضى من وقته ولزم مالك بن أنس .. حتى حفظ عنه وأصبح من كبار العلماء المحدثين ..
وسبب هدايته موعظة عابرة .. لكنها صادفت قلباً حياً ..
فأدم ذكر ربك على جميع أحوالك .. واحرص على مجالسة الصالحين .. وحضور دروس العلم والدين .. فإن للذكر من شرح الصدر .. ولذة العمر .. ما لا يوصف ..
فابكِ بين يدي ربك .. واعترف بتقصيرك وذنبك .. واعترف بنعمته عليك .. وقل :
يا مـنزل الآيـات والفـرقان بـيني وبينـك حـرمة القرآن
اشرح به صـدري لمعرفة الهدى واعصـم به قلبي من الشيطـان
يســر به أمري واقض مآربي وأجرْ به جسدي من النيران
واحطط به وزري وأخلص نيتي واشدد به أزري وأصلح شاني
واكشف به ضري وحقق توبتي أربِح به بيعي بلا خسران
طهر به قلبي وصفِّ سريرتي أجمل به ذكري وأعلِ مكاني
واقطع به طمعي وشرِّف همتي كثِّر به ورعي وأحيي جناني
أسهر به ليلي وأظم جوارحي أسبِل بفيض دموعها أجفاني
أمزجه يا ربي بلحمي مع دمي واغسل به قلبي من الأضغان
أنت الذي صوَّرتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الـذي أطـعمتني وسقيتني من غـير كسب يد ولا دكـان
وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الـذي آويتــني وحبوتني وهـديتني من حيرة الخذلان
وزرعـت لي بين القلوب مودة والـعطفَ منـك برحمـة وحنان
ونشـرت لي في العالمين محامداً وسترت عن أبصــارهم عصيـاني
وجعلت ذِكري في البريّة شائعاً حـتى جعـلت جميعهـم إخـواني
والله لو علــموا قبيح سريرتي لأبى السـلام علـيَّ مـن يلقـاني
ولأعرضوا عني ومـلّوا صحـبتي ولبؤت بعـد كـرامـة بهــوان
لكن سترت معـايبي ومثـالـبي وحلُـمتَ عـن سقطي وعن طغياني
فـــلك المحامد والمدائح كلها بخواطـــري وجوارحي ولساني
ولقـد مننت عليَّ ربِّ بأنعُــمٍ مـا لـي بشكـر أقلِّـهن يـدان
فوَحـق حكمتـك التي آتيتـني حـتى شـددت بنـورها أركـاني
لإن اجتبتني من رضاك مـــعونة حــــــتى يقوي أيدُها إيماني
لأُسبحنـك بكــرة وعشيـة ولَـتخدمنك في الـدجـى أركـاني
ولأذكرنـك قائمـاً أو قـاعداً ولأشـكـرنك سـائر الأحيــان
ولأكتمنَّ عن الـــبرية خِلّتي ولأشكــــونّ إليك جهد زماني
ولأجعلنّ المقلتين كـلاهــما من خشيـة الــرحمـن باكيتـان
ولأجعلن رضاك أكبر هـِمـتي ولأقبضـنّ عـن الفـجـور عنـاني
ولأمنعن النفس عن شهواتهـــا ولأجعـلن الـزهد مـن أعــواني
ولأحسمن عن الأنام مطامعي بحســـــام يأس لم تشبه بنان
ولأقصدنك في جميع حوائجــي من دون قصـد فــلانة وفــلان
ولأتلونَّ حروف وحيك في الـدجى ولأُحـرِقــنّ بنـوره شيـطـاني
اللهم إنا نسألك عيش السعداء .. وموت الشهداء .. والحشر مع الأتقياء .. ومرافقة الأنبياء .. اللهم إنا نسألك من الخير كله ..

مصدر

http://3refe.com/vb/showthread.php?t=10584

مشكورين ع رد

ربنا لاتخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا وتغفر لنا خطايانا
قديمة 23 - 01 - 2010, 00:22
المشاركة 65
صورة 'saleh_aljafar' الرمزية
saleh_aljafar
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 10 - 2009
رقم العضوية : 70945
الدولة : شرقاوي السعوديه
المشاركات: 5,640
4
افتراضي
حدائق الموت


د.محمد بن عبدالرحمن العريفي






الحمد لله رب العالمين .. الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين ..
الحمد لله الكريم الوهاب .. الحمد لله الرحيم التواب .. الحمد لله الهادي إلى
الصواب .. مزيل الشدائد وكاشف المصاب ..
الحمد لله فارج الهم .. وكاشف الغم .. مجيب دعوة المضطر .. فما سأله سائل فخاب ..
يسمع جهر القول وخفي الخطاب .. أخذ بنواصي جميع الدواب .. فسبحانه من إله عظيم ..
لا يماثل .. ولا يضاهى .. ولا يرام له جناب .. هو ربنا لا إله إلا هو .. عليه
توكلنا .. وإليه المرجع والمتاب ..
وسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء ..
واستأثر باستحقاق البقاء ..
وأذل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء ..
وأشهد أن لا إله إلا الله ..
أما بعد ..
حدائق الموت ؟
تلك القبور التي غيبت فيها أجساد تحت التراب .. تنتظر البعث والنشور وأن ينفخ في
الصور ..
اجتمع أهلها تحت الثرى .. ولا يعلم بحالهم إلا الذي يعلم السر وأخفى ..
نعم ..
إنه الموت ..
أعظم تحدٍّ تحدى الله به الناس أجمعين ..
الملوك والأمراء .. والحُجّاب والوزراء .. والشرفاء والوضعاء .. والأغنياء والفقراء
..
كلهم عجزوا أن يثبتوا أمام هذا التحدي الإلهي { قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت
إن كنتم صادقين }
أين الجنود ؟ أين الملك ؟ أين الجاه ؟
أين الأكاسرة ؟ أين القياصرة ؟
أين الزعماء ؟
أتى على الكـل أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القـوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلكٍ ومن مَلِكٍ كما حكى عن خيال الطيف وسنان
مرض أبو بكرة رضي الله عنه واشتد مرضه .. فعرض عليه أبناؤه أن يأتوه بطبيب .. فأبى ..
فلما نزل به الموت صرخ بأبنائه وقال : أين طبيبكم ؟ .. ليرّدها إن كان صادقاً ..
ووالله لو جاءه أطباء الدنيا .. ما ردوا روحه إليه ..
{ فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن
لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين * فأما إن كان من
المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من
أصحاب اليمين * وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن
هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم } ..
إنه الموت ..
هادم اللذات .. ومفرق الجماعات .. وميتم البنين والبنات ..
المــنايا تَجُوسُ كلّ البِـلادِ والمــنايَا تَبيدُ كــلّ العِبَادِ
لَتَنالَــنّ مــن قُرونٍ أراها مثلَ ما نِلْنَ مــن ثَمُودٍ وعادِ
هل تذكّرْتَ من خلا من بني الأصْـ ـفَرِ أهْلِ القِبابِ والأطْوادِ
هلْ تذكّرْتَ من خَلا من بني سَا سانَ أرْبابِ فارِسٍ والسّوَادِ
أينَ داوُدُ أينَ ؟ أينَ سُلَيْمَا نُ المــنيعُ الأعراضِ والأجنادِ ؟!
أينَ نُمرُودُ وابْنُهُ أينَ قارُو نُ وهامانُ أينَ ذو الأوتادِ
وَرَدوا كلهم حِياضَ المــنايَا ثمّ لم يَصْدِروا عَنِ الإيرادِ
أتَنَاسَيْتَ أمْ نَسيتَ المــنايَا؟ أنَسيتَ الفِراقَ للأوْلادِ ؟
أنَسيتَ القُبُورَ إذْ أنتَ فيها بَينَ ذُلٍّ وَوَحشَةٍ وانفِرادِ
أي يَوْمٍ يَومُ الممات وإذْ أنْـ ـتَ تُنادى فَما تُجيبُ المنادي
أيّ يَوْمٍ يوم الفِراقِ وإذْ نَفْــسُكَ تَرْقَى عَنِ الحَشا والفُؤادِ
أيّ يَوْمٍ يَوْمُ الفراقِ وإذْ أنْـ ـتَ مـن النّزْعِ في أشَدّ الجِهادِ
أيّ يَوْمٍ يَوْمُ الصّراخِ وإذْ يَلْــطِمـن حُرّ الوّجُوهِ والأجيَادِ
بـاكِياتٍ عَلَيكَ يَندُبنَ شَجواً خافِقاتِ القُــلُوبِ والأكْبادِ
يَتَجـاوَبْنَ بالرّنينِ ويَذْرِفْـ ـنَ دُمُوعاً تَفيضُ فَيضَ المَزادِ
أيّ يَوْمٍ يوْمُ الوُقوفِ إلى الله ويَوْمُ الحِسابِ والإشْهادِ
أيّ يَوْمٍ يوم المَرور عَلى النّا رِ وأهْوَالِها العِظامِ الشّدادِ
أيّ يَوْمٍ يَوْمُ الخَلاصِ من النّا رِ وهَوْلِ العَذابِ والأصْفادِ
كم وكم في القُبُورِمن أهلِ ملكٍ كمْ وكمْ في القُبورِمــن قُوّادِ
كمْ وكم في القُبورِمن أهلِ دُنْيا كمْ وكم في القُبورِ مــن زُهّادِ
وَرَدوا كلهم حِياضَ المــنايَا ثمّ لم يَصْدِروا عَنِ الإيرادِ
* * * * * * * * * *
ومن تأمل في الموت علم أنه أمر كبّار .. وكأس تدار .. على من أقام أو سار .. يخرج
به العباد من الدنيا إلى جنة أو نار ..
ولو لم يكن في الموت إلا الإعدام .. وانحلال الأجسام .. ونسيان أجمل الليالي
والأيام ..
لكان والله لأهل اللذات مكدراً .. ولأصحاب النعيم مغيراً ..
* * * * * * * * * *
وليست المشكلة في الموت .. فالموت باب وكل الناس داخله ..
لكن المشكلة الكبرى .. والداهية العظمى ..
ما الذي يكون بعد الموت ..
أفي { جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر } ..
أم في { ضلال وسعر * يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر} ..
* * * * * * * * * *
ولأجل ذلك .. فالصالحون يشتاقون إلى لقاء ربهم .. ويعدون الموت جسراً يعبرون عليه
إلى الآخرة ..
نعم .. يفرحون بالموت ما دام يقربهم إلى ربهم ..
ذكر بعض المؤرخين ..
أن العدو أغار على ثغر من ثغور الإسلام .. فقام عبد الواحد بن زيد وكان خطيب البصرة
وواعظها .. فحث الناس على البذل والجهاد .. ووصف ما في الجنة من نعيم .. ثم وصف
الحور العين .. وقال :
غــادة ذات دلال ومرح
خلقت من كل شيء حسن
أترى خاطبها يسمعها
يا حبيباً لست أهوى غيره
لا تكونن كمن جدّ إلى
لا فما يخطب مثلي من سها يجد الواصف فيها ما اقترح
طيب فالليت عنها مطرح
إذ تدير الكأس طوراً والقدح
بالخواتيم يتم المفتتح
منتهى حاجته ثم جمح
إنما يخطب مثلي من ألحَّ
فاشتاق الناس إلى الجنة .. وارتفع بكاء بعضهم ..ورخصت عليهم أنفسهم في سبيل الله ..
فوثبت عجوز من بين النساء .. هي أم إبراهيم البصرية ..
وقالت :
يا أبا عبيد .. أتعرف ابني إبراهيم !
الذي يخطبه رؤساء أهل البصرة .. إلى بناتهم .. وأنا أبخل به عليهن ..
قد والله أعجبتني هذه الجارية وقد رضيتها عروساً لابني إبراهيم .. فكرر ما ذكرت من
أوصاف .. لعله يشتاق ..
فقال أبو عبيد :
إذا ما بدت والبدر ليلة تمـــه رأيت لها فضـــلا مبينا على البدر
وتبسم عن ثغر نقى كـــأنه من اللؤلؤ المكنون في صــدف البحر
فلو وطئت بالنعل منها على الحصى لأزهــرت الأحجار من غير ما قطر
ولو شئت عقد الخصر منها عقدته كغصن من الريحان ذي ورق خضـر
ولو تفلت في البحر حلو لعابهـا لطاب لأهل البر شرب من البحــر
أبى الله إلا أن أموت صبــابة بساحرة العينين طيبـــــة النشر
فاضطرب الناس ..وكبروا ..
وقامت أم إبراهيم .. وقالت :
يا أبا عبيد .. قد والله رضيت بهذه الجارية .. زوجة لإبراهيم ..
فهل لك أن تزوجها له في هذه الساعة ؟ وتأخذَ مني مهرها عشرة آلاف دينار ..
لعل الله أن يرزقه الشهادة .. فيكون شفيعاً لي ولأبيه في القيامة ..
فقال عبد الواحد : لئن فعلت .. فأرجو والله أن تفوزوا فوزاً عظيماً ..
فصاحت العجوز : يا إبراهيم .. يا إبراهيم ..
فوثب شاب نضر .. من وسط الناس .. وقال : لبيك يا أماه ..
فقالت : أي بنيَّ .. أرضيت بهذه الجارية .. زوجة لك .. ومهرها أن تبذل مهجتك في
سبيل الله .. ؟
فقال : أي والله يا أماه ..
فذهبت العجوز مسرعة إلى بيتها .. ثم جاءت بعشرة آلاف دينار ..
فوضعتها في حجر عبد الواحد .. ثم رفعت بصرها إلى السماء ..
وقالت : اللهم إني أشهدك .. أني زوجت ولدي من هذه الجارية ..
على أن يبذل مهجته في سبيلك .. فتقبله مني يا أرحم الراحمين ..
ثم قالت : يا أبا عبيد .. هذا مهر الجارية مني عشرةُ آلاف دينار ..
تجهَّز به وجهز الغزاة في سبيل الله ..
ثم انصرفت .. واشترت لولدها فرساً جيداً .. وسلاحاً حسناً ..
وأخذت تعد الأيام لرحيله ..
وهي تودعه غي كل نظرة تنظرها .. وكلمة تسمعها ..
والمجاهدون يعدون العدة للخروج ..
فلما حان وقت النفير خرج إبراهيم يعدو .. والمجاهدون حوله يتسابقون ..
والقراء حولهم يقرؤون :{ إن الله اشترى من .. }..
فلما أرادت فراق ولدها .. دفعت إليه كفناً .. وطيباً يطيب به الموتى
.. ثم نظرت إليه .. وكأنما هو قلبها يخرج من صدرها ..
ثم قالت :
يا بنيَّ .. إذا أردت لقاء العدو .. فالبس بهذا الكفن .. وتطيب بهذا الطيب ..
وإياك أن يراك الله مقصراً في سبيله ..
ثم ضمته إلى صدرها .. وكتمت من عبرتها .. وأخذت تشمه .. وتودعه .. وتقبله ..
ثم قالت : اذهب يا بنيّ .. فلا جمع الله بيني وبينك .. إلا بين يديه يوم القيامة ..
فمضى إبراهيم .. والعجوز تتبعه بصرها .. حتى غاب مع الجيش ..
فلما بلغوا بلاد العدو وبرز الناس للقتال .. أسرع إبراهيم إلى المقدمة ..
فابتدأ القتال .. ورميت النبال .. وتنافس البطال ..
أما إبراهيم .. فقد جال بين العدو وصال .. وقاتل قتال الأبطال ..
حتى قتل أكثر من ثلاثين من جيش العدو ..
فلما رأى العدو ذلك .. أقبل عليه جمع منهم .. هذا يطعنه .. وهذا يضربه .. وهذا
يدفعه .. وهو يقاوم .. ويقاتل .. حتى خارت قواه ووقع من فرسه .. فقتلوه ..
وانتصر المسلمون .. وهزم الكافرون ..
ثم رجع الجيش إلى البصرة ..
فلما وصلوا البصرة تلقاهم الناس .. الرجال .. والعجائز .. والأطفال ..
وأم إبراهيم بينهم .. تدور عيناها في القادمين ..
فلما رأت عبد الواحد .. قالت : يا أبا عبيد !
هل قبل الله هديتي فأهنا ؟ أم رُدت علي فأعزى ؟
فقال لها : بل قبل الله هديتك ..
وأرجو أن يكون ابنك الآن مع الشهداء يرزق ..
فصاحت قائلة :
الحمد لله .. الذي لم يخيب فيه ظني .. وتقبل نسكي مني .. وانصرفت إلى بيتها وحدها
.. بعدما فارقت ولدها .. يشتد شوقها .. فتأتي إلى فرشه فتشمها .. وإلى ثيابه
فتقلبها .. حتى نامت ..
فلما كان الغد :
جاءت أم إبراهيم إلى مجلس أبي عبيد وقالت :
السلام عليك يا أبا عبيد .. بشراك .. بشراك ..
فقال : لا زلت مبشرة بالخير يا أم إبراهيم .. ما خبرك ..؟
فقالت : رأيت البارحة ولدي إبراهيم .. في روضة حسناء ..
وعليه قبة خضراء .. وهو على سرير من اللؤلؤ .. وعلى رأسه تاج يتلألأ .. وإكليل يزهر
..
وهو يقول : يا أماه .. أبشري .. قد قُبل المهر .. وزُفت العروس ..
نعم ..
هؤلاء أقوام .. أيقنوا أنه لا مهرب من نزول الموت .. فسعوا إليه قبل أن يسعى إليهم
..
أحبّوا لقاء الله فأحبّ الله لقاءهم .. وبذلوا مهجهم رخيصة في سبيل الله تعالى ..
فما هو الجزاء ؟
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون *
فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف
عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين
* الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر
عظيم } ..
* * * * * * * * * *

نعم والله .. ذلك الفوز الكبير ..
إذا أوقفهم ربهم بين يديه .. فرحوا بما ماتوا عليه .. فيبيض وجوههم .. ويرفع
درجاتهم ..
* * * * * * * * * *
بل كان الصالحون يفتنون في دينهم .. ويهددون بالموت .. فلا يلتفتون إليه ..
نفوسهم صامدة .. على غاية واحدة .. هي الموت على ما يرضي الله ..
فهم كما قال الله لهم : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ..
نعم .. ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ..
- لما ربط الكفار خبيب بن عدي رضي الله عنه على جذع نخلة ليقتلوه .. لم يفزع .. ولم
يجزع .. بل أخذ ينظر إليهم ويقول :
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وان يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع - ولما دخل سعد بن أبي وقاص على ملك الفرس .. صرخ في وجهه وقال : جئتك بقوم يحبون الموت .. كما تحبون أنتم الحياة ..
- وفي معركة أحد يكثر القتل بالمسلمين .. وتتسابق سهام الكفار إلى رسول صلى الله عليه وسلم ..
فكان أبو طلحة رضي الله عنه يرفع صدره ويقول :
يا رسول الله لا يصيبك سهم .. نحري دون نحرك ..
نعم ما دام أن الموت في رضا الرحمن فمرحباً بالموت ..
* * * * * * * * * *
بل كانت المعاصي والشهوات .. والآثام والملذات ..
تعرض على الصالحين .. فلا يلتفتون إليها .. فيهددون بالموت .. فيختارونه .. فربهم
أعظم عندهم من كل شيء ..
ذكر ابن كثير وغيره :
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث جيشاً لحرب الروم ..
وكان من ضمن هذا الجيش .. شاب من الصحابة .. هو عبد الله بن حذافه رضي الله عنه ..
وطال القتال بين المسلمين والروم .. وعجب قيصرُ ملكُ الروم من ثبات المسلمين ..
وجرأتهم على الموت ..
فأمر أن يحضر إليه أسير من المسلمين ..
فجاءوا بعبد الله بن حذافة .. يجرونه .. الأغلال في يديه .. والقيود في قدميه ..
فأوقفوه أمام الملك ..
فتحدث قيصر معه فأعجب بذكائه وفطنته ..
فقال له : تنصر .. وأطلقك من الأسر ..
فقال عبد الله : لا ..
فقال قيصر : تنصر .. وأعطيك نصف ملكي ..
فقال : لا ..
فقال : تنصر .. وأعطيك نصف ملكي .. وأشركك في الحكم معي ..
فقال عبد الله : والله لو أعطيتني ملكك .. وملك آبائك .. وملك العرب والعجم .. على
أن أرجع عن ديني طرفة عين ما فعلت ..
فغضب قيصر .. وقال : أذن أقتلك ..
قال : اقتلني ..
فأمر قيصر به فسحب .. وعلق على خشبة ..
وجاء قيصر .. وأمر الرماة .. أن يرموا السهام حوله ولا يصيبوه ..
وهو في أثناء ذلك يعرض عليه النصرانية .. وهو يأبى .. وينتظر الموت ..
فلما رأى قيصر إصراره ..
أمر أن يمضوا به إلى الحبس ..
ففكوا وثاقه ومضوا به إلى الحبس .. وأمر أن يمنعوا عنه الطعام والشراب .. فمنعوهما
..
حتى إذا كاد أن يهلك من الظمأ والجوع ..
أحضروا له خمراً .. ولحم خنزير ..
فلما رآهما عبد الله .. قال : والله إني لأعلم أن ذلك يحل لي في ديني .. ولكني لا
أريد أن يشمت بي الكفار .. فلم يقرب الطعام ..
فأخبر قيصر بذلك .. فأمر له بطعام حسن ..
ثم أمر أن تدخل عليه امرأة حسناء تتعرض له بالفاحشة ..
فأدخلت عليه .. وجعلت تتعرض له وهو معرض عنها ..
وهي تتمايل أمامه ولا يلتفت إليها ..
فلما رأت المرأة ذلك .. خرجت غضبى وهي تقول :
والله لقد أدخلتموني على رجل .. لا أدري أهو بشر أم حجر ..
وهو والله لا يدري عني أأنا أنثى أم ذكر ..
فلما يئس منه قيصر .. أمر بقدر من نحاس .. فأغلي فيها الزيت ..
ثم أوقف عبد الله بن حذافة أمامها ..
وأحضروا أحد الأسرى المسلمين موثقاً بالقيود .. حتى ألقوه في هذا الزيت .. وغاب
جسده في الزيت .. ومات .. وطفت عظامه تتقلب في فوق الزيت ..
وعبد الله ينظر إلى العظام .. فالتفت قيصر إلى عبد الله .. وعرض عليه النصرانية ..
فأبى ..
فاشتد غضب قيصر .. وأمر بطرحه في القدر ..
فلما جروه إلى القدر .. وشعر بحرارة النار .. بكى .. ودمعت عيناه ..
ففرح قيصر .. وقال :
تتنصر .. وأعطيك .. وأمنحك ..
قال : لا ..
قال : إذاً .. لماذا بكيت ..
فقال عبد الله : أبكي لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تلقى في هذا القدر .. فتموت ..
ولقد وددت والله أن لي مائة نفس كلها تموت في سبيل الله .. مثل هذه الموتة ..
فقال له قيصر : قبل رأسي وأخلي عنك ؟
فقال له عبد الله : وعن جميع أسارى المسلمين عندك ..
قال : نعم ..
فقبل رأسه .. ثم أطلقه مع الأسرى ..
عجباً !! لله دره !!
أين نحن اليوم من مثل هذا الثبات .. ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ..
إن من المسلمين اليوم .. من يتنازل عن دينه .. لأجل دراهم معدودات .. أو تتبع
الشهوات .. أو الولوغ في الملذات .. ثم يختم له بالسوء والعياذ بالله ..
* * * * * * * * * *
ومن عدل الله تعالى أن العبد يختم له في الغالب على ما عاش عليه ..
فمن كان في حياته يشتغل بالذكر والقيام .. والصدقات والصيام .. ختم له بالصالحات ..
ومن تولى وأعرض عن الخير .. خشي عليه أن يموت على ما اعتاد عليه ..
ولأجل هذا الفرق العظيم .. كان الصالحون يستعدون للموت قبل نزوله ..
بل يغتنم أحدهم آخر الأنفاس واللحظات .. في التزود ورفع الدرجات ..
فتجده يجاهد .. ويأمر بالمعروف .. وينهى عن المنكر .. ويشتغل بالطاعات .. إلى آخر
نفس يتنفسه ..
ثبت الصحيحين وغيرهما ..
أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع من حجة الوداع ..
جعل مرض الموت يشتد عليه .. يوماً بعد يوم .. وهو في كلمة يتكلمها .. ونظرة ينظرها
.. يودع هذه الدار ..
ولما اشتدت عليه الحمى .. وأيقن النقلة للدار الأخرى ..
أراد أن يودع الناس ..
فعصب رأسه ..
ثم أمر الفضل بن العباس أن يجمع الناس في المسجد .. فجمعهم .. فاستند صلى الله عليه وسلم
إليه .. حتى رقى إلى المنبر .. ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد ..
أيها الناس .. إنه قد دنى مني خلوف من بين أظهركم ..
ولن تروني في هذا المقام فيكم ..
ألا فمن كنت جلدت له ظهراً .. فهذا ظهري فليستقد منه ..
ومن كنت أخذت له مالاً .. فهذا مالي فليأخذ منه ..
ومن كنت شتمت له عرضاً .. فهذا عرضي فليستقد منه ..
ولا يقولن قائل إني أخشى الشحناء ..
ألا وإن الشحناء ليست من شأني .. ولا من خلقي ..
وإن أحبكم إلي من أخذ حقاً .. إن كان له علي ..
أو حللني فلقيت الله عز وجل .. وليس لأحد عندي مظلمة ..
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ..ومضى إلى بيته .. وبدأت الحمى تأكل جسده .. وهو يتحامل
على نفسه ويخرج إلى الناس ويصلي بهم ..
حتى صلى بأصحابه المغرب .. من يوم الجمعة ..
ثم دخل بيته .. وقد اشتدت عليه الحمى .. فوضعوا له فراشاً فانطرح عليه ..
وظل على فراشه تكوي الحمى جسده ..
ثم ثقل به مرض الموت .. وهو على فراشه ..
واجتمع الناس لصلاة العشاء .. وجعلوا ينتطرون إمامهم صلى الله عليه وسلم ليصلي بهم ..
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد هده المرض .. يحاول النهوض من فراشه .. فلا يقدر .. فأبطأ
عليهم ..
فجعل بعض الناس ينادي : الصلاة .. الصلاة ..
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله وقال : أصلى الناس ؟
قالوا : لا .. يا رسول الله .. هم ينتظرونك ..
فإذا حرارة جسده صلى الله عليه وسلم تمنعه من النهوض ..
فقال : صبوا لي ماء في المخضب .. وهو إناء كبير ..
فصبوا له الماء .. وجعلوا يصبون الماء البارد من القرب .. فوق جسده ..
فلما برد جسده .. وشعر بشيء من النشاط .. جعل يشير لهم بيده .. فأوقفوا الماء عنه
..
فلما اتكأ على يديه ليقوم أغمي عليه ..
فلبث ملياً .. ثم أفاق .. فكان أول سؤال سأله .. أن قال :
أصلى الناس ؟
قالوا : لا .. يا رسول الله .. هم ينتظرونك ..
قال : ضعوا لي ماء في المخضب .. فاغتسل .. وجعلوا يصبون عليه الماء ..
حتى إذا شعر بشيء من النشاط .. أراد أم يقوم .. فأغمي عليه ..
فلبث ملياً .. ثم أفاق .. فكان أول سؤال سأله .. أن قال :
أصلى الناس ؟
قالوا : لا .. يا رسول الله .. هم ينتظرونك ..
قال : ضعوا لي ماء في المخضب .. فوضعوا له الماء .. وجعلوا يصبون الماء البارد على
جسده .. وأكثروا الماء .. حتى أشار لهم بيده .. ثم اتكأ على يديه ليقوم .. فأغمي
عليه ..
وأهله ينظرون إليه .. تضطرب أفئدتهم .. وتدمع أعينهم ..
والناس عكوف في المسجد ينتظرونه ..
فلبث مغمى عليه ملياً .. ثم أفاق ..
فقال : أصلى الناس ؟ قالوا : لا .. هم ينتظرونك يا رسول الله ..
فتأمل صلى الله عليه وسلم في جسده .. فإذا الحمى قد هدته هداً ..
ذاك الجسد المبارك ..
الذي نصر الدين .. وجاهد لرب العالمين ..
ذلك الجسد .. الذي ذاق من العبادة حلاوتها .. ومن الحياة شدتها ..
الجسد الذي تفطرت منه القدمان .. من طول القيام ..
وبكت العينان .. من خشية الرحمن ..
عذب في سبيل الله .. وجاع .. وقاتل ..
لما رأى صلى الله عليه وسلم حاله .. وتمكن المرض مند جسده .. التفت إليهم وقال :
مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ..
فيقيم بلال الصلاة .. ويتقدم أبو بكر .. في محراب النبي صلى الله عليه وسلم .. فيصلي بالناس
.. ولا يكادون يسمعون قراءته من شدة بكائه وحزنه ..
وانتهت صلاة العشاء ..
ثم اجتمع الناس لصلاة الفجر .. فيصلي بهم أبو بكر .. ويجتمع الناس بعدها للصلوات ..
ويصلي أبو بكر بهم .. أياماً .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم على فراشه ..
فلما كانت صلاة الظهر أو العصر من يوم الاثنين .. وجد رسول صلى الله عليه وسلم خفة في
جسده .. فدعا العباس وعليّاً .. فأسنداه عن يمينه ويساره ..
ثم خرج يمشي بينهما .. تخط رجلاه في الأرض ..
وكشف الستر الذي بين بيته وبين المسجد .. فإذا الصلاة قد أقيمت .. والناس يصلون ..
فرأى أصحابه صفوفاً في الصلاة .. فنظر إليهم ..
وجوه مباركة .. وأجسادٌ طاهرة ..
ما منهم أحدٌ إلا وقد أصيب في سبيل الله .. منهم من قطعت يده ..
ومنهم من فقئت عينه .. ومنهم من ملأت الجراحات جسده ..
طالما صلى بهؤلاء الأخيار .. وجاهد معهم .. وجالسهم ..
كم ليلة قامها وقاموها .. وأيام صامها وصاموها ..
كم صبروا معه على البلاء .. وأخلصوا معه الدعاء ..
كم فارقوا لنصرة دينه .. الأهل والإخوان .. وهجروا الأحباب والأوطان ..
منهم من قضى نحبه .. ومنهم من ينتظر .. وما بدلوا تبديلاً ..
ثم هاهو اليوم يفارقهم .. إلى تلك الدار .. التي طالما شوقهم إلى سكناها ..
فلما رآهم في صلاتهم ..
تبسم .. حتى كأن وجهه فلقة من قمر ..
ثم أرخى الستر .. وعاد إلى فراشه .. وبدأت تصارعه سكرات الموت ..
قالت عائشة :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء .. فيدخل يده في القدح ثم يمسح
وجهه بالماء .. ثم يقول : لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات ..
وجعلت فاطمة تبكي وتقول : واكرب أبتاه .. فيلتفت إليها ويقول : ليس على أبيك كرب
بعد اليوم ..
فجعلت أمسح وجهه .. وأدعو له بالشفاء ..
فقال : لا .. بل أسأل الله الرفيق الأعلى .. مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ..
ثم لما ضاق به النفس .. واشتدت عليه السكرات .. جعل يردد كلمات يودع بها الدنيا ..
بل كان يتكلم فيما أهمه ..
ويحذر من صور الشرك ويقول :
" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ..
" اشتد غضب الله على قوم جعلوا قبور أنبيائهم مساجد " ..
وكان من آخر ما قال صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الصلاة .. وما ملكت أيمانكم " ..
ثم مات صلى الله عليه وسلم .. نعم ..
مات .. سيد المرسلين .. وإمام المتقين .. وحبيب رب العالمين ..
مات وليس أحد يطالبه بمظلمة .. ولا آذى أحداً بكلمة ..
لم يتدنس بأموال حرام .. ولا غيبة ولا آثام ..
بل كان إلى الله داعياً .. ولعفو ربه راجياً ..
يأمر بالصلاة وعبادة الرحمن .. وينهى عن الشرك والأوثان ..
{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف
رحيم } ..
* * * * * * * * * *
وكذلك كان الصالحون من بعده صلى الله عليه وسلم .. يستعدون للموت .. بالإكثار من الطاعات ..
والمسارعة إلى القربات ..
وهم مع كثرة أعمالهم .. وحسن أفعالهم .. إذا فجأهم الموت .. رجوا رحمة ربهم ..
وخافوا من عقابه .. ولم يركنوا إلى أعمالهم ..
عمر بن الخطاب .. الخليفة الراشد ..
الذي نصر الدين .. وجاهد لرب العالمين .. وأطفأ نيران دولة المجوس ..
حقد عليه الكافرون ..
وكان من أكثرهم حقداً .. أبو لؤلؤة المجوسي ..
وكان عبداً نجاراً حداداً في المدينة .. وكان يصنع الرحاء .. جمع رحى وهي آلة لطحن
الشعير .. وهي حجران مصفحان يوضع أحدهما فوق الآخر ويطرح الحب بينهما .. وتدار
باليد .. فيطحن ..
أخذ هذا العبد يتحين الفرص للانتقام من عمر ..
فلقيه عمر يوماً في طريق فسأله وقال :
حدثت أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح ؟!
فالتفت العبد عابساً إلى عمر ..
وقال : بلى .. لأصنعن لك رحى يتحدث بها أهل المشرق والمغرب ..
فلتفت عمر إلى من معه .. وقال :
توعدني العبد ..
ثم مضى العبد وصنع خنجراً له رأسان .. مقبضه في وسطه .. فهو إن طعن به من هذه الجهة
قتل .. وإن طعن به من الجهة الأخرى قتل .. وأخذ يطليه بالسم ..
حتى إذا طعن به .. يقتل إما بقوة الطعن أو السم ..
ثم جاء .. في ظلمة الليل .. فاختبأ لعمر في زاوية من زوايا المسجد ..
فلم يزل هناك حتى دخل عمر إلى المسجد ينبه الناس لصلاة الفجر ..
ثم أقيمت الصلاة .. وتقدم بهم عمر .. فكبر ..
فلما ابتدأ القراءة ..
خرج عليه المجوسي .. وفي طرفة عين .. عاجله .. بثلاث طعنات ..
وقعت الأولى في صدره والثانية في جنبه .. والثالثة تحت سرته ..
فصاح عمر .. ووقع على الأرض ..
وهو يردد قوله تعالى : وكان أمر الله قدراً مقدوراً ..
وتقدم عبد الرحمن بن عوف وأكمل الصلاة بالناس ..
أما العبد فقد طار بسكينه يشق صفوف المصلين .. ويطعن المسلمين .. يميناً وشمالاً ..
حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً .. مات منهم سبعة ..
ثم وقف شاهراً سكينه ما يقترب منه أحد إلا طعنه .. فاقترب منه رجل وألقى عليه رداءً
غليظاً ..
فاضطرب المجوسي .. وعلم أنهم قدروا عليه .. فطعن نفسه ..
وحُمِل عمر مغشياً عليه إلى بيته .. وانطلق الناس معه يبكون ..
وظل مغمى عليه .. حتى كادت أن تطلع الشمس ..
فلما أفاق .. نظر في وجوه من حوله .. ثم كان أول سؤال سأله .. أن قال :
أصلى الناس ؟ قالوا : نعم ..
فقال : الحمد لله .. لا إسلام لمن ترك الصلاة ..
ثم دعا بماء فتوضأ .. وأراد أن يقوم ليصلي فلم يقدر ..
فأخذ بيد ابنه عبد الله فأجلسه خلفه .. وتساند إليه ليجلس ..
فجعلت جراحه تنزف دماً ..
قال عبد الله بن عمر .. والله إني لأضع أصابعي .. فما تسد الجرح ..
فربطنا جرحه بالعمائم .. فصلى الصبح ..
ثم قال : يا ابن عباس انظر من قتلني ..
فقال : طعنك الغلام المجوسي .. ثم طعن معك رهطاً .. ثم قتل نفسه ..
فقال عمر : الحمد لله .. الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط ..
ثم دخل الطبيب على عمر .. لينظر إلى جرحه .. فسقاه ماءً مخلوطاً بتمر ..
فخرج الماء من جروحه ..
فظن الطبيب أن الذي خرج دم وصديد .. فأسقاه لبناً ..
فخرج اللبن من جرحه الذي تحت سرته .. فعلم الطبيب أن الطعنات قد مزقت جسده ..
فقال : يا أمير المؤمنين .. أوص .. فما أظنك إلا ميتاً اليوم أو غداً ..
فقال عمر : صدقتني .. ولو قلت غير ذلك لكذبتك ..
ثم قال :
والله لو أن لي الدنيا كلها .. لافتديت به من هول المطلع .. يعني الوقوف بين يدي
الله تعالى ..
فقال ابن عباس : وإن قلت ذلك .. فجزاك الله خيراً ..
أليس قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أن يعز الله بك الدين والمسلمين .. إذ يخافون
بمكة ؟
فلما أسلمت .. كان إسلامك عزاً .. وظهر بك الإسلام ..
وهاجرت .. فكانت هجرتك فتحاً .. ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم .. من
قتال المشركين ؟
ثم قبض وهو عنك راضٍ ..
ووازرت الخليفة بعده .. وقُبض وهو عنك راض ..
ثم وليت بخير ما ولي الناس .. مصّر الله بك الأمصار ..
وجبا بك الأموال .. ونفى بك العدو ..
ثم ختم لك بالشهادة .. فهنيئا لك ..
فقال عمر : أجلسوني ..
فلما جلس .. قال لابن عباس : أعد عليَّ كلامك ..
فلما أعاد عليه ..
قال : والله إن المغرور من تغرونه ..
أتشهد لي بذلك عند الله يوم تلقاه ؟
فقال بن عباس : نعم .. ففرح عمر .. وقال : اللهم لك الحمد …
ثم جاء الناس فجعلوا يثنون عليه .. ويودعونه ..
وجاء شاب ..
فقال : أبشر يا أمير المؤمنين .. صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم وليت فعدلت .. ثم
شهادة ..
فقال عمر : وددت أني خرجت منها كفافاً .. لا عليَّ ولا لي ..
فلما أدبر الشاب .. فإذا إزاره يمس الأرض .. فقال عمر : ردوا علي الغلام ..
قال : يا ابن أخي .. ارفع ثوبك .. فإنه أنقى لثوبك .. وأتقى لربك ..
ثم اشتد الألم على عمر .. وجعل يتغشاه الكرب .. ويغمى عليه ..
قال عبد الله بن عمر : غشي على أبي فأخذت رأسه فوضعته في حجري ..
فأفاق .. فقال : ضع رأسي في الأرض ثم غشي عليه فأفاق ورأسه في حجري ..
فقال : ضع رأسي على الأرض ..
فقلت : وهل حجري والأرض إلا سواء يا أبتاه ..
فقال : اطرح وجهي على التراب .. لعل الله تعالى أن يرحمني ..
فإذا قبضت .. فأسرعوا بي إلى حفرتي ..
فإنما هو خير تقدموني إليه .. أو شر تضعونه عن رقابكم ..
ثم قال : ويل لعمر .. وويل لأمه .. إن لم يغفر له .. ثم ضاق به النفس .. واشتدت
عليه السكرات .. ثم مات صلى الله عليه وسلم ..
ودفنوه بجانب صاحبيه ..
نعم .. مات عمر بن الخطاب .. لكن مثله في الحقيقة لم يمت ..
قدم على أعمال صالحات .. ودرجات رفيعات ..
صاحبه في قبره قراءته للقرآن .. وبكاؤه من خشيته الرحمن ..
تؤنسه صلاته في وحشته .. ويرفع جهاده من درجته ..
تعب في دنياه قليلاً .. لكنه استراح في آخرته طويلاً ..
بل قد عده النبي صلى الله عليه وسلم من العشرة المبشرين بالجنة ..
بل قد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً :
بينا أنا نائم رأيتني في الجنة .. فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر .. فقلت :
لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر .. فذكرت غيرته فوليت مدبراً ..
فبكى عمر وقال : أعليك أغار يا رسول الله !! ..
* * * * * * * * * *
نعم ..
هكذا الصالحون .. أيقنوا بنزول الموت فاستعدوا للقائه في كل لحظة ..
لما نزل الموت بالعابد الزاهد عبد الله بن إدريس .. اشتد عليه الكرب .. فلما اخذ
يشهق .. بكت ابنته ..
فقال : يا بنيتي .. لا تبكي .. فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة ..
كلها لأجل هذا المصرع ..
أمّا عامر بن عبد الله بن الزبير .. فلقد كان على فراش الموت .. يعد أنفاس الحياة
.. وأهله حوله يبكون ..
فبينما هو يصارع الموت .. سمع المؤذن ينادي لصلاة المغرب .. ونفسه تحشرج في حلقه ..
وقد أشتدّ نزعه .. وعظم كربه ..
فلما سمع النداء قال لمن حوله : خذوا بيدي ..!!
قالوا : إلى أين ؟ ..
قال : إلى المسجد ..
قالوا : وأنت على هذه الحال !!
قال : سبحان الله .. !! أسمع منادي الصلاة ولا أجيبه ..
خذوا بيدي .. فحملوه بين رجلين .. فصلى ركعة مع الإمام .. ثمّ مات في سجوده ..
نعم .. مات وهو ساجد ..
فمن أقام الصلاة .. وصبر على طاعة مولاه .. ختم له برضاه ..
اصبر لمر حوادث الدهر فلتحمدن مغبة الصبر
وامهد لنفسك قبل ميتتها واذخر ليوم تفاضل الذخر
فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر
وكأنهم قد هيئوك بما يتهيأ الهلكى من العطر
وكأنهم قد قلبوك على ظهر السرير وظلمة القبر
يا ليت شعري كيف أنت على ظهر السرير وأنت لا تدري
أم ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر
أم ليت شعري كيف أنت إذا وضع الحساب صبيحة الحشر
ما حجتك فيما أتيت وما قولك لربك بل وما العذر
ألا تكون أخذت عذرك أو أقبلت ما استدبرت من أمر
* * * * * * * * * *
بل كان الصالحون يتحسرون عند الممات .. على فراق الأعمال الصالحات ..
ويودون لو طالت بهم الحياة للتزود في رفع الدرجات .. وتكثير الحسنات ..
احتضر عبد الرحمن بن الأسود .. فبكى .. فقيل له :
ما يبكيك !! وأنت .. أنت ..
يعني في العبادة والخشوع .. والزهد والخضوع ..
فقال : أبكي والله .. أسفاً على الصلاة والصوم .. ثمّ لم يزل يتلو حتى مات ..
أما يزيد الرقاشي فإنه لما نزل به الموت .. أخذ يبكي ويقول :
من يصلي لك يا يزيد إذا متّ ؟ ومن يصوم لك ؟
ومن يستغفر لك من الذنوب .. ثم تشهد ومات ..
هذه مشاهد الاحتضار .. لأرباب التعبدّ والأسرار ..
فلوا رأيتهم تجافوا عن دفء فرشهم في الأسحار ..
يخافون يوماً تنقلب فيه القلوب والأبصار ..
فدفنوا تحت الثرى .. وقد أرضوا من يعلم السرّ وأخفى ..
هذا هو احتضار المؤمنين .. وما عند الله خير وأبقى ..
* * * * * * * * * *
الموت لا يفرق بين كبير وصغير .. ولا غني وفقير .. ولا عبد وأمير ..
هارون الرشيد
ذاك الذي ملك الأرض وملأها جنوداً ..
ذاك الذي كان يرفع رأسه .. فيقول للسحابة : أمطري في الهند أو في الصين .. أو حيث
شئت .. فوالله ما تمطرين في أرض إلا وهي تحت ملكي ..
هارون الرشيد .. خرج يوماً في رحلة صيد فمرّ برجل يقال له بُهلول ..
فقال هارون : عظني يا بُهلول ..
قال : يا أمير المؤمنين !! أين آباؤك وأجدادك ؟ من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيك
؟
قال هارون : ماتوا ..
قال : فأين قصورهم ..؟ قال : تلك قصورهم ..
قال : وأين قبورهم ؟ قال : هذه قبورهم ..
فقال بُهلول : تلك قصورهم .. وهذه قبورهم .. فما نفعتهم قصورهم في قبورهم ؟
قال : صدقت .. زدني يا بهلول .. قال :
أما قصورك في الدنيا فواسعة * فليت قبرك بعد الموت يتسع
فبكى هارون وقال : زدني .. فقال :
يا أمير المؤمنين :
هب أنك ملكت كنوز كسرى وعُمرت السنين فكان ماذا
أليس القـبر غـاية كـل حيٍ وتُسأل بعده عن كل هذا ؟
قال : بلى ..
ثم رجع هارون .. وانطرح على فراشه مريضاً .. ولم تمضِ عليه أيام حتى نزل به الموت
..
فلما حضرته الوفاة .. وعاين السكرات .. صاح .. بقواده وحجابه :
اجمعوا جيوشي .. فجاؤوا بهم .. بسيوفهم .. ودروعهم .. لا يكاد يحصي عددهم إلا الله
.. كلهم تحت قيادته وأمره ..
فلما رآهم .. بكى .. ثم قال :
يا من لا يزول ملكه .. ارحم من قد زال ملكه ..
ثم لم يزل يبكي حتى مات .. فلما مات ..
أخذ هذا الخليفة .. الذي ملك الدنيا وأودع حفرة ضيقة ..
لم يصاحبه فيها وزراؤه .. ولم يساكنه ندماؤه ..
لم يدفنوا معه طعاماً .. ولم يفرشوا له فراشا
ما أغنى عنه ملكه وماله ..
سل الخليفة إذ وافت منيته * أين الجنود أين الخيل والخول
أين الكنوز التي كانت مفاتحها * تنوء بالعصبة المقوين لو حملوا
أن الجيوش التي أرصدتها عدداً* أين الحديد وأين البيض والأسل
لا تنكرن فما دامت على أحد * إلا أناخ عليه الموت والوجل

أما عبد الملك بن مروان ..
فإنه لما نزل به الموت ..جعل يتغشاه الكرب .. ويضيق عليه النفس .. فأمر بنوافذ
غرفته ففتحت .. فالتفت فرأى غسالاً فقيراً في دكانه ..
فبكى عبد الملك ثم قل : يا ليتني كنت غسالاً .. يا ليتني كنت نجاراً .. يا ليتني
كنت حمالاً .. يا ليتني لم ألِ من أمر المؤمنين شيئاً .. ثم مات ..
عجباً ..
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم * فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل
أين الرماة ألم تُمنع بأسهمهم * لما أتتك سهام الموت تنتصل
أين الأحبة والجيران أجمعهم * أين الأطباء ما اغنوا ولا الحيل
ما ساعدك ولا واساك أقربهم * بل سلموك لها يا قبح ما فعلوا
ما بال ذكرك منسياً ومطرحاً * وكلهم باقتسام المال قد شغلوا
ما بال قبرك وحشاً لا أنيس به * يغشاك من جانبيه الروع والوهل
ما بال قبرك لا يأتي به أحد * ولا يمرّ به من بينهم رجل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا* فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وطالما كنزوا الأموال وادخروا * فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
وطالموا شيدوا دوراً لتحصنهم * ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
ـــــــــــــــــــ
نعم ..
انتقلوا .. إلى دور ليس فيها خدم يخدمون .. ولا أهل يكرمون .. ولا وزراء ينادمون ..
انتقلوا إلى دور .. تجالسهم فيها أعمالهم .. وتخاصمهم صحائفهم .. وما ربك بظلام
للعبيد ..
* * * * * * * * * *
وهناك فريق من الناس ..وسع الله عليهم في أرزاقهم .. وعافاهم في أبدانهم ..
فغفلوا عن الاستعداد للموت حتى باغتهم ..
فبدد شملهم .. وأخذهم على قبيح فعلهم .. فلما عاينوا الموت طلبوا الرجوع للدنيا ..
لا لتجارة ولا مال .. ولا أهل ولا عيال .. ونما لإصلاح الأحوال .. وإرضاء القوي
المتعال ..
ولكن قد حكم الخالق العظيم أنهم إليها لا يُرجعون ..
أولئك العصاة والمذنبون .. اللاهون المضيعون ..
غلب عليهم حبهم لدنياهم .. فكان لهم في احتضارهم عذاب وتهويل .. وحيل بينهم وبين
الخالق الجليل ..
* * * * * * * * * *
ذكر القرطبي :
أن أحد المحتضرين .. ممّن بدنياه انشغل .. وغرّه طول الأمل .. لما نزل به الموت ..
واشتد عليه الكرب ..
اجتمع حوله أبناؤه .. يودعونه .. ويقولون :
قل لا إله إلا الله .. فأخذ يشهق .. ويصيح .. فأعادوها عليه ..
فصاح بهم وقال :
الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا .. والبستان الفلاني ازرعوا فيه كذا ..
والدكان الفلاني اقبضوا منه كذا .. ثمّ لم يزل يردد ذلك حتى مات ..
نعم .. مات ..
وترك بستانه ودكانه .. يتمتع بهما ورثته .. وتدوم عليه حسرته ..
* * * * * * * * * *
وذكر ابن القيم :
أن أحد تجار العقار .. ذُكّر بلا إله إلاّ الله عند احتضاره فجعل يردّد :
هذه القطعة رخيصة .. وهذا مشترى جيّد .. وهذا كذا .. وهذا كذا .. حتى خرجت روحه ..
وهو على هذا الحال ..
ثم دفن تحت الثرى .. بعدما مشى عليه متكبراً ..
قد جمع الأموال .. وكثر العيال .. فما نفعوه في قبره ولا ساكنوه ..
* * * * * * * * * *
قال ابن القيم :
واحتضر رجل ممن كان يجالس شراب الخمور .. فلما حضره نزعُ روحه ..
اقبل عليه رجل ممن حوله .. وقال : يا فلان .. يا فلان .. قل لا إله إلا الله ..
فتغير وجهه .. وتلبد لونه .. وثقل لسانه ..
فردد عليه صاحبه : يا فلان .. قل لا إله إلا الله ..
فالتفت إليه وصاح :
لا .. اشرب أنت ثمّ اسقني .. اشرب أنت ثمّ اسقني ..
وما زال يردّدها .. حتى فاضت روحه إلى باريها ..
نعوذ بالله .. { وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل} .
* * * * * * * * * *
وذكر الصفدي :
أن رجلاً كان يشرب الخمر ويجالس أهلها .. وكان إذا سكر ونام .. يمشي ولا يعقل ..
فكان ينام في السطح ويشد رجله بحبل كي لا يقع ..
فسكر ليلة ونام .. فقام يمشي .. وسقط من السطح .. فأمسكه الحبل .. فبقي معلقاً
منكساً .. حتى أصبح ميتاً ..
* * * * * * * * * *
وذكر في أنموذج الزمان :
أن محمد بن المغيث كان رجلاً فاسقاً .. مفتوناً بشرب الخمر .. ولا يكاد يخرج من بيت
الخمار ..
فلما مرض .. ونزل به الموت .. وخارت قواه ..
سأله رجل ممن حوله .. هل بقي في جسمك قوة ؟ هل تستطيع المشي ..؟
فقال : نعم .. لو شئت مشيت من هنا إلى بيت الخمار ..
فقال صاحبه : أعوذ بالله أفلا قلت أمشي إلى المسجد ؟
فبكى .. وقال :
غلب ذلك عليَّ لكل امرئ من دهره ما تعودا .. وما جرت عادتي بالمشي إلى المسجد ..
* * * * * * * * * *
وقال ابن أبي رواد :
حضرت رجلاً عند الموت .. فجعل من حوله يلقّنونه لا إله إلا الله .. فحيل بينه
وبينها .. وثقلت عليه .. فجعلوا يعيدون عليه .. ويكررون .. ويذكرونه بالله .. وهو
في كرب شديد ..
فلما ضاق عليه النفس .. صاح بهم وقال : هو كافر بلا إله إلاّ الله .. ثم شهق ومات
..
قال : فلما دفناه .. سألت أهله عن حاله : فإذا هو مدمن للخمر ..
نعوذ بالله من سوء الخاتمة ..
بل نعوذ بالله من أم الخبائث .. ورأس الفواحش ..
ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة .. ومن شرب الخمر في الدنيا كان حقاً
على الله أن يسقيه من طينة الخبال .. قيل : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟
قال : عصارة أهل النار ..
إلا أن يتوب قبل موته ..
* * * * * * * * * *
أما أهل المعازف والغناء .. فلهم عند الموت كربة وبلاء ..
ذكر ابن القيم :
أن رجلا من أهل الغناء والمعازف حضرته الوفاة .. فلما اشتدّ به نزع روحه ..
قيل له : قل لا إله إلا الله .. فجعل يردد أبياتاً من الغناء ..
فأعادوا عليه التلقين ..: قل لا إله إلا الله .. فجعل يردد الألحان ويقول : تنتنا
.. تنتنا ..
حتى خرجت روحه من جسده .. وهو إنمّا يلحّن ويغني ..
* * * * * * * * * *
أما أهل الجريمة الكبرى .. والداهية العظمى ..
فهم أنصار الشيطان .. وأعداء الرحمن ..
وخصوم المؤمنين .. وإخوان الكافرين ..
الذين يحشرون مع فرعون وهامان ..ويتقلبون معهم في النيران ..
هم تاركو الصلاة .. وبين الرجل وبين الكفر أو الشرك .. ترك الصلاة ..
وحالهم عند الموت وبعده أدهى وأفظع ..
ذكر ابن القيم :
أن أحد المحتضرين .. كان صاحب معاص وتفريط .. فلم يلبث أن نزل به الموت .. ففزع من
حوله إليه .. وانطرحوا بين يديه .. وأخذوا يذكرونه بالله .. ويلقنونه لا إله إلا
الله ..
وهو يدافع عبراته .. فلما بدأت روحه تنزع .. صاح بأعلى صوته .. وقال :
أقول : لا إله إلا الله !!
وما تنفعني لا إله إلا الله ؟!! وما أعلم أني صليت لله صلاة !!
ثمّ مات ..
* * * * * * * * * *
هذا هو الموت .. أول طريق الآخرة ..
وما بعده أفظع وأكبر ..
* * * * * * * * * *
أما أحوال أهل القبور .. فهي أدهى وأخطر ..
فكم من جسد صحيح .. ووجه صبيح .. ولسان فصيح .. هو اليوم في قبره يصيح ..
على أعماله نادم .. وعلى الله قادم ..
خرج عمر بن عبد العزيز .. في جنازة بعض أهله فلما أسلمه إلى الديدان .. ودسه في
التراب .. التفت إلى الناس فقال :
أيها الناس :
إن القبر ناداني من خلفي .. أفلا أخبركم بما قال لي ؟
قالوا : بلى ..
فقال : إن القبر قد ناداني فقال :
يا عمر بن عبد العزيز .. ألا تسألني ما صنعت بالأحبة ؟
قلت : بلى .
قال : خرقت الأكفان .. ومزقت الأبدان .. ومصصت الدم .. وأكلت اللحم ..
ألا تسألني ما صنعت بالأوصال ؟
قلت : بلى .
قال : نزعت الكفين من الذراعين .. والذراعين من العضدين .. والعضدين من الكتفين ..
والوركين من الفخدين .. والفخدين من الركبتين .. والركبتين من الساقين .. والساقين
من القدمين .
ثم بكى عمر فقال :
ألا إن الدنيا بقاؤها قليل .. وعزيزها ذليل ..
وشبابها يهرم .. وحيها يموت .. فالمغرور من اغترَّ بها ..
أين سكانها الذين بنوا مدائنها ..
ما صنع الترابُ بأبدانهم ؟
والديدانُ بعظامهم وأوصالهم ؟
كانوا في الدنيا على أسرةٍ ممهدة .. وفرشٍ منضدة ..
بين خدم يخدمون .. وأهلٍ يكرمون ..
فإذا مررت فنادهم .. وانظر إلى تقارب قبورهم من منازلهم ..
وسل غنيَّهم ما بقي من غناه ؟
وسل فقيرَهم ما بقي من فقره ؟
سلهم .. عن الألسن .. التي كانوا بها يتكلمون .. وعن الأعين التي كانوا إلى اللذات
بها ينظرون ..
وسلهم عن الجلود الرقيقة .. والوجوه الحسنة .. والأجساد الناعمة ..
ما صنع بها الديدان ؟
محت الألوان .. وأكلت اللحمان .. وعفرت الوجوه .. ومحت المحاسن ..
وكسرت القفا .. وأبانت الأعضاء .. ومزقت الأشلاء ..
أين خدمهم وعبيدهم ..أين جمعهم ومكنوزهم ؟
والله ما زودوهم فَرْشا .. ولا وضعوا هناك متكئاً ..
أليسوا في منازل الخلوات .. وتحت أطباق الثرى في الفلوات ؟
أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟
قد حيل بينهم وبين العمل .. وفارقوا الأحبة والأهل ..
قد تزوجت نساؤهم .. وترددت في الطرق أبناؤهم ..
وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم ..
ومنهم والله الموسع له في قبره .. الغض الناضر فيه .. المتنعم بلذته ..
ثم بكى عمر وقال :
يا ساكن القبر غداً ..
ما الذي غرك من الدنيا ! ..
أين رقاق ثيابك .. أين طيبك .. أين بخورك ..
كيف أنت على خشونة الثرى ..
ليت شعري بأي خديك يبدأ الدود البِلى ..
ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا .. وما يأتيني به من
رسالة ربي ..ثم بكى بكاءً ..
ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة .. ومات .. رحمه الله ..
* * * * * * * * * *
أهلُ القبور إما معذبون أو منعّمون ..
بل لعله في القبر الواحد دُفن عدة أشخاص .. هذا إلى الجنة وهذا إلى النار ..
بل يا أُخَيَّ ..إن الأمر أعجب من ذلك ..
لعل تحت قدميك الآن أقوام يُعذبون أو ينعمون ..
بل لعل تحتك في غرفة نومك أقواما محبوسين في حفر من جهنم ..
يعرضون على النار بكرة وعشياً ..
من يدري فالناس كثير .. والأرض قد تضيق عنهم ..
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب * فأين القبور مـن عهد عاد
خفف الوَطْء ما أظن أديم الأرض * إلا مـــن هذه الأجساد
رُبَّ قبر قد صــار قبراً مراراً * ضاحكٍ من تزاحم الأضداد
ودفين على رفـــات دفين * مــن قديم الزمان والآماد
تعب كلها الحياة فـلا أعجب * إلا مــن راغب في ازدياد
فأي عيش صفا وما كدّره الموت ؟
أي قدم سعت وما عثّرها الموت ؟
أما أخذ الآباء والأجداد ؟ أما سلب الحبيب وقطع الوداد ؟
أما أرمل النسوان .. وأيتم الأولاد ؟
عزاءٌ فما يصنع جازعُ ودمع الأسى أبد ضائعُ
بكى الناس من قبل أحبابهم فهل منهم أحدٌ راجعُ
فدلى ابن عشرين في قبره وتسعون صاحبها رافعُ
يُسلِّم مهجته راغماً كما مدّ راحته البائعُ
ولو أن من حدث سالما لما خسف القمر الطالع
وكيف يوقّى الفتى ما يخاف إذا كان حاصده الزارع
* * * * * * * * * *
فالقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه
فإن يكُ خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّ ويل لعبد عن سبيل الله صد
* * * * * * * * * *
روى الإمام أحمد في مسنده :
عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة .. فجلس رسول الله
صلى الله عليه وسلم على القبر .. وجلسنا حوله .. كأن على رؤوسنا الطير .. وهو يلحد له ..
فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر .. قلنا : نعوذ بالله من عذاب القبر ..
قال : تعوذوا بالله من عذاب القبر .. قلنا : نعوذ بالله من عذاب القبر ..
قال : تعوذوا بالله من عذاب القبر .. قلنا : نعوذ بالله من عذاب القبر ..
ثم قال :
إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا .. وإقبال من الآخرة ..
نزل إليه ملائكة من السماء .. بيض الوجوه .. كأن وجوههم الشمس ..
معهم كفن من أكفان الجنة .. وحنوط من حنوط الجنة ..
حتى يجلسوا منه مد البصر ..
ثم يجئ ملك الموت عليه السلام .. حتى يجلس عند رأسه .. فيقول :
أيتها النفس الطيبة .. أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ..
فتخرج تسيل .. كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء .. فيأخذها .. فإذا أخذها .. لم
يدعوها في يده طرفة عين .. حتى يأخذوها فيجعلوها .. في ذلك الكفن .. وفي ذلك الحنوط
.. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك .. وجدت على وجه الأرض ..
فيصعدون بها .. فلا يمرون على ملأ من الملائكة .. إلا قالوا :
ما هذا الروح الطيب ؟
فيقولون : فلان بن فلان .. بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ..
حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا .. فيستفتحون له .. فيفتح لهم .. فيشيعه من كل
سماء مقربوها .. إلى السماء التي تليها .. حتى يُنتهى به إلى السماء السابعة ..
فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين .. وأعيدوه إلى الأرض .. فإني منها
خلقتهم .. وفيها أعيدهم .. ومنها أخرجهم تارة أخرى ..
فتعاد روحه في جسده ..
فيأتيه ملكان .. فيجلسانه .. فيقولان له :
من ربك ؟ فيقول : ربي الله ..
فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ..
فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فيقولان له : وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله .. فآمنت به .. وصدقت ..
فينادى مناد في السماء : أن صدق عبدي .. فافرشوه من الجنة .. وألبسوه من الجنة ..
وافتحوا له باباً إلى الجنة ..
فيأتيه من روحها .. وطيبها .. ويفسح له في قبره .. مَدَّ بصره ..
ويأتيه رجل حسنُ الوجه .. حسنُ الثياب .. طيب الريح ..
فيقول : أبشر بالذي يسرك .. هذا يومك الذي كنت توعد ..
فيقول له : من أنت ؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير ..
فيقول : أنا عملك الصالح .. كنت والله سريعاً في طاعة الله .. بطيئاً عن معصية الله
.. فجزاك الله خيراً ..
نعم .. أيها الإخوة والأخوات ..
يقول له : أنا عملك الصالح ..
أنا صلاتك وصومك .. أنا برك وصدقتك ..
أنا بكاؤك وخشيتك .. أنا حجك وعمرتك ..
أنا قراءتك للقرآن .. وحبك للرحمن ..
أنا قيامك في الأسحار .. وصومك في النهار .. وخوفك من العزيز الجبار ..
أنا برك لوالديك ..أنا طلبك للعلم ..
أنا دعوتك إلى الله .. أنا جهادك في سبيل الله ..
فإذا رأى العبد المؤمن .. هذا الوجه الصبوح يبشره ..
والتفت حوله فرأى قبره قد أصبح واسعاً .. فيه فرش من الجنة .. ونظر إلى لباسه فإذا
هو من الجنة ..
علم أن هذا النعيم لا يساوي شيئاً بجانب ما ينتظره في الجنة .. فيدعوا ربه ويقول :
رب أقم الساعة .. حتى أرجع إلى أهلي ومالي ..
قال :
وإن العبد الكافر أو الفاسق .. إذا كان في انقطاع من الدنيا .. وإقبال من الآخرة ..
نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه .. معهم المسوح ..
فيجلسون منه مد البصر .. ثم يجئ ملك الموت .. حتى يجلس عند رأسه .. فيقول :
يا أيتها النفس الخبيثة .. أخرجي إلى سخط من الله وغضب ..
فتفرق في جسده .. فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول ..
فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض .. وكل ملك في السماء ..
فيأخذها .. فإذا أخذها .. لم يدعوها في يده طرفة عين .. حتى يجعلوها في تلك المسوح
.. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ..
فيصعدون بها .. فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة .. إلا قالوا :
ما هذا الروح الخبيث ؟
فيقولون : فلان بن فلان .. بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ..
حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا .. فيستفتح له .. فلا يفتح له .. ثم قرأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم : { لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في
سم الخياط } ..
فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين .. في الأرض السفلى .. فتطرح روحه طرحاً
.. ثم قرأ : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } ..
فتعاد روحه في جسده .. ويأتيه ملكان .. فيجلسانه .. فيقولان له :
من ربك ؟ فيقول : هاه .. هاه .. لا أدرى ..
فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه .. هاه .. لا أدرى ..
فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هاه .. هاه .. لا أدرى ..
فيقولان : لا دريت .. ولا تلوت ..
فينادى مناد من السماء : أن كذب .. فافرشوا له من النار .. وافتحوا له باباً إلى
النار .. فيأتيه من حرها .. وسمومها .. ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ..
ويأتيه رجل قبيح الوجه .. قبيح الثياب .. منتن الريح ..
فيقول : أبشر بالذي يسوءك .. هذا يومك الذي كنت توعد .. كنت بطيء عن طاعة الله
سريعا في معصية الله فجزاك الله شراً ..
فيقول : من أنت ؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر .. فيقول : أنا عملك الخبيث ..
نعم .. أنا عملك الخبيث ..
أنا وقوعك في الشرك .. أنا حلفك بغير الله .. أنا طوافك على القبور .. وشربك للخمور
..
بل .. أنا وقوعك في الزنا .. وأكلك للربا .. وسماعك للغناء ..
أنا تكبرك على الناصحين .. وجرأتك على رب العالمين ..
عندها يتحسر هذا العبد .. وهل تغني الحسرات ..!!
ويشتد ندمه .. وهل تنفعه العبرات ..!!
أين كان هذا البكاء .. وأنت تنظر إلى المحرمات ؟ وتواقع الفواحش والشهوات ؟
كم نُصحت بحفظ فرجك .. وصيانة سمعك وبصرك ..
فابكِ اليوم أو لا تبكِ .. فلن تنجو من العذاب ..
{ اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون } ..
عندها يوقن هذا العبد .. أن ما يلقاه بعد القبر أشد وأبقى ..
فيقول : رب لا تقم الساعة ..
ثم يقبض له أعمى .. أصم .. أبكم .. في يده مرزبة .. لو ضرب بها جبل كان تراباً ..
فيضربه ضربة .. حتى يصير تراباً .. ثم يعيده الله كما كان .. فيضربه ضربة أخرى ..
فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين ..
* * * * * * * * * *
أيها الأخوة والأخوات ..
وقبل الختام .. أنبه على تسع مسائل هامة تتعلق بالجنائز والقبور ..
المسألة الأولى :
أن الموت إذا جاء فلا يؤخر لحظة واحدة .. ولا يقدم ..
قال الله : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً } ..
ولا أحد يعلم متى يموت .. ولا أين سيموت ..
ذُكر أن وزيراً جليل القدر .. كان عند داود عليه السلام ..
فلما مات داود .. صار وزيراً عند سليمان بن داود ..
فكان سليمان عليه السلام يوماً .. جالساً في مجلسه في الضحى ..
وعنده هذا الوزير ..
فدخل عليه رجل يسلّم عليه ..
وجعل هذا الرجل يحادث سليمان .. ويحدّ النظر إلى هذا الوزير ..
ففزع الوزير منه ..
فلما خرج الرجل .. قام الوزير وسأل سليمان .. وقال :
يا نبي الله ! من هذا الرجل .. الذي خرج من عندك ؟ ..
قد والله أفزعني منظره ؟
فقال سليمان : هذا ملك الموت .. يتصور بصورة رجل .. ويدخل عليَّ ..
ففزع الوزير .. وبكى .. وقال :
يا نبي الله .. أسألك بالله .. أن تأمر الريح فتحملني إلى أبعد مكان .. إلى الهند
..
فأمر سليمان الريح فحملته ..
فلما كان من الغد .. دخل ملك الموت على سليمان يسلم عليه كما كان يفعل ..
فقال له سليمان : قد أفزعت صاحبي بالأمس .. فلماذا كنت تحد النظر إليه ؟
فقال ملك الموت : يا نبي الله .. إني دخلت عليك في الضحى .. وقد أمرني الله أن أقبض
روحه بعد الظهر في الهند فعجبت أنه عندك ..
قال سليمان : فماذا فعلت ؟
فقال ملك الموت : ذهبت إلى المكان الذي أمرني بقبض روحه فيه .. فوجدته ينتظرني ..
فقبضت روحه ..
{ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب
والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ..
ومن مات فإنه لا يرجع من موته .. ولا يخرج من قبره حتى ينفخ في الصور يوم القيامة
..
فمن ادعى أن أحداً من الأئمة أو الأولياء أو الأنبياء .. يرجع بعد موته .. فقد قال
بأعظم البهتان .. وصار من أنصار الشيطان ..
* * * * * * * * * *
المسألة الثانية :
أن عذاب القبر ونعيمه ثابت بالكتاب والسنة ..
قال تعالى : { وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدواً وعشياً
ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ..
وقال تعالى عن المنافقين : { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم }
.. قال ابن مسعود وغيره : العذاب الأول في الدنيا .. والثاني عذاب في القبر .. ثم
يردون إلى عذاب عظيم في النار ..
أما الأحاديث في إثبات عذاب القبر ونعيمه .. فهي كثيرة .. بل قد صرح ابن القيم
وغيره أنها متواترة .. وبين يدي أكثر من خمسين حديثاً في ذلك ..
فمنها ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين .. فقال : إنهما ليعذبان وما
يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة )
..
ومنها ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه في الصلاة : ( اللهم
إني أعوذ بك من عذاب القبر .. ) ..
* * * * * * * * * *
المسألة الثالثة :
أن عذاب القبر ونعيمه أمور غيبية .. لا تقاس بالعقل .. والإيمان بالغيب من أهم صفات
المؤمنين .. كما قال تعالى : { الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين *الذين يؤمنون بالغيب } ..
قال ابن القيم رحمه الله : ومما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ .. فكل
من مات وهو مستحق للعذاب .. ناله نصيبه منه .. قُبر .. أو لم يُقبر .. فلو أكلته
السباع .. أو أحرق حتى صار رماداً .. ونسف في الهواء .. أو صلب .. أو غرق في البحر
.. وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور ..
* * * * * * * * * *
المسألة الرابعة :
من المحرمات التي تقع من بعض الناس .. والنساء خاصة .. ما يقع من العويل والنياحة
والصراخ ..
ففي الصحيحين .. قال صلى الله عليه وسلم : ليس منا من ضرب الخدود .. وشق الجيوب .. ودعا
بدعوى الجاهلية ..
وفيهما .. قال صلى الله عليه وسلم: ( النائحة إذا لم تتب قبل موتها .. تقام يوم القيامة .. وعليها سربال من قطران .. ودرع من جرب ) ..
فعلى من أصيب بموت حبيب .. أن يصبر ويحتسب .. وليبشر بالأجر العظيم على صبره ..ففي
الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء .. إذا قبضت
صفيه من أهل الدنيا .. ثم احتسبه .. إلا الجنة ..
* * * * * * * * * *
المسألة الخامسة :
زيارة القبور مشروعة .. ويكون قصده من الزيارة الاعتبار والاتعاظ .. دون قصد التبرك
بالقبر .. أو بتربة القبر .. أو الانتفاع بالمقبور ..
ولا يجوز أن يخصص يوماً معيناً للزيارة .. لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص
أياماً للزيارة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) .
وبعض الناس يقرأ الفاتحة عند زيارة القبور.. وهذه من البدع .. إذ لم يثبت عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قرأ شيئاً من القرآن عند القبور .. بل كان يدعو للأموات ويستغفر لهم .
ولا يجوز السفر لزيارة قبر من القبور ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى
ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ) متفق عليه .
* * * * * * * * * *
المسألة السادسة :
من المخالفات والبدع في الجنائز :
• وضعُ الزهور على الجنازة أو القبر ، وهذا تشبه بالكفار في دينهم وشعائرهم ، وقد
قال صلى الله عليه وسلم : من تشبه بقوم فهو منهم .. رواه أحمد .
• وكذلك الحداد على أرواح الشهداء أو غيرهم .. بالوقوفُ والصمت لمدة دقيقة ترحماً
عليهم .. فهذه بدعة منكرة .. وإنما يكتفى بالدعاء والاستغفار لهم ..
• وكذلك لا يجوز تعليقُ صورٍ لأموات بل ولا الأحياء ، للذكرى أو لغيرها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي : لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .. رواه مسلم
.
ومن المخالفات :
• رفع الصوت أثناء تشييع الجنازة بالتهليل أو التكبير الجماعي .. والمشروع أن يدعو
المرء ويذكر الله مع نفسه .
• وكذلك الأذان في القبر .. أو بعد وضع الميت في قبره .. ولم يثبت ذلك عن النبي
صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم .. وقد قال صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ..
• وكذلك من البدع : الدعاء الجماعي بعد صلاة الجنازة .. أو بعد دفن الميت .. بل
المشروع أن يدعو كل واحد مع نفسه ..
• ومن المخالفات دفن الميت في تابوت .. والأصل أن يدفن الميت بكفنه في القبر .. من
غير تابوت .. إلا إذا دعت الحاجة إلى دفنه في تابوت كتقطع الجسم مثلاً ..أو كان
نظام الدولة يُلزم بدفنه بتابوت ولا يستطيع أصحاب الجنازة المخالفة .. فيدفن
بالتابوت .
* * * * * * * * * *
المسألة السابعة :
فعل القربات من الحي وإهداءُ ثوابها للميت جائز .. في حدود ما ورد الشرع بفعله
..كالدعاء له .. والحج .. والعمرة .. والصدقة .. والأضحية .. وصومِ الواجب عمن مات
وعليه صوم واجب .
أما قراءة القرآن أو الصلاة بنية أن يكون ثوابها للميت فلا تجوز ؛ لأنها لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وكذلك من البدع استئجار قارئ يقرأ القرآن للأموات في المآتم .
* * * * * * * * * *
المسألة الثامنة :
قبل توزيع التركة يجب إخراج تكاليف تجهيز الميت .. وسداد ديونه .. وتنفيذ وصيته ..
وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد : ( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ) .
* * * * * * * * * *
المسألة الأخيرة :
وهي المسألة الكبرى .. والمصيبة العظمى ..
وهي الشرك الواقع عند القبور .. كمن يطوف على القبور .. أو يسأل أهلها الحاجات ..
واعتقاد أن الأولياء الموتى .. يقضون الحاجات ..
والله يقول : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
} ..
وبعض عُبَّاد القبور يطوفون بها .. ويستلمون أركانها .. ويتمسَّحون بها ..
ويقبِّلون أعتابها .. ويسجدون لها .. ويقفون أمامها خاشعين .. سائلين حاجاتهم .. من
شفاء مريض .. أو حصولِ ولد ..
وربما نادى الزائرُ صاحب القبر : يا سيدي ! جئتك من بلد بعيد فلا تخيبني .. !!
والله يقول : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ..
وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلم : ( من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار ) ..
ولا تغتر بما يشاع أن فلاناً الفقير دعا عند القبر الفلاني فاغتنى .. أو فلاناً
المريض دعا فشفي .. أو رزق بولد ..
ويحرم بناء المساجد على القبور ..
بل لا تجوز الصلاة في المسجد إذا كان فيه أو في ساحته أو قبلته قبر .. لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : ( ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد .. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) .
بل يحرم البناء على القبور .. على أي شكل كان .. ففي صحيح مسلم : نهى النبي
صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه .. ، والمشروع أن يدفن الميت
ثم يعاد على القبر التراب الذي أخرج منه .. ولا يزيد ارتفاعه عن الشبر .
كما يحرم بناء القباب على القبور لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي : لا تدع صورة إلا طمستها ،
ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .. رواه مسلم .
وقال جابر رضي الله عنه : نهى النبي أن يجصص القبر .. وأن يقعد عليه .. وأن يبنى عليه
.. رواه مسلم .
ومن على القبر سراجاً أوقداً أو ابتنى على الضريح مسجداً
فــإنه مــجدد جهاراً لسنن اليهود والنصــارى
كم حذر المختار عن ذا ولعن فاعله كما روى أهل السنن
بل قد نهى عن ارتفاع القبر وأن يزاد فيه فوق الشبــر
وكل قبر مشرف فقد أمر بأن يسوى هكذا صح الخبر
فانظر إليهم قد غــلو وزادوا ورفعوا بناءها وشــادوا
بالشيد والآجــرِّ والأحجارِ لا سيما في هذه الأعصارِ
وللقنــاديل عليها أوقـدوا وكم لواء فوقها قد عقدوا
ونــصبوا الأعلام والرايات وافتتنوا بالأعظم الرفـاْت
بل نحروا في سوحها النـحائرْ فعل أولي التسييب والبحائرْ
والتمسوا الحاجات من موتاهمْ واتخذوا إلههم هــواهـم
سبحان الله ..
{ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ..
* * * * * * * * * *
أسأل الله أن يخلص توحيدنا له وحده لا شريك له ..
وأن يهدي ضال المسلمين ..
اللهم اجعلنا بطاعتك عاملين .. وعلى ما يرضيك مقبلين ..
وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين ..
وآمنا من الفزع الأكبر يوم الدين ..




ربنا لاتخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا وتغفر لنا خطايانا
قديمة 23 - 01 - 2010, 00:33
المشاركة 66
صورة 'saleh_aljafar' الرمزية
saleh_aljafar
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 10 - 2009
رقم العضوية : 70945
الدولة : شرقاوي السعوديه
المشاركات: 5,640
4
افتراضي
وداعاً أيها البطل


د.محمد بن عبدالرحمن العريفي








الحمد لله المحمودِ بجميع المحامد تعظيماً وثناءً .. المتصفِ بصفات الكمال عزّة وكبرياءً ..
الحمد لله الواحدِ بلا شريك .. القويِّ بلا نصير .. العزيزِ بلا ظهير .. الذي رفع منازل الشهداء في دار البقاء ..وحث عباده على البذل والفداء ..
أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه .. فهو الأول والآخر .. والظاهر والباطن ..ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمةِ الكرام النجباء .. وسلم تسليمًا كثيرًا ..

أما بعد .. أيها الأخوة والأخوات ..
يطول الطريق على السالكين .. وتكثر هوامه وعقباته ..
ويتكالب الأعداء .. ويعظم البلاء .. ويقل الناصر .. ويتمكن الفاجر ..
وتضعف الهمم .. وتخور القوى ..
وفي كل يوم يولد همٌ كبير .. وقضية ثكلى .. ويتساقط قتلى .. ويموت جرحى ..
ويبرز خلال الطريق أبطال .. اختاروا لأنفسهم طريقاً حُفت بالمكاره ..
وصبغت بالدماء .. وفرشت بالأشلاء .. وأحيطت بالبلاء ..
أبطال لهم غاية عظمى .. يسيرون إليها ولا يلتفتون وراءهم ..
هممهم عالية .. وغاياتهم غالية ..
باعوا نفوسهم لله .. والله اشترى ..
يعلمون أن وعدَ الله حق .. وأن نصره صدق .. وإن تأخر .. { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}
فنحن اليوم نتحدث ..عن أولئك الأبطال ..
الذي حملوا همَّ الدين ..
شعارهم ( فلا تخافوهم وخافون ) ..
وسلاحهم ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ) ..
وميدانهم ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) ..
لا يخافون إلا ممن بيده أسباب الخوف والأمن ..
كانوا يتسابقون إلى الموت ..
أخذوا بنواصي الأكاسرة .. وهامات القياصرة ..
وذروا التراب على وجوه الطغاة ..
يعلمون أن أمر المسلمين قد يعلو تارة .. ويهبط أخرى .. فإذا علا شقوا طريقه بالدم .. وإذا هبط سحقوا لأجل رفعه الجماجم ..
فمن هم أولئك الأبطال ..
إنهم قوم صالحون .. بين قوم سوء كثير ..
إنهم رجال ونساء .. صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..
إنهم الذين إذا رأيتهم .. رأيت في أرجلهم غبار الجهاد .. ورأيت في وجوههم أنوار العُباد ..
يقبضون على الجمر .. ويمشون على الصخر ..
ويبيتون على الرماد .. ويهربون من الفساد ..
صادقةٌ ألسنتهم .. عفيفةٌ فروجهم .. محفوظةٌ أبصارهم ..
كلماتهم عفيفة .. وجلساتهم شريفة ..
إنهم الذين أحبهم الله واصطفاهم .. وقربهم وأدناهم ..
الذين ابتلوا فصبروا .. وأعطوا فشكروا ..
إنهم رؤوس الأولياء .. وقدوات الأتقياء ..
الذين ما يقلب مؤمن سيرتهم .. إلا ويشتاق إليهم ..
إنهم السابقون إلى الجنات .. المتقلبون في الخيرات ..
إنهم الذين ما نظروا إلى لذة أجسادهم .. ولا متعة أبدانهم ..
وإنما أشغلتهم خدمة الدين .. ورضا رب العالمين ..
ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته ..

* * * * * *

نعم .. فنحن اليوم نتحدث ..عن أولئك الأبطال ..
الذين لم يكونوا أبطالاً في الجهاد .. ولا في دعوة العباد ..
ولا أبطالاً في الكرم .. ولا في شكر النعم ..
ولا ابطالاً في الذكر والعبادة .. ولا في الصبر والزهادة ..
كلا .. ولم يكونوا أبطالاً في نصرة الدين .. ومجاهدة المشركين ..
وإنما كانوا أبطالاً في ذلك كله ..
نعم ..
كأنما البطولة صيغت رجلاً .. فكانت أولئك ..
أول أولئك الأبطال هو غلام .. لم يبلغ الحلم .. عمره دون الخمس عشرة سنة ..
عاش في عصر ملك ظالم .. كان يدعي الألوهية .. وكان له ساحر يزين له باطله ..
وكان هذا الساحر يستعين بالجن .. ويخبر الملك بأسرار الناس ..
فإذا حدثهم بها الملك ظنوا أنه يعلم الغيب .. فازدادوا به فتنة ..
فلما كبر الساحر .. قال للملك :
إني قد كبرت .. وإني أخاف أن أموت فيذهب عنكم هذا العلم ..
فأبعث إليَّ غلاماً فطناً لقناً أعلمه السحر ..
فبحث الملك في الناس .. حتى وجد غلاماً فطناً جريئاً .. فبعث به إلى الساحر ..
وبدأ هذا الغلام يأتي الساحر في الصباح ويتعلم منه السحر ..
ويعود لأهله في المساء ..
ومرت الأيام على ذلك ..
وفي يوم من الأيام .. مر الغلام في طريقه براهب .. يصلي ويتعبد .. ويركع ويسجد ..
فقعد إليه وسمع كلامه وقراءته .. فأعجبه .. وسأله : ما تعبد ..
قال : أعبدُ الله ؟
قال الغلام : الله .. الملك ..
قال الراهب : لا .. بل ربي وربك ورب الملك ..
ثم بين الراهب الدين للغلام ودعاه إليه .. فآمن بالله وحده ..
وصار كلما ذهب إلى الساحر أو رجع من عنده .. جلس إلى الراهب فتعلم منه ..
وأحيانا يطول جلوسه عنده فيتأخر على الساحر فيضربه .. وأحياناً يضربه أهله ..
فلما كثر الأذى عليه .. شكا ذلك إلى الراهب .. فقال له الراهب :
إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي .. أي أخروني لحاجة لهم ..
وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر ..
ومرت الأيام على الغلام ..
وهو في كل يوم يتلقى دروساً في السحر .. ودروساً في الدين ..
هذا يقول : ربك الله .. وذاك يقول : ربك الملك ..
فبينما هو كذلك .. إذ مر يوماً في طريق .. فإذا بدابة عظيمة قد جلست وسط الطريق .. وحبست الناس عن المسير ..
فلما رآها الغلام قال في نفسه :
اليوم أعلم .. الساحر أفضل ؟! أم الراهب أفضل ؟!
ثم أخذ حجراً من الأرض فقال :
اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر .. فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس ..
ثم رماها بالحجر .. فقتلها ..
ففزع الناس واضطربوا .. وتلفتوا وهم يتساءلون :
من الذي قتل الدابة .. من الذي قتل الدابة ..
فجعل بعضهم يشير إلى الغلام .. وبعضهم ينظر إليه مندهشاً .. وصاروا بين مصدق ومكذب ..
فلما رأوا أنه قتلها بحجر صغير ..
تفرقوا وهم يقولون : لقد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد ..
ثم انتشر أمر الغلام .. وذاع صيته بين الأنام .. وصارت قصته على كل لسان ..
يتحدث الناس بخبره .. ويعجبون من أمره ..
فذهب الغلام إلى الراهب فأخبره الخبر ..
فقال له الراهب : أي بني أنت اليوم أفضل مني .. قد بلغ من أمرك ما أرى ..
وإنك ستبتلى .. فإن ابتليت فلا تدل علي ..
فذهب من عنده الغلام .. وكلمات الراهب تتردد في أذنه .. إنك ستبتلى .. إنك ستبتلى ..
ومضى الغلام .. وبدأ الناس إليه يتوافدون .. ومنه يعجبون ..
ثم أكرمه الله تعالى .. فصار يبرئ الأكمه .. والأبرص ..
ويداوى الناس من سائر الأدواء ..
حتى جعل الناس من كل مكان يقبلون إليه .. ويجلسون بين يديه ..
وهو يدعوهم إلى التوحيد .. وعبادة العزيز المجيد ..
وبدأ المهتدون يتزايدون .. والكفار يتناقصون .. والمرضى يقلّون ..
وصار الناس بأخباره يتحدثون .. وعن قدراته يتساءلون ..
حتى مرت الأيام .. والناس في أخبار الغلام ..
فسمع به جليس للملك .. كان قد عمي ..
فذهب سريعاً إلى دار الغلام .. معه هدايا كثيرة ..
فلما دخل على الغلام ..أقبل عليه .. ووضع الهدايا والأموال بين يديه ..
ثم قال له بإغراء ..
ما هاهنا لك أجمع .. إن أنت شفيتنى .. وجعل يشير بيده جهة الذهب والأموال ..
فلما رأى الغلام هذا الوزير بين يديه ..
علم أنها فرصة عظيمة أقبلت إليه ..
للدعوة إلى الكريم المتعال .. فما التفت إلى الأموال .. ولا هاب كثرة الرجال ..
وإنما أقبل على الرجل إقبال الابن الشفيق .. والطبيب الرفيق ..
وقال له مبادراً : إني لا أشفى أحداً .. إنما يشفى الله تعالى ..
فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك ..
فسكت جليس الملك قليلاً .. ثم تفكر في دينه الذي عاش عليه ..
فإذا هو يعبد ملكاً بشراً .. لا يملك نفعاً ولا ضُراً ..
فدخل إلى قلبه الإيمان .. واشتاق للتعبد الرحمن ..
فآمن بالله ووحد .. فشفاه العظيم الأوحد .. ورد عليه بصره .. وشرح له صدره .. وعظم له أجره ..
فخرج الوزير فرحاً مستبشراً .. يسمع الناس ويرى ..
فلما أصبح .. أتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ..
فلما رآه الملك مبصراً .. تعجّب !! وقال له مبادراً : من رد عليك بصرك ؟!!
فقال المؤمن الموحّد : ربي ..
فقال الملك الغبي : أنا ..
قال : لا ..!!
قال : أولك رب غيري ؟
قال : ربي وربك الله ..
فغضب الملك وأزبد .. وصاح وتوعّد ..
ثم أمر بالوزير .. فشدد عليه العذاب .. ولم يزل يضرب ويهان ..
حتى دلَّ على الغلام .. فجيء بالغلام ..
فلما رآه الملك .. عرفه .. فهذا تلميذ الساحر ..
فتلطف معه وقال له : أي بنيَّ .. قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل .. وتفعل ..
فقال الغلام : إني لا أشفى أحداً .. إنما يشفى الله تعالى ..
فاضطرب الملك .. وسأل الغلام من الذي علمك هذا الدين .. فأبى أن يخبره .. خوفاً على الراهب ..
فأمر هذا الطاغية بالغلام .. فلم يزل يهان ويضرب .. ويبتلى ويعذب ..
وهو غلام صغير .. ما رحموا صغر سنه .. ولا ضعف جسده .. ولا قلة احتماله ..
وهو يحاول التصبر فلا يستطيع ..
حتى عظمت بلواه .. وانهارت قواه .. فدلهم على الراهب ..
فانطلق أعوان الطغيان .. إلى عابد الواحد المنان ..
فاقتحموا عليه صومعته .. وقطعوا خشوعه وخشيته ..
ثم استاقوه أمامهم .. إلى رأس كفرهم ..
حتى دخلوا به على الملك ..
فأوقفه بين يديه .. ثم أقبل عليه .. وقال : ارجع عن دينك ..
قال : لا .. وأبى .. فعذبه وضربه .. وهو ثابت على عبادة الرحمن .. كافر بأعوان الشيطان ..
وهم وإن عذبوا جسده .. فإن الله قد وعده .. يتلقاه بالغفران .. ويسكنه الجنان ..
فلما رأوا ثباته .. اجتمع عليه الجنود .. هذا يضربه بسوط .. وذاك يطعنه بخنجر .. والثالث يقيد يديه .. والرابع يجلد قدميه ..
شيخ قد كبرت سنه .. وانحنى ظهره .. ورق عظمه .. وتراكم همه ..
وهم يزيدون في العذاب .. وهو يتلذذ بعظيم الأجر والاحتساب ..
فلما رأى الملك ذلك ..
أمر به فأوقف بين يديه ..
ثم دعا بالمنشار .. فوضع المنشار في مفرق رأسه .. فشقه نصفين حتى وقع شقاه ..
فاضطرب الناس وفزعوا ..
وجليس الملك والغلام .. ينظران إلى الراهب .. قد تمزق قطعاً وأشلاء .. تسيل منه الدماء .. وقد صعدت روحه إلى السماء ..
ثم التفت الملك إلى الوزير .. وصاح به : ارجع عن دينك .. فأبى ..
فأمسكه الجنود .. ووضع المنشار في مفرق رأسه .. وهو ثابت ثبات الجبال .. الجنة تلوح أمام ناظريه .. والأنهار تجري بين يديه ..
فلم يزل المنشار يشق رأسه .. ووجهه .. وفمه وأنفه .. ويقطع جسده .. وهو يضطرب ويئن ..
حتى سالت دماؤه .. وتمزقت أشلاؤه .. حتى وقع شقاه ..
والغلام ينظر إليه ..
فلما رأى الملك السفاح .. الدماء والأشلاء بين يديه ..
جرَّ إليه الغلام .. وصاح به : ارجع عن دينك .. فأبى .. وهو ينتظر المنشار أن يشقه نصفين ..
لكن الملك .. كان يرى أن هذا الغلام صغير .. يمكن أن يغرى فيرجع عن دينه ..
فأراد أن يطول الطريق إلى موته ..
فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ..
فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته ..
فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ..
والملك يظن أن الغلام سيتراجع أثناء الطريق ..
فذهبوا به .. حتى وصلوا إلى الجبل .. فأخذوا يدفعونه أمامهم .. يصعدون به معهم ..
حتى إذا وصلوا ذروته .. قالوا له : ارجع عن دينك .. وإلا طرحناك ..
فتلفت الغلام حوله .. فإذا جبال سوداء .. وصخور صماء ..
وإذا الموت يلوح بين عينيه ..
عندها رفع بصره إلى السماء .. وهز أبوابها بالدعاء ..
وقال : اللهم أكفنيهم بما شئت ..
فما هو إلا أن دعا .. وتضرع والتجا ..
حتى سمعه من يجيب المضطر إذا دعاه .. ويكشف سوءه وبلواه ..
نعم .. سمعه من كان نعم المجيب لنوح لما دعاه .. وبرحمته كشف الضر عن يونس إذ ناداه ..
سمعه من كشف الضر عن أيوب .. ورد يوسف بعد طول غياب إلى يعقوب ..
فأمر الله حجارة الجبل فتحركت .. وأمر الصخور فانتفضت .. وارتجف الجبل بإذن الله ..
فسقط أولئك الجنود .. من على ذروة الجبل ..
وثبت الله قدمي الغلام .. وحفظه الملك العلام .. حتى نزل من على الجبل ..
وجاء يمشى إلى الملك .. فلما دخل عليه . وقف بين يديه ..
فانتفض الملك .. وتعجب أين الحرس والجنود ..
ثم صاح بالغلام .. وقال : ما فعل أصحابك ؟!!
فقال الغلام : كفانيهم الله ..
فتطاول الملك بطغيانه .. وصار عبداً لشيطانه ..
وأمر بالغلام .. فأمسكه جند آخرون ..
فقال لهم الملك : اذهبوا به .. فاحملوه في قرقور .. سفينةٍ صغيرة .. فتوسطوا به البحر .. فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ..
فذهبوا به يسوقونه أمامهم .. فلما وصلوا إلى البحر .. ركبوا في سفينتهم .. والغلام الصغير بينهم ..
حتى إذا توسطوا به لجة البحر .. واشتدت الرياح .. وتلاطمت الأمواج ..
قالوا له : ارجع عن دينك .. وإلا قذفناك ..
فرفع الغلام بصره إلى السماء .. واستغاث بكاشف الضر والبلاء ..
الذي من لجأ إليه كفاه .. ومن فر إليه قربه وأدناه ..
قال الغلام : اللهم أكفنيهم بما شئت ..
فإذا بالدعاء .. يصل إلى الذي لا رادّ لأمره .. ولا معقب لحكمه .. ولا منازع في ملكه ..
أزِمة الأمور بيده .. والكون تحت قضائه وقدره ..
يسمع دعاء الداعين .. ويجيب دعوة المضطرين ..
فأمر الله السفينة فانكفأت فوق الماء .. وبدأ الصياح والبلاء ..
فغرق الجنود .. ونجى الغلام ..
وجاء يمشى إلى الملك ..
فلما رآه الملك .. اشتد فزعه .. واضطرب أمره .. وأخذ ينتفض ويقول :
ما فعل أصحابك ؟!!
فقال : كفانيهم الله ..
فأسقط في يد الملك وأحاط به البلاء .. وعلم أنه لا طاقة له بغلام ينصر بجند الأرض السماء ..
وبقي الملك متحيراً ..
فقال له الغلام .. إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ..
قال : وما هو ؟!
قال : تجمع الناس في صعيد واحد .. أرض واحدة .. وتربطني على جذع نخلة ..
ثم خذ سهماً من كنانتي .. من سهامي لا من سهامك .. ثم ضع السهم في كبد القوس ..
ثم قل : باسم الله رب الغلام .. ثم ارمني .. فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ..
فوافق ذلك الملك الأحمق ..
وجمع الناس في صعيد واحد .. وربط الغلام أمامهم على جذع نخلة ..
فلما رآه الناس مربوطاً عرفوه ..
فهو الذي يشفي بإذن الله أسقامهم .. ويداوي مرضاهم .. ويعين ضعفاءهم .. ويرحم جوعاهم ..
ثم التفتوا إلى الملك الطاغية ..
فإذا هو قد جمع حوله جنده .. واغتر بقوته .. وتطاول بسطوته ..
ثم أقبل الملك على سهام الغلام ..
فأخذ منها سهماً .. ثم وضع السهم في كبد القوس .. ثم صاح قائلاً ..
باسم الله رب الغلام .. ثم رماه ..
فوقع السهم في صدغ الغلام .. بين عينه وأذنه ..
فوضع الغلام يده في صدغه .. في موضع السهم ومات ..
ففرح الملك .. وظن أنه قد انتهى من أمره .. وذهب إلى قصره وكفره ..
أما الناس .. فإنهم لما رأوا موت الغلام .. علموا أن الله وحده هم الضار النافع .. والخافض الرافع .. وأن الملك بشر من البشر .. لا يملك النفع والضر ..
فقال الناس : آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام ..
فتسابق أعوان الملك إليه .. وتزاحموا بين يديه .. وقالوا .. أرأيت ما كنت تحذر ؟! قد والله نزل بك حذرك ..
أجزعت أن آمن ثلاثة .. فقد آمن الناس ..
فغضب الملك .. وأمر بالأخاديد والحفر العظيمة .. فحفرت في الطرقات .. ثم أشعلت فيها النيران ..
وجُمع الناس حولها .. وقيل لهم :
من لم يرجع عن دينه أقحمناه فيها .. فجعل المؤمنون يتساقطون في النار .. رجالاً ونساءً .. كباراً وصغاراً .. شيباً وشباناً ..
حتى جاءت امرأة .. ومعها صبي لها صغير .. ترضعه ..
فقيل لها .. ارجعي عن دينك وإلا قذفناك في النار ..
فنظرت إلى حفر النيران ..
فرأت الناس تذوب فيها أجسادهم .. وتتفجر رؤوسهم .. وتسيل دماؤهم ..
فخفضت رأسها تنظر إلى صغيرها .. فإذا فمه على ثديها .. يرضع من لبنها ..
فتقاعست أن تقع في النار .. وكادت أن تطاوع الكفار ..
فأنطق الله ولدها .. فقال لها .. يا أماه .. اصبري فإنك على الحق ..
فقذفت نفسها في النار ..
ومات المؤمنون .. والملك وأعوانه ينظرون ..
لكن الله فوقهم يرقب .. والملائكة تشهد وتكتب .. والله يخبر بسخطه ويغضب ..

( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) ..

* * * * * * * * * *

نعم .. ذلك الفوز الكبير ..
ولئن فرح الملك وأعوانه ساعة .. فإن المؤمنين سيفرحون ساعات ..
وليس انتصاراً للكافرين .. أن يقتل المسلمون .. ولا أن يسجن المصلحون ..
وإنما النصر أن تبقى المبادئُ حيةً تُتبع .. ورايةُ الدين ترفع ..
وليمت الراهب والغلام .. ولتحرق الأم والأيتام ..
ولكن .. لتعلم الأجيال بعد ذلك الغلام .. أن هذا الدين عزيز .. تسكب لعزه الدماء .. وتتناثر الأشلاء ..
وتسحق لنصرته الجماجم .. ويكتب تاريخه بالدم ..
ولإن كان الكافرون اليوم يتفاخرون .. بجنود لهم يموتون .. لنصرة تراب أوطان .. أو عز وسلطان ..
أو يدفعونهم إلى ساحات القتال .. بعطايا وأموال ..
فإننا نفخر بقوم يموتون اليوم .. وتطير أرواحهم غداً في أجواف طير خضر ..
تتنعم في الجنة كيف شاءت ..
وما ضر الراهب ولا الغلام .. ولا الوزير والأيتام ..
أن صبروا على شدة القتل ساعة .. إذا كانوا اليوم .. قد حطوا رحالهم في الجنات .. وذبهت الأنات .. وحلت الخيرات ..
وكفرت السيئات .. وانقضت الحسرات .. ونسيت الكربات ..
برب يفرح بلقياهم ويفرحون .. ويعطيهم ما يؤملون ..
ويشفي صدورهم .. بالنظر إلى الكافرين يتعذبون .. وفي النيران يتقلبون ..

( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) ..

* * * * * * * * * *

نعم والله .. قد ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ..
أما الغلام فيتنعم اليوم .. وقد مات في الدنيا .. ومات المؤمنون ..
يموتون .. والله قادر على نصرهم في طرفة عين ؟!
يموت الغلام .. الذي دكت من أجله الجبال .. وثارت لنصره البحار ..
نعم ..
وربك يفعل ما يشاء ويختار ..
ينصر عباده متى شاء .. ويؤخر النصر إذا شاء .. وله في كل ذلك حكمة وغاية ..
يخرج النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة .. فينام تحت شجرة .. فما يوقظه إلا صياح كافر .. قد رفع عليه السيف وهو يقول : من يمنعك مني .. فيقول  : يمنعني منك .. الله .. فيسقط السيف من يد الكافر .. بل ويخر الكافر صريعاً .. ويمنعه الله من الموت ..
ويذهب يوماً إلى يهود خيبر .. فيجلس تحت جدار .. فيعزمون على قتله .. فيصعد أحدهم فوق الجدار .. يحمل رحى عظيمة .. فلما كاد أن يلقيها .. يأمر الله نبيه فيقوم من مكانه .. وتسقط الرحى على الأرض .. ويمنعه الله من الموت ..
ومع ذلك .. تضع له اليهودية سماً في شاة .. فلا يُنبَّئ بخبر السم حتى نهش منها نهشة .. فيصيبه سمها .. فلم يزل يعاوده أثر السم حتى مات بسببه ..
وهذا حال أنبياء الله ورسله .. منهم من يعجل له النصر .. ومنهم من يتأخر عنه ..
إبراهيم عليه السلام .. يلقى في النار .. فيقول الله لها كوني برداً وسلاماً على إبراهيم .. ويلبث فيها أياماً حتى خمدت .. وخرج يمشي ليس به بأس .. ويمنعه الله من الموت ..
ونوح عليه السلام .. يكيد له قومه .. فينادي ربه أني مغلوب فانتصر .. فإذا بهذه الكلمات الثلاث .. تهز أبواب السماء فتتدفق بماء منهمر .. وتهز طبقات الأرض فتتفجر عيوناً .. ويهلك المكذبون .. ويمنع الله نبيه عليه السلام ..
ولوط عليه السلام ينادي .. فينجيه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث .. وينجي الله نبيه عليه السلام ..
وانظر إن شئت إلى شعيب .. وإن شئت فانظر إلى هود .. وطالع حال صالح وموسى .. عليهم السلام ..
عجائبُ في نصر الله لهم ..
ومع ذلك .. يُقتل زكريا عليه السلام .. ويذبح يحي .. ويؤذى عيسى حتى رُفِع ..
وله سبحانه الحكمة البالغة .. في تقدير النصر والهزيمة ..
والحق منصور وممتحن فلا تعجب فهذي سنة الرحمن
ولا يضيع الله أجر المحسنين .. سواء ظهر نصرهم في الدنيا أو لم يظهر .. فإنما عليك إلا البلاغ والله بصير بالعباد ..
لكن اليقين عندنا الذي لا يخالطه شك .. أن الله كما نصر محمداً .. وكشف الكفر عن البيت العتيق .. فسوف ينصر أتباعه إلى يوم الدين .. إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ..
فلو أبصرت عيناك وجه محمد ورأيت ما يجري بدار الأرقم
ورأيت مكة وهي تغسل وجهها بالنور من آثار ليل مظلم
وفتحت نافذة لتسمع ما تلا جبريل من آي الكتاب المحكم
ورأيت ميزان العدالة قائماً يُقتص فيه ضحىً من ابن الأيهم
ورأيت كيف غدا بلال سيداً ومضى الطغاة إلى شفير جهنم
لغسلت سيف الحر من صدأ الثرى وعزفت في الميدان ركض الأدهم
وبذلت هذي النفس حتى ينجلي عن قبح وجه الخائن المتلثم
وأرحتنا من كل صاحب زلة يوحي إليك بقصة ابني ضمضم
كم فارس من قومنا لما رأى لهب الرصاص أدار مقلة غيلم
ترك الضحايا خلفه وسعى إلى قبو ليغمض مقلتيه ويحتمي!!

* * * * * * * * * *

ولكن لا يزال للدين فوارس .. يغشون الوغى ويعفون عند المغنم ..
يصاب سعد بن معاذ في الخندق .. فيموت ..
فينزل سبعون ألف ملك من السماء .. يتقدمهم جبريل إلى خاتم الأنبياء ..
فيسرع جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. فيقول : يا محمد .. من هذا من أصحابك الذي مات فاهتز لموته عرش الرحمن .. وفتحت له أبواب السماء ..
فيقوم النبي عليه الصلاة والسلام مسرعاً .. ينظر من الذي مات .. يتفقد أصحابه .. أين أبو بكر ؟ عمر ؟ عثمان .. علي .. طلحة ..
فلما خرج فإذا سعد بن معاذ قد مات ..
رجل قد خدم الدين .. وجاهد لرب العالمين ..
فلما مات .. ما فقدته زوجة وولد ودابة ..
وإنما اهتز لموته عرش الرحمن ..
وفقده مسجده ومحرابه .. وسيفه وحرابه ..
بل بكت لموته الأرض والسماء .. وعم الناسَ البكاء ..
لأنه ما عاش لنفسه .. ولا لبيته وفلسه .. وإنما عاش لينصر هذا الدين .. أنفق لأجله ماله .. وفارق داره عياله ..
حتى مات .. فاستبشر أهل السماء بقدومه ..

* * * * * * * * * *
نعم سعد يموت .. فيهتز لموته عرش الرحمن ..
وحنظلة يموت .. فتغسله ملائكة المنان ..
وعاصم بن ثابت يموت .. فيرسل الله إليه جنداً تحمي جسده ..
أما عبد الله أبو جابر فيموت .. في معركة أحد .. ويترك سبع بنيات أيتام ..
فيقبل إليه ولده جابر .. وقد غطوه بثوب .. فجعل يكشف عن وجهه ويبكي .. فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم .. فقال : تبكيه أو لا تبكيه .. ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه ..
ثم قال صلى الله عليه وسلم .. يا جابر .. ألا أخبرك .. إن الله كلم أباك كفاحاً .. فقال : يا عبدي سلني أعطك .. قال :
أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً .. فقال : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ..
قال : يا رب فأبلغ من ورائي .. فأنزل الله ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ..
ويقرأ الصالحون من بعده هذه الآيات .. فيشتاقون للقاء إخوانهم في الجنات .. فيخوضون الطريق إليها غير مبالين بقلة العدد .. وضعف العدة .. وندرة المناصر ..
أنس بن النضر .. في معركة أحد لما قتِّل المسلمون .. وظهر الكافرون .. وأشيع أن النبي عليه الصلاة والسلام قتل .. واضطرب الناس ..
مرّ أنس بن النضر .. بعمر وطلحة ونفر من الصحابة .. قد تجنبوا ساحة القتال .. وألقوا بسلاحهم ..
فقال : ما يجلسكم ؟
قالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فصاح بهم وقال : فما تضنون بالحياة بعد ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ثم رفع بصره إلى السماء وقال : اللهم إني أعتذر إليك مما فعل هؤلاء .. وأبرأ إليك مما يفعل أولئك ..
ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .. فوجدوه بين القتلى .. في جسده أكثرُ من سبعين ضربة .. قد مزق جسده .. واغبرّ وجهه .. وسالت دماؤه .. وما عرفته إلا أخته .. بعلامة في طرف أصبعه ..

* * * * * * * * * *

وكما أن في الرجال أبطال .. يصبرون على القيد والأغلال .. والرمي بالنبال ..
ففي النساء كذلك .. صالحات قانتات .. منيبات صابرات .. علقن أنفسهن بالجنات .. وأحبهن رب الأرض والسموات ..
منهن أم عمار بن ياسر .. سميةَ بنتِ خياط ..
لها خبر عجب ..
كانت أمة مملوكة لأبي جهل .. فلما جاء الله بالإسلام .. أسلمت هي وزوجها وولدها ..
فجعل أبو جهل يفتنهم .. ويعذبهم .. ويربطهم في الشمس حتى يشرفوا على الهلاك حراً وعطشاً ..
فكان صلى الله عليه وسلم يمر بهم وهم يعذبون .. ودماؤهم تسيل على أجسادهم .. وقد تشققت من العطش شفاههم .. وتقرحت من السياط جلودهم .. وحر الشمس يصهرهم من فوقهم ..
فيتألم صلى الله عليه وسلم لحالهم .. ويقول : صبراً آل ياسر .. صبراً آل ياسر .. فإن موعدكم الجنة ..
فتلامس هذه الكلمات أسماعهم .. فترقص أفئدتهم .. وتطير قلوبهم .. فرحاً بهذه البشرى ..
وفجأة .. إذا بفرعون هذه الأمة .. أبي جهل يأتيهم .. فيزداد غيظه عليهم .. فيسومهم عذاباً ..
ويقول : سبوا محمداً وربه .. فلا يزدادون إلا ثباتاً وصبراً .. عندها يندفع الخبيث إلى سمية .. ثم يستل حربته .. ويطعن بها في فرجها .. فتتفجر دماؤها .. ويتناثر لحمها .. فتصيح وتستغيث .. وزوجها وولدها على جانبيها .. مربوطان يلتفتان إليها ..
وأبو جهل يسب ويكفر .. وهي تحتضر وتكبر .. فلم يزل يقطع جسدها المتهالك بحربته .. حتى تقطعت أشلاءً .. وماتت رضي الله عنها ..
نعم .. ماتت .. فلله درها ما أحسن مشهد موتها ..
ماتت .. وقد أرضت ربها .. وثبتت على دينها ..
ماتت .. ولم تعبأ بجلد جلاد .. ولا إغراء فساد ..

* * * * * * * * * *

أما أم شريك غزيةُ الأنصارية ..
أسلمت مع أول من أسلم في مكة البلد الأمين .. فلما رأت تمكن الكافرين .. وضعف المؤمنين ..
حملت هم الدعوة إلى الدين .. فقوي إيمانها .. وارتفع شأن ربها عندها ..
ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن إلى الإسلام .. وتحذرهن من عبادة ألأصنام ..
حتى ظهر أمرها لكفار مكة .. فاشتد غضبهم عليها .. ولم تكن قرشية يمنعها قومها ..
فأخذها الكفار وقالوا : لولا أن قومك حلفاء لنا لفعلنا بك وفعلنا .. لكنا نخرجك من مكة إلى قومك ..
فتلتلوها .. ثم حملوها على بعير .. ولم يجعلوها تحتها رحلاً .. ولا كساءً .. تعذيباً لها ..
ثم ساروا بها ثلاثة أيام .. لا يطعمونها ولا يسقونها .. حتى كادت أن تهلك ظمئاً وجوعاً ..
وكانوا من حقدهم عليها .. إذا نزلوا منزلاً أوثقوها .. ثم ألقوها تحت حر الشمس .. واستظلوا هم تحت الشجر ..
فبينما هم في طريقهم .. نزلوا منزلاً .. وأنزلوها من على البعير .. وأثقوها في الشمس ..
فاستسقتهم فلم يسقوها ..
فبينما هي تتلمظ عطشاً .. إذ بشيء بارد على صدرها .. فتناولته بيدها فإذا هو دلو من ماء ..
فشربت منه قليلاً .. ثم نزع منها فرفع .. ثم عاد فتناولته فشربت منه ثم رفع .. ثم عاد فتناولته ثم رفع مراراً ..
فشربت حتى رويت .. ثم أفاضت منه على جسدها وثيابها ..
فلما استيقظ الكفار .. وأرادوا الارتحال .. أقبلوا إليها .. فإذا هم بأثر الماء على جسدها وثيابها ..
ورأوها في هيئة حسنة .. فعجبوا .. كيف وصلت إلى الماء وهي مقيدة ..
فقالوا لها : حللت قيودك .. فأخذت سقائنا فشربت منه ؟
قلت : لا والله .. ولكنه نزل علي دلو من السماء فشربت حتى رويت ..
فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لئن كانت صادقة لدينها خير من ديننا ..
فتفقدوا قربهم وأسقيتهم .. فوجدوها كما تركوها .. فأسلموا عند ذلك .. كلهم .. وأطلقوها من عقالها وأحسنوا إليها ..
أسلموا كلهم بسبب صبرها وثباتها .. وتأتي أم شريك يوم القيامة وفي صحيفتها .. رجال ونساء .. أسلموا على يدها ..
* * * * * * * * * *
نعم .. أقوام هانت عليهم أنفسهم في سبيل الله .. فلم يلتفتوا إلى أجسادهم .. وإنما اهتموا بأرواحهم ..
وإذا كانت النفوس كباراً ** تعبت في مرادها الأجسام
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وارتدت قبائل من العرب عن الإسلام ..
وظهر أمر ميلمة الكذاب .. وكثر أتباعه ..
انطلق جيش المسلمين لقتال مسيلمة في اليمامة في نجد من جزيرة العرب ..
مضى الجيش من المدينة إلى اليمامة .. فقطع أكثر من ألف كيل حتى وصل اليمامة ..
فإذا مسيلمة قد جمع أكثر من مائة ألف لقتال المسلمين ..
فما كاد المسلمون يستقرون .. حتى قام مسيلمة خطيباً في قومه فقال : اليوم يوم الغيرة .. فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم .. ولم يزل يحثهم .. حتى ثاروا ..
وابتدأ القتال .. وتنازل الأبطال ..
وقعقعت السيوف .. وتتابعت الـحُتوف ..
ورميت الرماح .. وارتفع الصياح ..
وغبرت خيل الرحمن .. وعلت أصوات الفرسان .. وفتحت أبواب الجنان .. وطارت أرواح الشهداء .. واشتاق الأولياء ..
وكان من أول من أصيب أبو عقيل الأنصاري ..أصابه في كتفه الأيسر سهم شل حركته .. فأخرج السهم .. فجرّوه إلى الخيام ..
فلما حمي القتال .. وظهر قوم مسيلمة .. وبدأ بعض المسلمين يفرون ..
وأبو عقيل على فراشه لا يقوى على الحركة ..
سمع صائحاً يقول : يا معاشر الأنصار ! الله الله والكرة على عدوكم ..
قال عبد الله بن عمر : فنهض أبو عقيل .. يتكئ على يمينه .. ويريد سيفه ..
فقلت : ما تريد ؟ ما فيك قتال ..
قال : قد نوه المنادي باسمي ..
قلت له : إنما يقول : يا للأنصار .. و لا يعني الجرحى ..
قال أبو عقيل : أنا من الأنصار وأنا أجيبه والله ولو حبواً ..
قال ابن عمر : فتحزم أبو عقيل .. وأخذ السيف بيده اليمنى ..
ثم خرج وهو ينادي : يا للأنصار ! كرةٌ كيوم حنين .. فاجتمِعوا رحمكم الله .. وجعل يصيح بهم .. ويضرب من رأى من الكفار بسيفه ..
قال ابن عمر : فنظرت إلى أبي عقيل .. وقد قطعت يده المجروحة من المنكب .. فوقعت إلى الأرض .. وجراحه تنزف ..
فلما انتهى القتال .. أقبلت ألتمسه .. فإذا هو صريع بآخر رمق ..
فقلت : أبا عقيل .. فقال ـ بلسان ملتاث ـ: لبيك لمن الدّبَرة ؟
قلت : أبشر .. قد قتل عدو الله ..
فرفع إصبعه إلى السماء وقال : الحمد لله .. ثم مات ..
وهزم الله قوم مسيلمة .. وهربوا وأخذوا يتفرقون في الشعاب ..
ولم يزل الصحابة يسوقونهم أمامهم .. ويضعون السيوف في رقابهم .. وهم مضطربون لا يدرون إلى أين يلجئون ..
حتى وقف حكم بن الطفيل من قوم مسيلمة ثم صاح بقومه :
تحصنوا بالحديقة ..
فتسابقوا إليها .. وقام هو على مرتفع يناديهم .. ويشير لهم .. فرماه عبد الله بن أبي بكر بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله ..
ودخل جيش مسيلمة الحديقة .. وكانت حديقة عظيمة .. طويلةٌ جدرانها .. محصنةٌ أطرافها ..
وأغلقوا بابها .. فجعل الصحابة يطوفون بجدرانها .. ويدفعون أبوابها ..
وقد اشتد حنقهم على الكفار ..
فأقبل البراء بن مالك .. هل رأيت البراء بن مالك ..؟؟ لم تره !!
كان نحيل الجسم .. دقيق الساقين .. صغير اليدين .. قصير القامة .. لكنه كان بطلاً قتل مائة مشرك مبارزة وحده .. فضلاً عمن قتلهم أثناء المعارك ..
أخذ البراء يطوف بالحصن كالأسد .. يزار من حرّ ما يجد .. كيف ينجو الكفار بهذه السهولة .. ثم أخذ ينظر إلى جدار الحديقة فإذا هو رفيع ..
فأقبل إلى باب الحديقة فإذا عنده عدد من الأصحاب ..
فقال لهم : يا معشر المسلمين .. احملوني في ترس .. وألقوني عليهم في الحديقة ..
فعجبوا .. كيف نلقيك وأنت واحد وهم مائة ألف ..
فلا زال بهم .. حتى حملوه في ترس .. ورفعوها بالرماح .. حتى بلغ أعلى الجدار .. فقفز وحده داخل الحديقة ..
فلم يرُعِ الكفار .. إلا وهو بين أيديهم .. فاجتمعوا عليه .. هذا يضربه بسيف .. وذاك يطعنه بخنجر .. والثالث يضربه بعصا ..
وهو يتقي هذا بترسه .. والآخرَ بسيفه .. ويدفع الثالث بيده .. ويزحف جهة الباب ليفتح للمسلمين .. ودماؤه تسيل .. ولحمه يتساقط ..
حتى اتكأ على الباب ففتحه .. وتدافع المسلمون كالسيل إلى الحديقة .. واشتد فيها القتال .. حتى سميت بحديقة الموت ..
وهزم الله جند الكافرين .. أما البراء فقد مضى شهيداً مع المؤمنين ..

* * * * * * * * *

فسبحان من أغرى المنايا بأهله * كأن لها ثأراً .. وليس لها ثأر
ليختار من يختارُ منهم ويصطفي * له الحكمة العُلياْ .. له النهي والأمر
دعتهم ثغور العز من كل موطن * فطاروا سراعاً ما لهم دونها صبر
نفى عنهمُ همًّ التنعم هـمُّهم * فأبدانهم شعث .. وأثوابهم غُبْر
نحافاً وسمراً كالرماح تراهمُ * وتحمد عند الطعن شُعثَ القنا السمر
مضوا يشربون الموت كأساً شهية * ولو أن طعم الموت مستثقل مر
ولكنَّ في ذات الإله ودينه * لمن أُشْرب الإيمانَ .. يُسْتعذب الصِّبر
أبوا أن يعيشوا كالعبيد بعالم * تحَكمَ فيه الظلم .. واستحكم الكفر
ففي الأرض منأى للكريم عن الأذى * وفي الموت منأى عنه إن لزم الأمر
فما عاش من عاش الحياة بذلة * ولو طال ذاك العيش ما بقي الدهر

* * * * * * * * * *


وإن شئت أن تنظر إلى البطولة في عزها .. والعزة في بطولتها ..
فارجع إلى خلافة عمر بن الخطاب .. ثم اخرج مع الجيش الغازي إلى الشام .. سبعةُ آلاف بطل يتقدمهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ..
مضوا يسيرون على الحصى .. منهم الراكب على فرس ومنهم الراكب على بعير .. ومنهم من يمشي على قدميه ..
فلما وصلوا إلى ديار الفرس .. فإذا الفرس ينتظرونهم بجيش أكثر من ثمانين ألفاً .. معهم أحدث آلات القتال ..
فلما نزل سعد بجيشه .. أرسل بعض أصحابه إلى ملكهم العظيم كسرى يدعونه إلى الإسلام ..
فلما دخلوا عليه .. أجلسهم بين يديه .. وكان متكبراً مغتراً بملكه ..
فجعل ينظر إليهم بطَرف عينه .. ويشير إلى ملابسهم .. ويستهزئ بهم .. ويقول : ما تسمون هذا ؟ ويشير إلى أحذيتهم .. فيقولون : نعال .. فيقول : وهذا ؟ فيقولون : رداء .. ثم جعل يشير إلى عصيهم .. ويقول : وهذا .. فيقولون : سياط ..
ثم اتكأ وقال : ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟
إني لا أعلم في الأرض أمةً كانت أشقى .. ولا أقل عدداً .. ولا أسوأ ذات بينٍ .. منكم .. قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ..
فإن كان الجوع دعاكم .. فرضنا لكم قوتاً وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم ..
سكت القوم والتفت بعضهم إلى بعض ..
عندها تكلم البطل .. قام المغيرة بن شعبة .. فقال : أيها الملك .. إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً ..
فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أحد أسوأَ حالاً منا ..
وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع .. كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات .. ونرى ذلك طعامَنا ..
وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض .. ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ..
ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ..
وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حيةٌ كراهية أن تأكل من طعامه ..
حتى بعث الله إلينا رجلاً فدعانا إلى الله .. فنشهد أنه جاء بالحق من عند الحق ..
فنحن ندعوك إلى دينه .. فاختر إن شئت :
الجزيةَ وأنت صاغر .. وإن شئت فالسيف .. أو تسلمُ فتنجي نفسك ..
فعضب كسرى .. وقال : ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستمَ حتى يدفنَه وجندَه في خندق القادسية ..
فلما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالمٍ يسأله ..
فبعث إليه ربعي بن عامر ..
فما وصل ربعي إلى إيوان رستم ..
جلس رستم على سرير من ذهب .. ولبس التاج ..
وأمر فزينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير ..
وأظهروا اليواقيتَ واللآلئَ الثمينة .. والزينةَ العظيمة ..
ثم أَذن لربعي ..
فدخل ربعي بثياب صفيقة .. وسيف قصير .. وفرس قصير .. ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط .. ثم نزل فربطها ببعض تلك الوسائد .. وأقبل يمشي إلى رستم .. وعليه سلاحه ودرعه .. وبيضته على رأسه ..
فقالوا له : ضع سلاحك .. فقال : إني لم آتكم .. وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت ..
فقال رستم : ائذنوا له .. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ..
فقال رستم : ما جاء بكم ؟
فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى رب العبادة ..
ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ..
فمن قبل رجعنا عنه .. ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله ..
قال : وما موعود الله ؟
قال : الجنة .. لمن مات .. والنصر لمن بقي ..
فقال رستم : هل لكم أن تؤخرونا حتى ننظر ؟
قال : نعم ! كم أحبَّ إليكم ؟ يوماً أو يومين ؟
قال : لا .. بل حتى نكاتب أهل رأينا ..
فقال : ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ..
ثم خرج ربعي ..
فالتفت رستم إلى أصحابه .. وقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟
فقالوا : معاذ الله أن تدع دينك إلى هذا الكلب .. أما ترى ثيابه ..
فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب .. وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ..
وتمضي الساعات .. ثم يبتدأ القتال ويهزم الله رستم وأصحابه ..
فروا فرارا ، يجمحون كأنهم * من الذعر فئران تملكها الذعر
إذا ما نزلنا ساحة الكفر في الوغى * تفشى هناك الموت وانتشر الذعر
فإن نحن نلنا ما نريد ونبتغي *فذاك .. وإلا كان في موتنا عذر
ويصطفي الله من المؤمنين شهداء .. ويورث الباقين أرض الكفار وديارهم وأموالهم ..
فسلوا فخامة كسرى عن كتائبنا وجيشه الضخمَ لما مُدَّت القضبُ
سرى يجر ذيول الخزي منـهزماً وكُسِّرت عنده التيجان والحجبُ

* * * * * * * * * *

بل كان الأبطال .. لا يكتفون بالاعتزاز بدينهم .. ولا ببذل أموالهم وأجسادهم .. بل كانوا ينظرون إلى كل ما يستطيعون تقديمه للدين فيقدمونه .. من خبرة ومال .. أو حنكة قتال .. أو عقل راجح ..
أول ما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة .. كان أهلها أخلاطاً من يهود ومشركين .. ومسلمين .. فأراد صلى الله عليه وسلم أن يستصلح المدينة .. ويجمع أهلها على التوحيد ..
وكان كعب بن الأشرف رأساً من رؤوس اليهود يقف له في كل سبيل .. ويصد عن سبيل الله من آمن ..
بل كان يحرض على قتال المسلمين .. وينشد الأشعار .. ويندب من قتل من المشركين يوم بدر .. وكان شاعراً يشبب بنساء المسلمين .. ويهجو النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابَه ..
بل مضى إلى مكة .. يحرض قريشاً على قتال المسلمين .. وإيذاء المستضعفين ..
فسأله كفار قريش لما رأوه يهودياً من أهل الكتاب .. قالوا : يا كعب .. أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه .. ؟ فإنا نطعم الجزور الكوماء .. ونسقي اللبن على الماء .. ونطعم ما هبت الشمال .. فقال لهم: أنتم أهدى منهم سبيلاً ..

فأنزل الله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً " .. ثم لم يزل يحرضهم .. حتى ما خرج من مكة .. إلا وقد أجمعوا أمرهم على غزو النبي عليه الصلاة والسلام ..
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .. قال لأصحابه يوماً :
من لكعب بن الأشرف .. فإنه قد آذى الله ورسوله ..
فابتدر محمد بن مسلمة وقال : أنا لك به يا رسول الله .. أنا أقتله ..
قال : فافعل إن قدرت على ذلك ..
فخرج محمد بن مسلمة .. ثم احتبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثلاثة أيام ..
وجعل لا يأكل ولا يشرب .. إلا ما يُعْلِق نفسَه ..
فذُكر حاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. فدعاه .. فقال : لم تركت الطعام والشراب ؟
فقال : يا رسول الله .. قلت لك قولاً لا أدري .. هل أَفِي لك به أم لا ..
قال : إنما عليك الجَهد ..
قال : يا رسول الله .. إنه لا بد لنا أن نقول له فيك شيئاً .. ليطمئن إلينا ..
قال : فقولوا ما بدا لكم .. فأنتم في حل من ذلك ..
فاجتمع محمد بن مسلمة وأبو نائلة وكان أخا كعب من الرضاعة .. وعزما على قتله ..
فذهب أبو نائلة إلى كعب .. فتحدث معه وتناشدا الشعر ثم قال :
يا كعب .. إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني ..
قال : أفعل ..
قال : كان قدوم هذا الرجلِ علينا بلاء ..
عادتنا العرب .. ورمتنا عن قوس واحدة .. وقطعت عنا السبيل .. حتى ضاع العيال .. وجهدت الأنفس .. وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا .. وإنه قد سألنا صدقة وعنَّانا .. ونحن لا نجد ما نأكل ولا ما يأكل أولادنا .. وإني قد أتيتك أستسلفك ..
فقال كعب : أنا ابن الأشرف ! أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلاّمة أن الأمر يصير إلى ما أقول .. وأيضا والله لتملنه ..
قال : إنا قد اتبعناه .. فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه .. وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين من تمر ..
فقال كعب : ما دام ليس معكم مال .. فارهنوني شيئاً يكون عندي حتى توْفُوني ..
قال : أيَّ شيء تريد ؟
قال : ارهنوني نساءكم ..
قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ..!!
قال : فارهنوني أبناءكم ..
قال : كيف نرهنك أبناءنا .. فيسب أحدهم .. فيقال : رُهن بوسق أو وسقين .. هذا عار علينا ..
ولكنا نرهنك السلاح ..
وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا به ..
فقال : إن في السلاح لوفاء ..
ثم واعده أن يأتيه ليلاً مع نفر يحملون معه التمر ..
فلما كان الليل أقبل أبو نائلة مع محمدِ بنِ مسلمة .. ورجلين ..
حتى انتهوا إلى حصنه .. فهتف به أبو نائلة .. يا أبا سعيد ..
فأجابه كعب .. ثم قفز من سريره لينزل إليه ..
فتعلقت به امرأته وقالت : أنت امرؤ محارَب .. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة .. قال : إنه أخي أبو نائلة ..
فقالت : إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم ..
قال : إن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب .. ثم أقبل عليهم ..
فقال محمد بن مسلمة لأصحابه ..
إذا ما جاء فإني قابض بشعره لأشمه .. ثم أشِمُّكم .. ثم أشمه أخرى .. فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ..
فلما وصل إليهم .. فإذا هو ينفح من ريح الطيب ..
فقال محمد بن مسلمة : ما رأيت كاليوم ريحاً ..
فقال كعب : عندي أعطرُ نساء العرب .. وأكملُ العرب ..
قال محمد : أتأذن لي أن أشم رأسك ؟
قال : نعم .. فشمَّه .. ثم قال : تأذن لأصحابي أن يشموا ..؟
قال : نعم ..
ثم مشى معهم قليلاً يتحدثون .. ثم قال محمد بن مسلمة : تأذن لي أن أشم أخرى ؟
قال : نعم .. فأدخل كلتا يديه في شعره .. وجرَّ رأسه إليه كأنه يشم .. فلما تمكن منه ..
صاح بأصحابه : اضربوا عدو الله !
فتسابقت إلى رقبته سيوفهم .. ومع شدة الظلام .. وتعدد السيوف .. وكثرة اضطرابه .. مزقوا رقبته ولم يصيبوا منه مقتلاً .. وجعل يخور ويصيح ..
قال محمد بن مسلمة : ثم صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار .. فذكرت رمحاً معي فأخذته .. فوضعته عند سرته .. ثم اتكأت عليه حتى بلغت عانته .. فوقع عدو الله ميتاً .. فرجعنا حتى وصلنا المدينة .. فأقبلنا إلى رسول الله  فبشرناه ..
فقال : أفلحت الوجوه .. قلنا : ووجهُك يا رسول الله أفلح ..
فلله در أولئك من أبطال .. تتفجر الشجاعة من عروقهم .. والإيمان من قلوبهم ..
ألا فليعلم الجبناء الذين يتكاسلون عن نصرة الدين .. أو يشكّون إذا رأوا تسلّط الكافرين ..
وليعلم الخورةُ والضعفاءُ .. الذين يضطربون إذا رأوا سلاح المشركين .. أو سمعوا عن جيش الملحدين ..
ليعلمْ هؤلاء وأولئك .. أن القوة ليست دائماً بدبابات وطائرات .. ولا مدافع وغواصات ..
وإنما العقل قوة .. والإيمان قوة .. والحيلة قوة .. بل والله يمد بقوة .. فالملائكة الأشداء .. والصخور الصماء .. والرياح العاتية .. والأمراض القاضية .. والكيد بالكافرين .. بإرعاب قلوبهم .. واختلاف كلمتهم .. وإبطال مكرهم ..
كلها قوى تسقط الطائرات .. وتغرق السفن والغواصات ..
وما يعلم جنود ربك إلا هو ..
يقف موسى عليه السلام .. أمام البحر .. فيضربه بعصاه .. فإذا بالبحر ينقلب جندياً من جنود الله .. فينشق يبساً للمؤمنين ويغرق الكافرين ..
ويلقى إبراهيم عليه السلام في النار .. فإذا بها تكون جندياً من جنود الله .. فتكون عليه برداً وسلاماً ..
ويجتمع الكفار لحرب محمد عليه الصلاة والسلام .. فإذا بالرياح تكون من جند الله .. فتفرق الكفار عن المدينة ..
ويغزو يوشع عليه السلام .. فيقبل عليه الليل وهو لم يفرغ من عدوه .. فإذا بالشمس تنقلب جندياً من جنود الله .. فتحتبس عن المغيب .. وتنير له الدرب .. حتى انتصر ..
ويقبل أبرهة من اليمن ليهدم الكعبة .. فإذا بطيور السماء .. تنقلب إلى جند من جند الله .. وترميه بحجارة من سجيل ..
ويتكبر النمروذ الكافر عن طاعة الله .. فإذا بالذباب يكون من جند الله .. فلا يزال يؤذيه في رأسه حتى مات ..
وما يعلم جنود ربك إلا هو .. وما هي إلا ذكرى للبشر ..
ألا فليعلم الناس جميعاً .. مسلمُهم وكافرهم .. برُّهم وفاجرهم ..
أن هذا الدين عزيز .. تسكب لأجل عزه الدماء .. وتسحق الأشلاء .. فيقوم هذا الدين على أشلاء أنبيائه .. وجماجم أوليائه .. وتوقد مصابيح الهداية بدم الشهداء الأبرار .. الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ..
ليعلموا أن ركب الإسلام سائر بإذن الله .. وأن الله سيُبلِغُ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار .. ولن يدع الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل .. عزاً يعز به الإسلام .. وذلاً يذل به الكفر .
فالأولى بالمقصرين من أهل الإسلام .. والمعادين له من أهل الكفر والشرك .. أن يستسلموا لشرع الله ..

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) ..

إنها سنة الله في هذا الكون لا تتبدل ولا تتغير ..
إن النصر لا يتنزل كما ينزل المطر .. ولا يُمكن المؤمنون وهم قاعدون ..
ومع أن الله قادر على نصر عباده بكن فيكون .. إلا أنه جل جلاله ..
يبتليهم ويجعل طريق النصر صعباً وشائكاً ..
ليُميِّز الصادق من الكاذب .. ويَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ .. ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ..
وليتخذ الشهداء الأبرار .. وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ..
ولأن سلعته غالية .. ولا تشترى إلا بثمن غال .. بأرواح تزهق .. وأموال تنفق .. ودماء تسكب ..
ألا فليعلم الكسالى .. والذين يحبون الراحة والدعة .. أنه لا مكان لهم في صف الأبطال .. فليتنحوا عنه من الآن .. وإلا فإن الأحداث كفيلة بتطهير الصف منهم ..
سنة على سنة تراكم فوقها تعب الطريق وسوء حال المسلم
سنة على سنة وأمتنا على جمر الغضى والحزن يشرب من دمي
يا دار مأساة الشعوب تكلمي وعمي صباح الذل فينا واسلمي
إنا على المأساة نشرب ليلنا سهراً وفي حضن التوجس نرتمي
ما بين مؤتمر ومؤتمر نرى شبحاً يعبر عن خيال مبهم
التوصيات تنام فوق رفوفها نوم الفقير أمام باب الأشأم
شجب وإنكار وتلك حكاية ماتت لتحيا صرخة المستسلم
أأبا الفوارس وجه عبلة شاحب وأمام خيمتها حبائل مجرم
أأبا الفوارس صوت عبلة لم يزل فينا ينادي : ويك عنتر أقدم
ترنو إليك الخيل وهي حبيسة تشكو إليك بعبرة وتحمحم
أأبا الفوارس أمطرت من بعدكم سحبُ الهدى غيثاً هنيء الموسم
لو أن عينك أبصرت إسلامنالخرجت من كهف الضلال المعتم
لو عشت في الإسلام ما عانيت من لون السواد ولا نضحت بمنشم

* * * * * * * * * *

ولا يزال في الإسلام أبطال .. وأول خطوة في طريق البطولة ..
اتباع أوامر الرحمن .. لا بالهوى والنفس والشيطان ..
أول طريق البطولة .. أن تفتخر بطاعة رب العالمين .. وإظهار شعائر الدين ..
أن تجاهر باتباعك سنة خاتم الأنبياء .. وتتشبه برأس الأتقياء ..
إن البطولة أن تثبتَ على دينك .. وتعظمَ شرع ربك ..
ولا تلتفتَ إلى ابتلاء جاحد .. أو استهزاءِ حاقد ..
إن البطولة أن تقرر القرار الشجاع .. بالطاعة والاتباع .. ولا تروغَ روغان الثعالب ..
نعم .. لا تروغُ روغان الثعالب .. تطيع مرة وتعصي مرات .. أو تصلي مع المصلين .. ثم ترقص مع الراقصين .. لا .. بل خذ الكتاب بقوة ..

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ..

أخرج أبو داود .. عن عائشة رضي الله عنها قالت :
والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار .. أشدَّ تصديقاً بكتاب الله .. ولا إيماناً بالتنزيل ..
لقد أنزل في سورة النور الأمرُ بحجاب المؤمنات { وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن } .. فسمعها الرجال.. ثم انقلبوا إليهن .. يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ..
.. يتلو الرجل على امرأته .. وابنته .. وأخته .. وعلى كل ذات قرابته ..
فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرطها - وهو كساء من قماش تلبسه النساء - .. فاعتجرت به .. - لفته على رأسها - ..
وقامت بعضهن إلى أزرهن فشققنها واختمرن بها ..
أي الفقيرة التي لم تجد قماشاً تستر به وجهها .. أخذت إزارها وهو ما يلبس من البطن إلى القدمين ثم شقت منه قطعة غطت بها وجهها ..
تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله في كتابه ..
قالت عائشة : فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ..
نعم .. تنفيذ مباشر للأمر .. دون تردد أو روغان ..

* * * * * * * * * *
وعند الترمذي أنه جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. وعليه خاتم من حديد .. فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام خاتمه .. قال له : ما لي أرى عليك حلية أهل النار ..!! فطرحه الرجل فوراً ..وما رفعه إلى يده بعدها ..
وعند مسلم عن ابن عمر قال : مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء .. فقال : يا عبد الله .. ارفع إزارك .. فرفعته .. ثم قال : زد .. فزدت .. فما زلت أتحراها بعدُ ..
ومن البطولة أن تعمل بالدين .. وإن خالف الأمر هواك .. أو كان على غير مرادك ورضاك ..
نعم .. ليس المهم أن تقتنع بالحكم الشرعي .. لتعمل به ..
لأنك عبد ذليل مغلوب .. لعلام الغيوب ..
وكم من عبد تحدثه بحكم من أحكام الإسلام .. فلا ترى منه التسليم والاستسلام ..
وإنما يتذاكى بعقله .. ويبحث لنفسه عن المخارج والتأويلات ..
ولا تثبت قدم إلاسلام .. إلا على أرض التسليم والاستسلام .. لأحكام الملك العلام ..
وهذا حال المؤمنين ..
( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) ..
والأبطال حقاً .. هم الذين تعرض لهم الشهوات .. وتتدافع إليهم المحرمات ..
فيفرون إلى الله منها .. وتغلب عليهم محبته .. وتحيط بهم قوته ..
فهم ليسوا جبناء .. كلما زين لهم الشيطان شهوة طاروا إليها ..
فلا تراهم في حانة خمار .. ولا في مجالس فجار ..
قد عصمهم ربهم من أكل الربا .. وطهر أسماعهم من الغناء ..
بل .. قد يصيبهم العذاب والبلاء .. في سبيل طاعة رب الأرض والسماء ..
والأبطال ليس عندهم مجال للموازنة بين الدين والدنيا ..يختارونها تارة وهو تارة .. كلا .. بل الدين مقدم عندهم أبداً .. لا يخشون لأجله أحداً ..
إذا سلم لهم دينهم .. فلا عليهم ما فاتهم من الدنيا ..
وانظر إلى صهيب الرومي رضي الله عنه ..
كان عبداً مملوكاً في مكة .. فلما جاء الله بالإسلام .. صدق وأطاع .. فاشتد عليه عذاب الكافرين ..
ثم أذن النبي عليه الصلاة والسلام للمؤمنين بالهجرة إلى المدينة .. فهاجروا ..
فلما أراد أن يهاجر معهم منعه سادة قريش .. وجعلوا عنده بالليل والنهار من يحرسه .. خوفاً من أن يهرب إلى المدينة ..
فلما كان في إحدى الليالي .. خرج من فراشه إلى الخلاء .. فخرج معه من يرقبه ..
ثم ما كاد يعود إلى فراشه حتى خرج أخرى إلى الخلاء .. فخرج معه الرقيب ..
ثم عاد إلى فراشه .. ثم خرج .. فخرج معه الرقيب ..
ثم خرج كأنه يريد الخلاء .. فلم يخرج معه أحد .. وقالوا : قد شغلته اللات والعزى ببطنه الليلة ..
فتسلل رضي الله عنه .. وخرج من مكة .. فلما تأخر عنهم .. خرجوا يلتمسونه .. فعلموا بهربه إلى المدينة ..
فلحقوه على خيلهم .. حتى أدركوه في بعض الطريق .. فلما شعر خلفه .. رقى على ثنية جبل ..
ثم نثر كنانة سهامه بين يديه .. وقال :
يا معشر قريش .. لقد علمتم والله أني أصوبكم رمياً .. ووالله لا تصلون إليَّ حتى أقتل بكل سهم بين يدي رجلاً منكم ..
فقالوا : أتيتنا صعلوكاً فقيراً .. ثم تخرج بنفسك ومالك ..
فقال : أرأيتم إن دللتكم على موضع مالي في مكة .. هل تأخذونه .. وتدعوني أذهب ..
قالوا : نعم ..
فقال : احفروا تحت أسكفة باب كذا فإن بها أواقي من ذهب .. فخذوه ..
واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين من ثياب ..
فرجعوا وتركوه ..
ومضى يطوي قفار الصحراء .. يحمله الشوق ويحدوه الأمل .. في لقاء النبي عليه السلام وأصحابه ..
حتى إذا وصل المدينة .. أقبل إلى المسجد فدخل على رسول الله  .. في المسجد ..
وعليه أثر الطريق .. ووعثاء السفر ..
فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام .. قال : ربح البيع يا أبا يحيى .. ربح البيع يا أبا يحيى .. ربح البيع يا أبا يحيى .. ..
نعم والله ربح البيع ..
ولماذا لا يربح البيع .. وهو الذي هان عليه أن يترك المال الذي جمعه بكد الليل وتعب النهار .. ويترك الأرض التي ألفها .. والبلد التي عرفها .. والدار التي سكنها .. في سبيل طلب مرضاة الله ..

* * * * * * * * * *

هذه أخبار الأبطال .. ينسكب الدمع عند ذكرهم .. ويتسابق الدمع عند تذاكر أخبارهم ..
وأمتنا أغنى الأمم بالرجال العظماء ..
ولهم في النفوس مكانةٌ عاليةٌ .. ومنزلةٌ شامخةٌ ..
فوجودهم رحمة .. وذهابهم مصيبة ..
أصنافهم متعددة .. وأعمارهم مختلفة ..
فمنهم العالم الجليل .. والداعية النبيل ..
ومنهم العابد الرباني .. المجاهد الصادق ..
أبطال تبكي السماء لفقدهم .. وتحزن الأرض لفراقهم ..
بل ولا يزال الإسلام ينتظر اليوم مثلهم ..





ربنا لاتخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا وتغفر لنا خطايانا
قديمة 23 - 01 - 2010, 00:36
المشاركة 67
صورة 'saleh_aljafar' الرمزية
saleh_aljafar
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 10 - 2009
رقم العضوية : 70945
الدولة : شرقاوي السعوديه
المشاركات: 5,640
4
افتراضي
خطبة الشيخ محمد العريفي:: الإجازة الصيفية
جامع البواردي:: 3-7-1430هـ






إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا .. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه أرسله ربه رحمة للعالمين وحجة على العباد أجمعين.. وصلاة الله وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار وما تعاقب الليل والنهار ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً من صالحي أمته وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرته أما بعد أيها الإخوة الكرام ..
إن عمر الإنسان إما أن يكون حجة له يوم القيامة أو حجة عليه وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام أن المرء إذا وقف بين يدي الله تعالى في يوم القيامة لا تزول قدماه حتى يسأل عن أربع، وذكر عليه الصلاة والسلام أولها، وقال: عن عمره فيما أفناه، يسأل عن ساعاته وأيامه بل عن لحظاته ودقائقه.. كيف أمضاها في طاعة أو معصية.. قال عن عمره فيما أفناه ثم ذكر خاصة من عمره وهي مرحلة القوة التي بين ضعفين؛ قال وعن شبابه فيما أبلاه.. الله الذي خلق كل ضعفٍ ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً.. سيسأل عن هذه القوة التي موقعها بين ضعفين وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأهمية أن يغتنم الإنسان أيامه وقال عليه الصلاة والسلام: اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك،وفراغك قبل شغلك، وشبابكقبل هرمك، وغناك قبل فقرك (حديث صحيح) والإنسان ينبغي أن يغتنم أيامه وأن يعرف أين تمضي ساعاته وقد ذكر الله عز وجل حال الناس في يوم القيامة وذكر سبحانه وتعالى أن أهل النار المعذبين فيها إذا استغاثوا وبكوا يقال لهم: أولم يعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير.. فجعل الله تعالى أعمارهم وما الأعمار إلا الساعات والأيام التي تمر عليك جعل الله تعالى أعمارهم حجة عليهم يوم القيامة وكأنه يقال لهم أولم يجعل الله تعالى لكم في مر الأيام والساعات فرصة لكم لأجل أن تتدبروا وأن تنتفعوا وأن تقدموا لحياتكم الأخرى
أيها الأحبة الكرام.. يتقبل الناس خلال الأيام القادمات فرصة الإجازة يتفرغ كثير منهم ممن كان منشغلاً إما بوظيفته أو كان منشغلاً بتدريسه، أو كان منشغلاً بطلبه للعلم في المدارس والجامعات.. يتفرغ كثير من الناس بل حتى الذين ليس لهم علاقة في وظائفهم بأمور التدريس فإنهم يأخذون إجازاتهم في الغالب لتوافق إجازات عوائلهم وأولادهم.. كيف ينبغي أن نستغلها؟ ما الواجب علينا أن نعمله فيها؟ لا ينبغي للمرء أن تمضي الأيام عليه سبهللا.. يقول عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: إني لأكره أن أرى الرجل سبهللا يعني هكذا فارغا..سبهللا: ليس في يده شيء من أمر دينه ولا من أمر دنياه.. والإنسان كلما شعر بأهميته في الحياة وجدت أن وقته ينشغل أكثر وأكثر..أما الإنسان الفارغ الذي يعيش هكذا سبهللا يعيش هكذا كيفما اتفقدون أن يكون له ترتيب لوقته ونظر وتأمل فيه.. تجد أنه يستيقظ في الصباح ولا يدري ماذا يفعل إلى المساء ليس عنده برنامج واضح ليس عنده أشغال تشغله ليس عنده علم ليطلبه ولا أحدلأجل أن يستفيد منه إنما تجد أنه يستيقظ إلى أن ينام في الليل يمضي وقته هكذا سبهللا.. فإذا سئل في يوم القيامة كيف مضى عليك وقتك وجدت أنه لا يحير لذلك جواباً إلا كما يجيب من يعيشون لأجل غير قضية ولا يحملون هماً.. أيها الأحبة الكرام:
ينبغي للعبد أولا: لأجل أن يستفيد من هذه الإجازة.. أن يدعي الله تعالى أولاً أن يعينه ويوفقه لتمضي عليه هذه الأشهر الثلاثة أو الأربعة في نفع وفائدة.. قل اللهم أعني على أن أمضي وقتي في طاعتك.. على أن أستفيد منه .. على أن أستثمره.. على أن لا أخرج منه فارغاً أو سهراناً.. الأمر الثاني ينبغي على المرء أيها الأفاضل في الإجازة أن يضع أهدافاً محددة لإجازته ليقول هذه ثلاثة أو أربعة أشهر قادمة.. ماهي الأهداف التي أتمنى أن أفعلها فيها؟ أتمنى أن أحفظ القرآن وأراجعه مثلاً.. أو أحفظ خمسة أجزاء أو عشرة.. أتمنى أن أنتهي من تفسير ابن كثير مثلاً.. أتمنى أن أقرأ كتاب كذا وكذا في السيرة النبوية مثلاً.. أتمنى ان أقرأ أول خمس مجلدات من فتاوى النشرة الدائمة للإفتاء مثلاً.. يضع أهدافاً محددة أو أن يقول أتمنى ان آخذ دورة في إصلاح السيارات أو الكمبيوترات أو ماشابه ذلك .. يضع أهدافاً محددة منذ البداية توافق الميول التي لديه.. ثم لا يكتفي بذلك ينبغي أن يخطط تخطيطاً واضحاً مكتوباً أن يأخذ ورقة وقلماً ويكتب أنا سأفعل كذا وكذا ويجعل الأهداف واضحةً دقيقة غير متداخلة لا يضع شيئاً أكبر من قدرته ولا شيئاً واضحاً ينقضي بسرعة إنما يضع شيئاً متوافقاً لقدراته حتى بعد نهاية الإجازة إذا بدأت السنة الدراسية الجديدة ونظر قال الحمدلله خلال هذه الثلاثة أشهر أتممت حفظ القرآن بعدما كنت أحفظ عشرين جزءاً أكملتها إلى الثلاثين مثلاً.. أو خلال هذه الإجازة حفظت سبعة أجزاء من القرآن .. أو انتهيت من قراءة التفسير أو ماشابه ذلك.. وينبغي أيضاً أن يكون العبد له أهداف واضحة محددة ومن ذلك سأذكر أيها الأفاضل بين يدي قرابة العشرين هدفاً لمن أراد فعلا أن يستفيد من وقته سواءً من كان بين يديه إجازة واضحة أو كذلك من كان عنده وقت فراغ يريد أن يستثمره .. أولاً: أفضل ما صرفت فيه الأوقات حفظ كتاب الله عز وجل ولو جمع القرآن في إهاب ما عذبه الله تعالى في النار والقرآن يأتي في يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ومن ذلك الاشتراك في مسابقات حفظ القرآن التي تقام سواء في المساجد أو في غيرها .. ولا بأس أيضاً لو اجتمع بعض الشباب وذهبوا إلى بعض القرى وأقاموا فيها حلقات لتحفيظ القرآن .. لا يمنع أن تنسق مع أحد مكاتب الدعوة انت وأربعة وخمسة من زملائك وتقيم في المسجد لمدة خمسة أيام أو ستة أيام دورة مركزة علمية لحفظ القرآن الكريم خلال هذه الخمسة أيام يمكن لبعض النبهاء ممن يشاركون معكم من الطلاب ربما يستطيع أن يحفظ جزئين خلال هذه الخمسة أيام، وقد رأينا من يشترك في بعض حلقات تحفيظ القرآن بالدورات القرآنية المركزة للحفظ رأينا عدداً منهم يحفظ خلال ثلاثة أيام جزءاً كاملاً أو ربما حفظ أكثر من ذلك.. لا مانع أن يكون خيرك متعدياً.. استفد من مكاتب الدعوة التي في هذا البلد المبارك لأجل أن تقيم لك مثل هذه المناشط ، ويمكن أن تقيم حلقة قرآن في البيت لو تيسر أن تقترح على بعض أهلك على أمك أو على أختك أن تقيم حلقة قرآن في البيت في الضحى بحيث أنه يجتمع عندها النساء ويتعلمن حفظ القرآن في الضحى أو في العصر .. المهم أن يكون لها مثل هذا التأثير .. ومن ذلك تحفيظ الصغار للأذكار تحفيظهم أذكار الصباح والمساء .. تحفيظهم أذكار النوم.. تعليمهم مثل ذلك لأجل أن ينشأ عليها.. ومن ذلك إذا تيسر للمرء أن يضع درساً أسبوعياً في بيته ولو لزملائه أو لجيرانه يقرأ لهم شيئاً من التفسير أو شيئاً من السيرة النبوية .. أو شيئاً من كتب أهل العلم لأجل أن يكون مؤثراً ومعلماً للناس الخير.. وإن الله وملائكته والنملة في جحرها والحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير.. ومن ذلك أيضاً الاستفادة من المساجد بتعليق لوحة في المسجد فتأتي في كل يومين أو ثلاثة وتنشغل ببحث أمور هامة مثلاً.. مثلاً تفسير بعض الآيات .. تعليق بعض السنن المهجورة وتذكير الناس بها.. ذكر بعض القصص والحوادث.. بعض الفتاوى الهامة وتطبعها بشكل حسن قد تشغل بذلك أيضاً أختك أو أخاك في البيت ويشعروا بأنهم لهم نفع في الأمة وتعلقها في المسجد في لوحة خاصة وكلما قرأها أحد وعمل بمثل هذه الأذكار أو السنن أجرت ..كيف لو علق أحدكم مثلاً قول النبي عليه الصلاة والسلام من قال سبحان الله وبحمده غرس الله تعالى له نخلة في الجنة.. كيف لو علقتها في المسجد أو علقتها عند باب البقالة أو عند باب مدرستك أو جامعتك أو في بيتكم _ كيف لو علقتها وأصبح الداخل والخارج ومن رآها في الصالة وغيرها كلما رآها قال سبحان الله وبحمده فغرس الله له نخلة في الجنة وغرس لك مثلها فإن من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعهلا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً وكذلك من الأعمال أن تقرأ من كتاب رياض الصالحين أو غيره في مسجدكم .. تعال إلى الإمام قل بارك الله فيك أنا أريد أن أقرأ للناس بين الأذان والإقامة لصلاة العشاء في يوم محدد، أو بعد صلاة العصر إن كان الإمام لا يقرأ من كتاب أريد أن أقرأ على الناس من رياض الصالحين أن أقرأ عليهم تفسير قصار السور قدرة الإنسان أيها الأفاضل على أن يفعل ذلك حتى لو لم تكن ملتزماً التزاماً تاماً حتى لو لم تكن ملتحياً.. أهم شيء أن يكون لك تأثير.. قل أنا سأقرأمن كتاب مختصر تفسير السعدي أو من غيره .. وأقرأ على الناس تفسير قل هو الله أحد كلها أربعة أسطر.. أقرأ تفسير قل أعوذ برب الفلق.. وتكون بذلك قد علمت القرآن وعلمته عندها تكون من أهل الله وخاصته الذين هم أهل القرآن كذلك من الاقتراحات مثلاً أن يضع المرء صندوقاً للمسجد وهذا الصندوق لا يكلف صنعه إلا قرابة الأربعين ريالاً وتستقبل فيه الأسئلة ثم في يوم محدد تفتح هذا الصندوق وتعرض هذه الأسئلة على أحد أهل العلم ثم تأتي وتجيب الناس عليها شفهياً أو تكتب الإجابات بجانب الصندوق تقول في كل سبت تجدون إجابات أسئلتكم ثم تكتب السؤال وتكتب جوابه أول من يستفيد أنت لما سألت طالب العلم وناقشته واستفدت من علمه ثم ساعدت الناس في تعليمهم وفي فقههم ويبدأ الناس ربما يستفتونك في بعض المسائل فإذا استفتوك ازددت نشاطاً وحرصاً على أن تتعلم أكثر ، ومن ذلك أيضاً أن تقترح على أختك مثلاً أو أمك في البيت أن تحفظ الخادمة القرآن .. كم من الخادمات تأتي إلى بلادنا وهي ربما لا تحفظ إلا ثلاث أو أربع سور تقيم بها صلاتها وهي لا تعرف تفسيرها وربما كانت عقيدتها فيها شيء من الخطأ .. فينبغي علينا أن نشارك في ذلك.. اقترح على أختك يا أخي أو على أمك قل لها يا أماه حفظيها هذه السور أو أحضر لها مسجلاً وشريطاً أو بعض الأجهزة تباع بثلاثين ريالاً فيها قصار السور يضغط على شيء فيها ويقرأ وهو يقرأ وراءه، فلو أن أختك مثلاً الفارغة أو أمك مثلاً إذا فرغت خلال هذه الثلاثة أشهر حفظت الخادمة وربما عدداً من الخادمات حفظتهن عدداً من السور فإنك تؤجر بذلك فأنت الذي وجهتها إلى ذلك.. أيضاً من الاقتراحات محاولة التأليف والكتابة الصحفية والتدرب على ذلك.. لماذا تكون الكتابة في الصحف مقصورة على عدد من الناس ربما يكون بعضهم عنده شيء من الخلل في فكره أو في طرحه.. ما الذي يمنعك من أن يكون لك محاولات وترسل إليهم اليوم ربما لا ينشروه لكنه مع المداومة ومع تطور كتابتك وإذا لم ينشر في هذه الصحف فإنه سينشر في غيرها .. وأذكر أني كنت أحضر موضوعاً معيناً فدخلت إلى شبكة الإنترنت فأرجعني من خلال البحث إلى مقال في أحد المنتديات .. المنتديات الميتة التي لا يدخلها إلا عدد قليل من الناس ولما قرأت هذا المقال في الموضع الذي كنت أبحث فيه فإذا المقال مكتوب قبل ثمان سنوات وإذا أنا القارئ رقم ثلاثة له خلال هذه الثمان سنوات ومع ذلك انظر كيف إن صدقت نية الكاتب في ذلك الموضوع لازال الله تعالى يسوق إليه الخير سوقاً ولو بعد ثمان سنين حتى لو كان في البداية أنه كتب ذلك الموضوع ولم يقرأه أحد فإذا كان خلال ثمان سنوات أنا القارئ رقم ثلاثة فما بالك ربما بكم واحد قرأه خلال تلك السنة التي كتبه فيها .. لا تيأسن أكتب وابذر والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.. كذلك أيها الأفاضل زيارة المستشفيات .. مستشفى النقاهة ، المستشفيات العادية.. زوروا بالله عليكم المستشفيات والمرضى ستجدون مرضى أهله في الشمال أو في الجنوب وربما كان يتيماً وأمه مشغولة عنه أو ربما كان ليس له أبٌ ولا أم في الوجود ولا يزال صبياً وبعضهم لم يزره أحد منذ شهر أو منذ شهرين ولك أن تتصور مقدار فرحه واستبشاره بمن يأتي إليه ويدعو لهم كما يدعون له، وإن تيسر أن تذهب معك شيء من الهدايا اليسيرة إليهم وإن لم تذهب بهدايا فعلى الأقل تدخل على هذا المريض وتواسيه وتضع يدك على رأسه وتقرأ عليه سورة الفاتحة وتضع يدك على صدره وتقرأ عليه سورة الفاتحة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول من زار مريضاً في الصباح قيض الله سبحانه له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى المساء ومن زار مريضاً في المساء قيض الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له حتى الصباح .. ماالذي يمنع أن يتفق اثنان أو ثلاثة هذا ما يحتاج إلى استئذان أحد من الجهات الحكومية ولا شيء.. رجل يذهب وقت الزيارة يمر على المرضى: السلام عليكم كيف حالك إن شاء الله بخير، نسأل الله تعالى أن يشفيك .. هاه هل تود أن أقرأ عليك الفاتحة وسورة سورتين .. نعم بارك الله فيك جزاك الله خير .. فيضع يده على رأسه أو صدره ويقرأ عليه ويسبح لك من يسبح من الملائكة ويستغفرون لك.. ولو حددت لك يومين من الآن خلال هذه الإجازة كل سبت وثلاثاء مثلاً أو في غيرها .. ثم حرصت فعلاً على أن يكون لك هذا التأثير والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل.. يعني في الرقية.. وقال عليه الصلاة والسلام أخبروني عن شجرة من الشجر مثلها كمثل المؤمن يعني كل شيء فيها نافع مثل ما المؤمن وقته نافع وماله نافع ولسانه نافع وعينه نافعة وقلبه نافع ودينه نافع.. ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الشجرة هي النخلة فإنه يستفاد من ثمرها ويستفاد من جذعها ويستفاد من أغصانها ويستفاد منها كلها ومن ليفها قال فإنها النخلة وكذلك أيها الأحبة المؤمن لا ينبغي أن يمضي عليه وقته في الإجازة لا يستيقظ إلا في الساعة الحادية عشر ثم يبدأ يمطي نفسه إلى الساعة الثانية عشر .. ثم يصلي الظهر ويرجع يقلب جريده إلى أن يؤذن عليه العصر ثم بعد العصر يجلس يتابع له برنامجاً من البرامج وربما كان غير مفيدإلى صلاة المغرب.. سبحان الله يعني.. أيمضي عليك وقتك بهذه الصورة إلى هذه الدرجة نفسك ليس لها قيمة عندك كلما ازددت استفادة من وقتك وحرصاً عليه ازداد شعورك بقيمة حياتك والله أن تزداد سعادة أيضاً في حياتك ياإخواني سماع كلمات الناس الذي يقول لك جزاك الله خير.. بارك الله فيك.. ما قصرت .. يورد سعادة في القلب عظيمة ربما لا يحس بها إلا من ذاقها فإذا كان الإنسان شعر بذلك وشعر أن الناس دعوا له بصدق وإخلاص لشفقته عليهم ورحمته بهم وحبه الخير لهم فإنه بذلك يشعر بسعادة لا يذوقها والله صاحب المال ولا صاحب المنصب ولا غيرهما من الناس..ومن ذلك أيضاًعددٌ من الأشياء التي يمكن _الاقتراحات التي يمكن_ للإنسان أن يبذلها لعلي أن أسوقها بإذن الله في الخطبة الثانية أسأل الله تعالى أن يستعملنا وإياكم في طاعته وأن يوفقنا وإياكم لفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن يجنبنا الفتن ماظهر منها وما بطن .. أقول ماتسمعونه وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب أستغفره وأتوب إليه إنه التواب وهو الغفور الرحيم .








الحمدلله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه.. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله
وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن سنته إلى يوم الدين..أما بعد أيها الإخوة الكرام: من ذلك أيضاً أن بعض من يتميزون ببعض المهارات مثلاً شخص متميز بمهارة الإقناع .. أو مهارة الإلقاء.. أو القراءة السريعة .. أو في التعامل مع الناس أو ماشابه ذلك .. لا مانع أن يعلم غيره ذلك سواءً بالتعاون مع حلقات التحفيظ في المساجد.. أو التعاون مع ما يقام من مراكز صيفية وشبابية أو يتعاون مع بعض الدور النسائية أن يلقي بعض المحاضرات عندهم .. يقدم لهم بعض الأفكار.. لا تنتظر دائماً أن الفرص تأتي إليك أنت اذهب ابحث عنها .. أنت ابحث عنها كما قال يوسف عليه السلام: اجعلني على خزائن الأرض.. رجل خارج من السجن ويقف مع ملك مصر وله جلالته وقدره..ومع ذلك يوسف عليه السلام يبحث عن فرصة لم ينتظر لم يسكت أمام الملك ويقول رجعني للسجن لا.. إنما مادام أنني أمام رجل يمكن أن أجد أمامه فرصة للعمل فإني أقدمها قال اجعلني على خزائن الأرض .. ثم ذكر قدراته فقال إني حفيظ عليم.. كذلك أنت لا مانع أن ترسل إلى دارٍ نسائية أو ترسل إلى بعض حلقات التحفيظ في المساجد تقول ياجماعة أنا عندي كذا وكذا أستطيع أن أساعدكم به أستطيع أن أرتبه لكم .. هاه هل تريدون ذلك؟ لا تنتظر حتى يأتوا إليك هم.. بل اسعَ إلى الخير سعيه ثلاثة مع غيرك فيه .. كذلك استغلال الرسائل الإلكترونية من خلال الانترنت في الدعوة إلى الله.. بعض المواقع أيها الأفاضل يوجد فيها ملايين الناس مثل مثلاً موقع فيس بوك أو غيره لو أن الإنسان كتب بعض الرسائل فيها نصح وتوجيه بعدد من اللغات حتى لو أخذها من بعض المواقع المتخصصة في اللغات المتعددة.. ثم بدأ يرسل إليهم فلعل رجلاً يدخل على يدك في الإسلام في شرقٍ أو في غربٍ أنت لا تعلمه ولا تعرفه لكن الله جل وعلا يعلمه ويحفظ لك أجرك عنده سبحانه وتعالى.. احرص على أن تعمل وأن تبذل لعل الله سبحانه أن يؤجرك على ذلك .. ولو تيسر للمرء أن يدخل من خلال الانترنت وأن يفرغ محاضرات العلماء ومحاضرات الدعاة والمشايخ .. ندخل أحياناً نبحث عن مسألة من خلال هذا الجهاز _ من خلال الإنترنت_ ثم مثلاً في صلة الرحم فيحيلني إلى موقع مهم.. فإذا دخلت في هذا الموقع لأستفيد منه في خطبتي أو في درسي فإذا به مادة صوتية لمدة ساعة أنا لست متفرغاً أن أسمع المادة كاملةً ثم أرى هل فيها جديد علي حتى أستفيد منه عندها أغلقه وأبحث عن موقع آخر ولو أني وجدت هذه المادة مفرغة ومكتوبة لن تستغرق مني ربما خمس دقائق في استعراضها وأن أصطاد منها مايهمني فأخلق بمن فعل ذلك أن يحوز أجراً عظيماً.. من جاء وقال أنا عندي وقت فراغ إذا سأفرغها وسوف أنشرها بهذا الجهاز.. ويستفيد منها فلان في الدولة الفلانية عن خطبته ، وفلان في فتواه، وفلان في كذا .. فإنك بذلك تؤجر بلا شك .. وكم يوجد الآن من فتاوى بالإنترنت ومن خطب ومن دروس كلها صوتية وليست مفرغة ولو أن الإنسان احتسب لأجر بإذن الله تعالى على ذلك .. أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا .. ولا شك أن ماذكرته أيها الأفاضل هو إشارات إلى بعض ما انقدح في الذهن من أفكار.. وأنا واثق أن من أمامي من الإخوة الكرام هم عندهم سعة اطلاع وقدرة على أن يبتكروا أيضاً لكنني أردت أن أنبه إلى قاعدةٍ هامة وهي أن لا تمضي عليك الإجازة سبهللا .. لا تمضي عليك الإجازة سبهللا.. أنا أحزن والله لما أقرأ عن بعض الكافرين كيف يستفيدون من أوقاتهم مثلاً ثم تقرأ عن ناس في اليابان أو أمريكا أو غيرها.. وهم لا يرجون من الله جنةً أو يهربون من نار.. وأوقاتهم التي تمضي عليهم لا يخافون أن يسألوا عنها بين يدي الله تعالى.. ومع ذلك لهم أثر فينبغي علينا نحن أن نجتهد غاية الاجتهاد لعل الله تعالى أن يأجرك على هذا.. أسأل الله جل في علاه أن يستعملنا جميعاً في طاعته .. اللهم إنا نسألك أن تستعملنا جميعاً في طاعتك .. وأن تجنبنا معصيتك ياحي ياقيوم يارب العالمين .. اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ماعلمنا منه ومالم نعلم .. ونعوذ بك ربنا من الشر كله عاجله وآجله ماعلمنا منه وما لم نعلم .. اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا..اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة العافية على طاعتك حتى يلقاك .. ومن كان منهم ميتاً فوسع له في قبره وضاعف له حسناته .. وتجاوز عن سيئاته واجمعنا به في جنتك ياحي ياقيوم .. اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا .. اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا .. اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا .. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً ياذا الجلال والإكرام .. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى.. وخذ بناصيته للبر والتقوى .. اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، و سائر ولاة أمور المسلمين ياحي ياقيوم اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين.. والحمدلله رب العالمين





ربنا لاتخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا وتغفر لنا خطايانا
قديمة 23 - 01 - 2010, 00:37
المشاركة 68
صورة 'محمد العمري' الرمزية
محمد العمري
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 30 - 01 - 2006
رقم العضوية : 17799
الدولة : ][ KsA ][
العمر: 32
المشاركات: 1,790
افتراضي

بارك الله فيك مفتونك ماشاء الله عليك

فيديو روعه للشيخ
http://www.youtube.com/watch?v=Hf_MobXY8nE
مـــدونتي

:-:-: التائب من الذنب كمن لا ذنب له :-:-:
com. القرار الشجاع www
قديمة 23 - 01 - 2010, 00:44
المشاركة 69
صورة 'حربي' الرمزية
حربي
:: عضو نشيط ::
تاريخ الإنضمام: 23 - 01 - 2008
رقم العضوية : 50818
الدولة : المدينة المنورة
المشاركات: 1,086
1
افتراضي
كتبة على موقع طريق الإسلام
http://www.islamway.com/index.php?iw...&lang=1&id=125

صفحته في موقع للإسلام
http://www.4alislam.com/browse-alera...os-1-date.html

جزاك الله خير
قديمة 25 - 01 - 2010, 13:00
المشاركة 70
صورة 'saleh_aljafar' الرمزية
saleh_aljafar
.:: عضو متألق ::.
تاريخ الإنضمام: 15 - 10 - 2009
رقم العضوية : 70945
الدولة : شرقاوي السعوديه
المشاركات: 5,640
4
افتراضي
وبارك الله فيك اخوي
ماذا قال الشيخ محمد العريفي لبنت تحب شاب ومتعلقة فيه



ظ…ط´ط§ظ‡ط¯ | ظ†ط¸ط±ط© ظ†ظ‚ظٹط© - ظ…ط§ط°ط§ ظ‚ط§ظ„ ط§ظ„ط¹ط±ظٹظپظٹ ظ„ط¨ظ†طھ طھط*ط¨ ط´ط§ط¨ ظˆظ…طھط¹ظ„ظ‚ط© ظپظٹظ‡

فيديو : موقف مضحك ومحزن للشيخ محمد العريفي مع طلابه

أترككم مع المشهد ..



ظ…ط´ط§ظ‡ط¯ | ظ†ط¸ط±ط© ظ†ظ‚ظٹط© - ظ‚طµط© ظ…ط¶ط*ظƒط© ظ„ظ„ط´ظٹط® ظ…ط*ظ…ط¯ ط§ظ„ط¹ط±ظٹظپظٹ ظ…ط¹ ط·ظ„ط§ط¨ظ‡
ربنا لاتخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا وتغفر لنا خطايانا
قديمة 25 - 01 - 2010, 13:40
المشاركة 71
Live
.:: عضو شرف ::.
تاريخ الإنضمام: 31 - 12 - 2005
رقم العضوية : 15167
المشاركات: 3,472
افتراضي
اي رد خارج الموضوع سيعرض صاحبه لما ينتج عنه .
 
اضافة رد
 

صُـور لـلـمُبدع خـآلِد الـسعـيد [ © khaled-alsaeed ] هل الكرة الأرضية موجودة في السماء الدنيا ؟

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق العرض


الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 00:06.
المعهد غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي معهد ترايدنت ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

جميع الحقوق محفوظة Traidnt 2019
  • 00966138651070
  • 00966138648289
  • 2051033691
Powered by vBulletin® Version 3.8.11 .Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.